بعد ايام قلائل من انتهاء قمة كامب ديفيد الثانية الامريكية ـ الاسرائيلية ـ الفلسطينية في أغسطس عام 2000 والتي رفض فيها الرئيس الفلسطيني ما عرض عليه من اقتراحات امريكية واسرائيلية كان سقفها اعلى قليلا من سقف اوسلو وفي الوقت نفسه اقل بكثير من سقف المطالب الفلسطينية العادلة لجهة انهاء الاحتلال الاسرائيلي لكل اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة بما في ذلك القدس الشرقية واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، اعلن الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون في تصريح لا لبس فيه أو غموض. ان الكرة باتت في الملعب الفلسطيني «واضعا بذلك المسئولية عن فشل المفاوضات وفشل التوصل الى اتفاق فلسطيني ـ اسرائيلي وبالتالي النتائج التي ستترتب على هذا الفشل سواء لجهة توقف عملية السلام مع الفلسطينيين او لجهة تدهور العلاقات الفلسطينية ـ الاسرائيلية على عاتق الجانب الفلسطيني . وكان واضحا من خلال ذلك التصريح ومن خلال ما نشر واعلن عن تلك المفاوضات ان الجانب الامريكي قرر الانحياز التام لاسرائيل في مواقفها من عملية السلام وقرر بالتالي دعم المواقف والسياسات الاسرائيلية تجاه العلاقة مع الفلسطينيين، وكان واضحا ايضا ان هذا القول للرئيس الامريكي بأن الكرة باتت في الملعب الفلسطيني هو بمثابة نفض اليد الامريكية من عملية السلام على المسار الفلسطيني بعد ان سبقتها نفض اليد الامريكية من عملية السلام على المسار السوري اثر فشل قمة جنيف بين الرئيس كلينتون والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في مارس من العام نفسه وذلك حين اعلن بعدها الرئيس كلينتون ان الكرة باتت في الملعب السوري، وبقدر ما كان قول الرئيس الامريكي ان الكرة في الملعب السوري وفي الملعب الفلسطيني تعبيراً عن نفض اليد الامريكية من عملية السلام وتعبيراً عن تحميل الرئيسين السوري والفلسطيني المسئولية عن ذلك وعن فشل تلك العملية فقد كان هذا القول تعبيراً عن موافقة امريكية على اطلاق اليد الاسرائيلية في العمل كما تشاء وفقا لما يخدم المصلحة الاسرائيلية والامريكية. تحول استراتيجي امريكي بالطبع لم يكن مصادفة ان الرئيس كلينتون استخدم التعبير ذاته بعد فشل القمتين رغم الفاصل الزمني الطويل نسبيا بينهما، بل كان استخدامه لهما مقصوداً وتعبيراً عن توجه امريكي استراتيجي جديد تجاه عملية السلام وتجاه الطرفين: سوريا والسلطة الفلسطينية، مضمونه الاساسي الانسحاب الامريكي من عملية السلام على المسارين تمهيداً للانقلاب الامريكي على ما تم تحديده من مباديء وأسس وقرارات شرعية دولية تم التوافق عليها في مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط في نهاية اكتوبر عام 1991 لارساء سلام بين الدول العربية واسرائيل مرتكزه انسحاب اسرائيل الكامل من الاراضي السورية والفلسطينية الى حدود الرابع من يونيو 1967، فالمواقف الامريكية المعلنة سواء قبل مؤتمر مدريد او بعده، حتى مع اقرارها بأن الضفة والقطاع والجولان اراض محتلة من جانب اسرائيل، ليس فيها اي اعلان او موقف امريكي صريح يؤكد أو يدعو الى وجوب انسحاب اسرائيل من هذه الاراضي الى حدود الرابع من يونيو 1967 تطبيقاً لقراري مجلس الأمن 242 و 338 بدعوى ان تحديد مسألة الانسحاب الاسرائيلي وحدوده واشتراطات ذلك امر متروك للمفاوضات والاتفاقات بين اسرائيل وكل من سوريا والسلطة الفلسطينية. هذا التوجه الامريكي الاستراتيجي سرعان ما لمسته الاطراف العربية والدولية مع الاشهر الاولى من تولي جورج دبليو بوش الرئاسة الامريكية بعد كلينتون اذ سارعت ادارته الى اصدار توجيه بالتوقف عن استخدام تعبير «عملية السلام» والى الغاء منصب المنسق الامريكي لعملية السلام والذي كان يشغله دينس روس على امتداد فترتي حكم بيل كلينتون، ثم لمسته مختلف الاطراف بشكل اكبر مع التطورات التالية سواء في واشنطن او في تل أبيب خصوصا لجهة تطورات الانتفاضة والسياسات والممارسات الاسرائيلية حيالها او لجهة التطورات الامريكية والدولية الحاصلة منذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي. مخطط تصفية القضية على الصعيد الاسرائيلي، تمثلت الترجمة الاسرائيلية للتوجه الامريكي في قرار ايهود باراك رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق (ولم يمض على تسلمه رئاسة الحكومة سوى اقل من عامين) بحل الكنيست والتوجه الى اجراء انتخابات اسرائيلية عامة دون ان يكون مضطرا الى ذلك اضطرارا فعليا، تماما كما فعل من قبل شيمون بيريز عام 1996 حين قرر تقديم موعد الانتخابات رغم ادراكه ان الفوز فيها سيكون من نصيب خصمه بنيامين نتانياهو وليس من نصيبه، وما حصل لبيريز عام 1996 حصل لباراك عام 2000، وكأن الامر مخطط او مقرر