القناعة التي باتت أكثر رسوخا على المستويين القيادي والشعبي الفلسطيني خاصة والعربي عامة، تنعي صراحة اتفاق أوسلو وتحاول ان تتلمس طريقا الى نهوض فجر مقاوم متجدد. سقوط أوسلو أو اسقاطه في مناسبات ومجالات عدة ليس الحدث، فوصول الاتفاق الى مثل النهاية التي وصل اليها حدثاً متوقعاً وحديثا كان مطولا لسنوات. وبات الحديث يتركز الآن على اعادة صياغة مرحلة ما بعد الاتفاق على قواعد وطنية فلسطينية أساسها دفع المقاومة الى المزيد من العمل والعطاء والتأثير وتحقيق التماسك الوطني المحلي على الاصعدة كافة وفي مختلف المجالات. وفي جردة الحساب توقن القيادات على شتى المستويات أهمية تحقيق ذلك بعد سنوات أوسلو التقييدية والتفكيكية للارادة الفلسطينية التي تمادت في بعضها في احباطها وانجرارها وراء أوهام لم تكن مقنعة لأحد يوما حتى لمروجيها أنفسهم وأدت الى خسائر على كافة المستويات. ماذا بعد أوسلو؟ يختصر السؤال طبيعة المرحلة ويضيء على المستقبل المطلوب والمأمول.. كيف؟ ثمة رأيان جمعهما الملف السياسي لممثل حركة حماس في لبنان اسامة حمدان ولرئيس المنتدى الثقافي الديمقراطي سهيل الناطور وكان لكل منهما رأيه. أسامة حمدان: حماس ـ ردا على سؤال حول ما اذا كانت حكومة شارون تتجه للانقلاب على اتفاق أوسلو؟ أجاب حمدان بقوله: ـ لا يجب ان يغيب عن الذهن ان اتفاق أوسلو بحد ذاته كان من الطبيعي ان يصل الى مثل هذه النهاية لأنه لم يتحدث عن اقامة عدالة، ولا عن اعادة حقوق وإنما تحدث عن اعادة ترتيب أوراق الاحتلال ليس أكثر من ذلك. اعتقد ان شارون الآن لا يريد اسقاط أوسلو بقدر ما يريد اعادة صياغته لينسجم مع رؤيته للعلاقة بين الفلسطينيين وبين الكيان الصهيوني. ولأكون واضحاً أقول ان شارون يريد سلطة فلسطينية تقوم بدور أمني يخدم الاحتلال، ولا يريدها ان تخدم الشعب الفلسطيني. لهذا هو يسعى الآن لمحاصرة الرئيس ياسر عرفات وتقليص صلاحيات السلطة المركزية واطلاق يد بعض قيادات الاجهزة الامنية من أجل ان تنفذ المخطط الأمني الصهيوني وان تكون هي صاحبة القرار الفعلي النافذ في هذه المناطق التي تهيمن عليها. وبالتالي لا يمكن ان تقوم هناك سلطة مركزية وايضا لا يمكن ان يقال ان هناك نمطا اداريا يسمح للشعب الفلسطيني في ان يطور قدراته وامكانياته، بينما الذي سيكون قائما هو نفس المشروع الذي فكر به شارون منذ أن كان وزيرا للدفاع، وهو «مشروع روابط القرى» والذي هو عبارة عن ادارة مدنية تخضع أمنيا للاسرائيليين، فشارون يدفع للوصول الى هذا الاتجاه. واعتقد ان اتفاق أوسلو كبل السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني وجعل فكرة نمو خيار وطني من خلال مشروع أوسلو من خلال السلطة أمرا صعبا جدا، بل يكاد يكون مستحيلا. ولهذا فإن الخيار الأساسي الباقي الآن لدى السلطة والشعب الفلسطيني هو خيار المقاومة، وانني مقتنع كل القناعة بأن الرئيس عرفات اذا صارح الشعب الفلسطيني بأن «أوسلو» قد انتهى وبأنه لم يعد قائما وبأنه كان محاولة لم يكتب لها النجاح، وانه آن الأوان للعودة الى برنامج الخيار المسلح والمقاومة، فسيجد تجاوبا كبيرا من الشعب الفلسطيني بكل قواه المسلحة». ـ إلى أي مدى نجحت اسرائيل في خلق فراغ سياسي داخل السلطة في ظل حصار الرئيس عرفات؟ وما تأثير ذلك فلسطينيا واقليمياً؟ ـ ربما أشرت في الجواب على السؤال الأول الى ان هناك حرصا لدى شارون وهو يعلم تماما انه لو جاء برئيس للسلطة على دبابة اسرائيلية، كما عبر بعض اخواننا القياديين في حركة «فتح» عن هذه المخاوف. فإنه يعلم ان الشعب الفلسطيني سيقف كله ضد هذا الشخص الذي يأتي على دبابة اسرائيلية. ويعلم كذلك ان انهاء السلطة أو اسقاطها يعنيان ايضا انتهاء برنامج التسوية ليس على الصعيد الفلسطيني بل على صعيد المنطقة. وربما تصبح اتفاقيات السلام الموقعة بين الكيان الصهيوني والاردن ومصر في مهب الريح ايضا. لذلك فإن الذي يسعى اليه شارون هو ان يبقى رئيس السلطة الفلسطينية رغم الاعتقال والتقييد في الحركة، والذي سوف ينعكس على قدرته في السيطرة على الأمور داخل السلطة. ومن ثم تكون المساحة الأكبر للنفوذ والتصرف لقيادات بعض الاجهزة الأمنية التي جرى ترتيب أوراقها وعلاقتها مع الكيان الصهيوني. ـ هل الوضع الفلسطيني مهيأ وقادر على مواجهة ذلك السيناريو واحباطه؟ ـ لقد مر الشعب الفلسطيني في محطات عديدة كانت عصيبة، لكن يمكن اعتبار ذلك السيناريو بأنه جديد عليه، لذا نحن ندعو بوضوح شعبنا وقواه المختلفة الى ان يكون الفرز في داخل الشعب الفلسطيني، وان يكون الانتماء داخل هذ الشعب، ليس الى المعادلة التي سادت خلال سنوات اوسلو، بمعنى سلطة ومعارضة، او مشروع تسوية ومشروع مقاومة بل ان تصبح القاعدة هي المشروع الوطني نفسه من جهة والمشروع المتصهين في المقابل. من يريد ان يكون في المشروع الوطني هو من يدافع عن الشعب الفلسطيني، عن مقاومته، عن مكتسباته ايا كان موقعه، سواء في السلطة او في حركات المقاومة الفلسطينية، او في حركة «فتح» وعليهم جميعا ان يواجهوا هذا المشروع المتصهين الذي ينسجم مع الارادة الاسرائيلية. وأؤكد ان الشعب الفلسطيني سيتمكن من تجاوز هذه الازمة ونحن لنا اتصالات مع كل الفصائل، ومن ضمنهم اخواننا في «فتح» ونسعى جميعا الى ان يكون هناك موقف من مثل هذا البرنامج الذي يسعى شارون لتحقيقه على الاراضي. ـ هل ترى ان المقاومة هي خيار شعبي ام قرار قيادي؟ ـ هذا الخيار هو شعبي، وعبر عن ذلك ليس الشهداء والاستشهاديون وحدهم، ولا القيادات السياسية بمفردها بل ايضا قد عبر عنه الشارع الفلسطيني الذي يطالب دائماً بعد كل عملية بطولية بالمزيد الذي يمشي في جنازات الشهداء بالآلاف. ويطالب بقتلى صهاينة، الذي اذا مددت له يد المساعدة لتعينه في اعادة اعمار بيته الذي دمره القصف الصهيوني يقول لك: «اشتر بهذه الاموال رصاصاً وسلاحاً لنقاتل به اسرائيل»، هذا هو الموقف الشعبي، وهذا الذي يشعر الآن الكيان الصهيوني بمشكلة ازاءه، هو يقرأ ان هناك تحولاً وهذه حقيقة اي تحول في المزاج الفلسطيني الشعبي، الذي حاول ان يعطي اوسلو تسوية وفرصة لتحقق تسوية، لكن اوسلو فشل بعد ثماني سنوات من توقيعه وقد فشل بامتياز واصبح الشعب الفلسطيني مقتنعا الآن انه لا مجال إلا العودة الى خيار المقاومة، وقد بدأ يقر بأن الخديعة الكبرى التي قام شيمون بيريز بصياغتها وتوريط بعض قيادات الشعب الفلسطيني فيها، هي التي تمثلت بقتل برنامج المقاومة انذاك، واعني به الانتفاضة السابقة لصالح ما جرى في اوسلو. ـ هل يمكن الحديث عن المقاومة كخيار وممارسة من دون اجماع قيادي؟ ألا يؤدي غياب هذا الاجماع الى مزيد من التشرذم والاحتكاك الداخلي على المستوى القيادي نفسه اي رسمياً لا شعبياً؟ ـ لاشك ان هناك تباينا على مستوى قيادات التنظيمات وقيادة السلطة. وقد بدا هذا واضحاً منذ اللحظات الاولى للانتفاضة التي رأت فيها قيادة السلطة ورقة تفاوضية وقيادة القوى المقاومة، او ما عرف بـ «لجنة التنسيق الوطني الاسلامي» رأت فيها استراتيجية جديدة لمواجهة الاحتلال وعنواناً من عناوين التحرير. ولا وشك ان هذا يفسد احياناً النتائج المرجوة من الانتفاضة خاصة اذا كان قرار السلطة ان توقف الانتفاضة في لحظة اوشكت ان تحقق فيها انجازاً ما، او ان تواجه المقاومة في لحظة تربك الواقع السياسي الصهيوني بشكل كبير. اعتقد ان شارون لم يترك خياراً للسلطة الفلسطينية، ما يمارسه الآن يجعلها امام خيارين لا ثالث لهما: الاول هو انه اما ان تستجيب لكل املاءاته، وبالتالي ستبقى سلطة معزولة وتقوم بدور امني ضد الشعب الفلسطيني، او ان تستجيب لارادة الشارع الفلسطيني ورغبته وان تنسجم مع برنامج المقاومة، وعندها ستحدث تغيراً على الصعيد الفلسطيني، واخر على صعيد العلاقة او الصراع بكلمة ادق مع الكيان الصهيوني. الناطور: اتحاد الحقوقيين الفلسطينيين اما سهيل الناطور فقد عالج القضية المطروحة لمرحلة ما بعد اوسلو والحاق الهزيمة بمشروع شارون عبر قوله: لقد أوقعت احداث 11 سبتمبر 2001 تبدلات جوهرية في المواقف الامريكية زدات من خطورة الوضع في منطقتنا والحاجة شديدة للتدقيق بالتطورات ووضع السياسات المناسبة، وبعض القضايا المؤثرة التي يرصدها شعبنا منها: ـ رغم ان اسرائيل دأبت على وصم الانتفاضة بالارهاب، فإن سياسة الولايات المتحدة بقيت محافظة على هامش يبتعد عن الصيغة الاسرائيلية، فقد اعتمدت موقف ادانة العنف من الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني. لكن بعد 11 سبتمبر اعتمد الامريكيون التعريف الاسرائيلي للانتفاضة عمليات، وباتوا يطالبونها بالتوقف بدلا من وقف الاحتلال الاسرائيلي وعدوانيته. ـ الهجمات على مراكز السلطة والرموز السيادية من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلية كانت تتلقى احيانا مطالبة امريكية بوقفها واعادة الحال لما كان عليه، ولم تحصل على تأييد علني رسمي بل مناشدة لضبط النفس، لكن بعد 11 سبتمبر صارت الاعتداءات التي زادت وحشية امرا بديهيا، وبلغت قبول ممارسة اعتقال ياسر عرفات، الرئيس الفلسطيني نفسه بمنعه من مغادرة رام الله، حتى لممارسة شعائر دينية رمزية في الاعياد، وهذا عمليا ادى الى استباحة اسرائيلية لما يسمى بالخطوط الحمراء، محمية بغطاء امريكي تكرس