سلفا، فقد فاز ارييل شارون بأغلبية ساحقة وفاز حزبه (الليكود) بأغلبية كبيرة الى جانب الاحزاب اليمينية والدينية الاخرى في الكنيست. وفي ا لمرة الاولى افسح حزب العمل، بعد مقتل زعيمه اسحق رابين بسبب توقيعه على اتفاقات أوسلو، المجال امام حزب الليكود بزعامة نتانياهو للعمل على تجميد تنفيذ اتفاقات اوسلو وما نصت عليه بشأن السنوات الخمس التي تم الاتفاق مع الفلسطينيين على اعتبارها مرحلية او مؤقتة يفترض ان يتم بعدها التوصل الى اتفاق نهائي ينهي الاحتلال الاسرائيلي تنفيذا للقرار 242، وفي المرة الثانية وبعد ان فشل باراك مدعوما من الرئيس الامريكي بيل كلينتون في الحصول من السلطة الفلسطينية على تنازلات تتيح لاسرائيل الاستمرار في احتلال القدس الشرقية والاستمرار في احتلال اجزاء واسعة من اراضي الضفة والقطاع بذريعة الاحتياجات الامنية والاستيطانية، افسح حزب العمل مجددا المجال امام حزب الليكود بزعامة شارون لتسلم مقاليد الحكم في اسرائيل بعد ان تسلم الجمهوريون بزعامة جورج بوش الابن مقاليد السلطة في الولايات المتحدة الامريكية (وفي وقت كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية تزداد قوة وتطورا بوصفها الخيار الفلسطيني) من اجل ليس تجميد تلك الاتفاقات وانما ايضا من اجل تقويضها ونسفها خصوصا اذا ما استمر الفلسطينيون في انتفاضتهم ومقاومتهم للاحتلال طلبا للحرية والاستقلال واقامة الدولة الفلسطينية على كل الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس. منذ تسلمه للسلطة اعتمد شارون (متشجعا بمواقف الادارة الامريكية ورؤيتها الاستراتيجية بشأن انسحابها من عملية السلام) برنامجا مغايرا كليا للسياسات الاسرائيلية منذ 1993 بشأن الاتفاقيات الفلسطينية ـ الاسرائيلية وما ترتب عليها وبشأن مستقبل العلاقة الفلسطينية ـ الاسرائيلية، منطلقا من مواقفه السابقة الرافضة لاتفاقات أوسلو والرافضة لاقامة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها والرافضة لمبدأ الانسحاب الواسع من الأراضي الفلسطينية والرافضة بالتالي لمبدأ الدولة الفلسطينية المستقلة، ومعتقدا ان الانتفاضة الفلسطينية وما يرافقها من عمليات مقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي تقدم له الفرصة والاجواء المناسبة لتنفيذ برنامجه، وما ان وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي في نيويورك وواشنطن وما رافقها من اعلان الادارة الامريكية الحرب على الارهاب الدولي حتى سارع شارون الى اعلان مشاركة اسرائيل في هذه الحرب والى تصوير الانتفاضة وعمليات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي كعمليات ارهابية وليس مقاومة مشروعة ومقرة دوليا ضد احتلال بدأ منذ يونيو 1967 ومازال قائما الى اليوم وضد دولة احتلال لاتزال ترفض الاقرار بأنها تحتل الضفة والقطاع وعليها واجب انهاء هذا الاحتلال حتى يتمكن الشعب الفلسطيني من العيش بأمن وسلام ويمارس حقه المشروع في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة. تمشيا مع ذلك، أعلن شارون، كما نقلت عنه صحيفة يديعوت احرونوت في الثامن عشر من نوفمبر الماضي ان «أوسلو مات» وقال «أوسلو مات، لم يعد قائما، رغم اننا لم نتخذ القرار الرسمي بالغاء الاتفاقيات»، وعكست التصريحات والموافق الرسمية الامريكية مواقف مشابهة جدا لموقف شارون حين قبلت «ان تتعامل مع اتفاقات أوسلو وكأنها في حكم المتوفاة وان تعتبر العلاقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين علاقات حرب لا علاقات سلام» وهو ما أكده الصحفي البريطاني باتريك سيل مؤخرا، وبناء على ذلك انطلق شارون مدعوما بالصمت تارة وبالرضا والتفهم الامريكي تارات اخرى لتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية عبر حرب متصاعدة ضد كل مؤسسات وقيادات ورموز السلطة بما في ذلك رئيسها ياسر عرفات الذي فرض عليه الحصار في مدينة رام الله ومنعه من مغادرتها، بدعوى ان السلطة لم تعد تلتزم بما نصت عليه اتفاقات أوسلو وبأنها تدعم وتشجع ما يصفه بعمليات الارهاب الفلسطينية التي تستهدف المحتلين الاسرائيليين، وهو يستعد كما يبدو الآن للخطوة الاخيرة المتمثلة بالاعلان عن ان السلطة الوطنية الفلسطينية ومعها الفصائل الفلسطينية، سلطة وفصائل ارهابية، للانطلاق بعدها نحو اعادة احتلال كل مناطق السلطة الفلسطينية ونحو شطب السلطة من الوجود عبر حرب بشعة تستهدف ليس فقط تصفية السلطة وإنما ايضا تصفية القضية الفلسطينية برمتها، وبذلك يأمل شارون ان يترجم قول الرئيس الامريكي السابق وتوجه الرئيس الامريكي الحالي الى واقع نصه انه لم يعد هناك وجود لملعب فلسطيني بعد ان أكلته النار الاسرائيلية. بقلم: عمر كيلاني ـ مدير المكتب الصحفي في وزارة الإعلام السورية