باستخدام الفيتو في مجلس الامن ضد اقتراح ارسال مراقبين دوليين، للاشراف على وقف اطلاق النار في الضفة والقطاع، وبذلك تساهم الولايات المتحدة بتغطية استهداف اسرائيل جوهري هو عدم تمكين الفلسطينيين من توفير قاعدة ارضية ومؤسسية للانتفاضة، والعمل على تدميرها. الموقف الاوروبي ايضا اصابة تحول نوعي فقد تماهى مع الموقف الامريكي في تضييق الفجوة بين تعريفهم والتعريف الاسرائيلي لمضمون ما يجري من انتفاضة ومقاومة، وتحول الى عنصر ضغط على الشعب الفلسطيني الذي يعيش الاحتلال الاسرائيلي عنفا وقهرا بها، دون اي اعتبار جدي لاحتمال تهديد عربي للمصالح الغربية نتيجة لهذه السياسات. في هذا الاطار، نفهم كيف تحاول حكومة شارون استغلال الاوضاع والتحولات بعد 11سبتمبر، منقبلة على ماسبق وعقدته الحكومات الاسرائيلية من اتفاقات مع السلطة الفلسطينية، وفي هذا الاطار يجب ان نلاحظ مايلي: اولا: مازال التعامل مع المستوى السياسي الفلسطيني الاول، اي الرئيس عرفات، قائما على المستوى الدولي والاسرائيلي، ولكن الصيغة الطاغية له باتجاه واحد، هو الضغط عليه وعلى السلطة الفلسطينية لمزيد من اضعافه وحمله على تقديم تنازلات سياسية تتطلبها خطة شارون. ثانيا: ان شارون يملك خطة سياسية واضحة ومعلنة، وليس الامر كما يقول كثيرون من العرب، فهو قد اعلن تكرارا انتهاء مفاعيل اتفاق اوسلو، واقترح اقامة دولة فلسطينية، بسيادة مفرغة ومنقوصة، مقطعة وتابعة امينا واقتصاديا لاسرائيل دون حدود مع الدول العربية المجاورة، بدون القدس، والغاء حق عودة اللاجئين، وما يختلف فيه شارون عمن سبقه انه لايفاوض ولا يقبل العودة الى المفاوضات السياسية، بل يتخذ وسيلة وحيدة هي القهر العسكري واجبار الفلسطينيين على الاستسلام لمشيئته، وعندها تكون مهمة لجان الاتصال تطبيق القرارات والتوجيهات الاسرائيلية بخطة شارون المدعومة بغطاء سياسي كامل امريكيا من ادارة بوش. ثالثا: ان الصراع الحالي، منذ بداية العام، وانطلاقا من خطاب عيد الفطر الشهير الذي اعلن فيه عرفات وقف اطلاق النار، بعداعلان حالة الطواريء، والاجراءات التي اتخذها افراديا كسلطة فلسطينية، ضد الفصائل المشاركة في الانتفاضة والمقاومة المسلحة، من اقامة جبرية واعتقالات لمسئولين وكوادر، شجعت الاندفاعة الاسرائيلية، وشهية الضغط الامريكية على التصلب، ولذلك شهدنا ان كل الاجراءات التدميرية للمدن والقرى الفلسطينية، وهي الغاء عملي لمفاهيم اتفاق اوسلو تسير يوميا، دون أي ردع دولي رسمي، وفي ظل صمت وخمود جماهيري عربي، اضافة الى تغطية امريكية تبرر لشارون بأنه يمارس دفاعا عن نفسه. رابعا: الهجمة الشرسة تتم في ظل عدم تقديم الانتفاضة لبرنامج ائتلافي توحيدي، يجمع الطاقات الفلسطينية كلها، ليس فقط قوى الفصائل، بل ايضا يحدد وينظم دور الفلسطينيين بكل مؤسساتهم وبناهم المجتمعية، في الداخل وفي الخارج، فلا صمود دائم الا اذا توفر له: وحدة الهدف، وحدة الوسائل بتنوعها وتنسيقها، وحدة الهيئات المقررة بضمها لجميع تلاوين الطيف السياسي الفلسطيني. بيروت ـ وليد زهر الدين: