يمثل الكفاح ضد الإرهاب أحد الأهداف الأولية للرئاسة الاسبانية للاتحاد الأوروبي وفق ما قاله لنا أزنار. والمراد في هذا السياق هو إيجاد صيغة توافقية بين جميع الدول. لكن أزنار لم يقم بتحديد نوعية الإرهاب الذي يحدثنا عنه لأن ارهاباً أكبر وأعظم شأناً وقدرة على التدمير والخراب من ذلك الارهاب الذي تمارسه مجموعات فاقدة للصواب وخارجة عن السيطرة هو الارهاب الذي يمارس مع افلات كامل من القصاص وباستخدام كل سلطة القوانين والأسلحة وباسم الله والعرق، والذي يستحوذ على مساندة ودعم القوى العظمى ولا يقبل أدنى معارضة ولا أية توصية خانعة ويرفض بشدة أي نوع من النقد يمكن أن يوجه له ويجعله مخطئاً في خرق حقوق الانسان. هذا ما رأيناه في لقاء أجراه السيد بيكيه بصفته رئيساً للاتحاد الأوروبي، قبل أيام خلت مع أحد ممارسي ارهاب الدولة وهو رئيس الحكومة «الاسرائيلية» شارون. ومن أجل ان يكافح ضد الارهاب الذي يعاني منه في بلاده، لا يتردد شارون في أن يقرر من جانب واحد من هو المخطيء ومن يستحق العقاب الذي يفرضه بدباباته وصواريخه متى وكما يشاء. بمعنى انه يحاكم ويعاقب المواطنين من دون إخضاعهم الى محاكمة وبدون السماح لهم بالدفاع عن أنفسهم. أي أنه يقوم بقتلهم ليس إلا. ويعاقب الشعب بتدمير المطارات والمكاتب والمنازل الخاصة ومراكز الشرطة والموانيء والبواخر ومحطات حافلات النقل ومؤسسات الاذاعة والتلفزيون ومؤسسات اخرى شتى شيدها الفلسطينيون بمساعدة عالمية. كما يحكم على العديد من الأشخاص بالهلاك لمجرد أنهم يخطرون في باله بحجة انهم هم المسئولون عن الهجمات، فيقتلهم من الظهر ومن الصدر ومن حيث يريد جنوده، وإذا كانوا بعيدين عن متناول يده، فليس أمام دباباته من خيار سوى اجتياح الأراضي الفلسطينية كما لو أنهم أصحاب وأسياد المكان. ما الذي كنا لنقوله لو أنه في كل مرة ترتكب منظمة «إيتا» إعتداء، وترد الحكومة بقصف مدينة «بالباو» او بإطلاق الصواريخ ضد قرية صغيرة تحملها مسئولية اخفاء إرهابيين، أو بالتوغل في اراضٍ مدمرة منازل ومحطات حافلات وقطارات ومطلقة قنابل يميناً وشمالاً دون تمييز؟ ما الذي كان يقوله المجتمع الدولي؟ لا أستطيع تخمين ما الذي يكمن ان يقولوه للحكومة الاسبانية، لكن ما أنا على يقين منه هو أن هذا المجتمع الدولي نفسه لا يجرؤ على أن يقول لشارون انه يضرب بعرض الحائط جميع المعايير وليس فقط تلك المتعلقة بالتعايش، وإنما أيضاً المعايير ذات الصلة بالقانون الجنائي وحقوق الإنسان، بالاضافة الى جميع تلك القوانين العديدة التي صدرت على مدار التاريخ كي لا يعمد الناس الى قتل وتدمير بعضهم البعض. وعندما خلص بيكيه الى سلبية شارون بالعودة الى بدء عملية السلام، لم يكن لديه القدرة على أن يقول له جميع هذه الأشياء ليس لانه ربما لم يؤمن بها مثلما يؤمن بها كل العالم الذي يعرف شارون ويدين ارهاب الدولة، وإنما لأنه لم يجرؤ على فعل ذلك. فكيف لنا ان ندين او نوبخ حليفاً للولايات المتحدة في الوقت الذي لا يجد الامبراطور نفسه، الغافل ربما مع بسكويته أو يفكر في الانتخابات المقبلة، ولو حتى كلمة واحدة تحول دون تمكين المسخ من الوقوف على قدميه؟ إن شارون لا يريد السلام. فلقد شاهدناه يوم توجه، محاطاً بالحراس والجنود، الى باحة المسجد الأقصى، مزهواً بالقوة والاحتقار اللذين فجرا هذه الموجة من الهجمات من كلا الطرفين. لكن ينبغي على الشعب في «اسرائيل» ان لا ينخدع، فمع شارون الذي انتخبوه بالأغلبية، الشيء الوحيد الذي سيحققونه منذ الان وحتى لحظة الخلود سيكون موت أحبائهم، لأنهم يتركون الفلسطينيين بدون موارد ومكبلين ومحبوسين بين فولاذ الدبابات وبائسين، الى درجة تجعلهم لا يملكون أكثر من الحياة للدفاع عن أنفسهم، مما يجعلهم يفضلون التضحية بأنفسهم على العيش كعبيد في ظل فقر مطبق وخزي شنيع. ترى ألم يعرفوه حينها؟ ألم يشاهدوه؟ ومن هو الساذج الى درجة تجعله لا يدرك ان رجلاً تدور حوله الاتهامات بإرتكاب مجزرة وحشية وبدم بارد بحق آلاف السكان في صبرا وشاتيلا، سيعرف كيف يجد طريقاً يعطيه السلام لا يكون مجبولاً بالدم؟ والدم يطلب دماً ولا يهمه من أي طرف يأتيه. لم يكن لدى «اسرائيل» أبداً أمواتاً اسرائيليين كما لديهم الآن منذ أن بدأ يدير دفة مصائرهم ذلك الرجل الوقح والارهابي أكثر من أي ارهابي، لأنه يملك قوة أكثر منهم جميعاً وامكانية اكبر للإفلات من القصاص ويتمتع بأكبر قدر ممكن من الغطرسة ويتصرف باسم عدالة لا يعترف بها إلا هو فقط: عدالة العنف والهيمنة. لماذا بالنسبة لشارون لا يوجد سلام خارج إطار السلام الذي يشيده اثر تدمير والغاء وإبادة الشعب الفلسطيني، وفي حال عدم القدرة على القضاء على جميع الفلسطينيين فان رغبته الوحيدة تتجلى في امتلاك من يبقى على قيد الحياة حبيساً كما يملكه الان وتحويله الى عبد صامت في خدمة بلاده. هذه هي الحالة، على الرغم من أنه يوجد دائماً من لا يقبل بها وليقولوا لنا ما الذي تملكه السلطة ولم يقدمه لها الشعب في صناديق الاقتراع. فهذه الحجة لا تنفع، إذ أن هتلر كان قد استخدمها أيضاً. ولباقة الزعيم لا تقاس بالأصوات الانتخابية ولكن بإحترامه لحقوق الانسان، وشارون لا يفقه من هذا شيئاً. وأنا على اتصال مع الكثيرين من الأشخاص الذين يعيشون في «إسرائيل» وهم في حالة رعب كما هي حالي أنا بسبب ما يجري وبسبب التصاعد الذي لا يتوقف لعنف وارهاب الدولة. لكنهم لا يتجرأون على الكلام. كما أنهم يعرفون أن تضحيات الفلسطينيين لن تنتهي طالما لم يدخلوا في طريق المفاوضات، ويعرفون أيضاً أنه عبر تدمير كل منزل وكل مبنى وعبر كل اغتيال انتقائي سيظهر شباب آخرون كثر مستعدون للموت لأنه الطريق الوحيد الذي تبقى لهم للمعارضة. وما يحدث مع هؤلاء الاسرائيليين المعارضين لشر شارون التدميري، هو نفسه ما يحدث مع الأمريكيين الذين ليسوا مع الحرب الدائرة رحاها في أفغانستان بسبب الانتقام لتدمير البرجين التوأمين حيث توجه لهم أصابع الاتهام بأنهم أعداء الوطنية، ولذلك نجدهم يلوذون بالصمت وكثير منهم لا يتجرأون حتى على الاجتماع مذعورين بسبب الانتقامات المحتملة، وربما لأنهم يدركون بأنه في مواجهة قوة السلاح، ليس هناك ما يمكن القيام به. وكان شارون قد قال كذلك أمام بيكيه اننا نحن الاوروبيين لا نتذكر العذابات التي عانى منها اليهود في كل مراحل تاريخهم، كما لو كانت الجرائم التي ترتكب في «اسرائيل» مبررة بما أنها ترتكب على يد متحدر ممن عانوا من «المحرقة»، بل أكثر من ذلك كله ففي حين لم تعد تعتبر جرائم، تحولت لتصبح نشاطات ضرورية لموازنة ميزان تلك المعاناة والدمار اللذين ارتكبتهما النازية. وبالنسبة لنا نحن الذين لا نتفق مع شارون فانه يعاملنا كمعادين للسامية يستغلون أي حدث في «اسرائيل» لإظهار هذا العداء. لكنه يعرف هو وكثير ممن يفكرون مثله ان المسألة ليست على هذا النحو، فهذه مجرد حجة لمقاومة الوعي السييء لرعاياه وليس لشارون لأنه لا يملك لا وعياً جيداً ولا وعياً سيئاً. ان ذلك مجرد شكل لادانتنا قبل ان نتمكن من الحديث، او أنها طريقة لاسكاتنا من أجل أن نقوم بإتهام انفسنا بأنفسنا باللا سامية. ونحن نقول له اننا لسنا كذلك، بل ان غالبيتنا لدينا دم وأسماء يهودية وأننا سعداء بها، لكننا لم نفقد القدرة على نقد الممارسات التي تخرق حقوق الانسان، بغض النظر عن من يخرقها حتى لو كان والدنا، واذا كان الشعب الاسرائيلي، او زعيمه، هو من يفعل ذلك فإننا لن نتورع في توجيه النقد لهذه الممارسات، وذلك على الرغم من انه يؤلمنا أكثر بكثير ان يفعله زعيم بلد آخر لأننا نفهم أن هناك متسعاً لمواقف اكثر سلمية اثر معاناة طويلة. وبخاصة عندما تكون حدود اللباقة قد تم تجاوزها منذ زمن بعيد وقد أججت بطريقة لا إصلاح فيها نار الأحقاد والضغينة والثأر. بقلم: روزا ريجاس عن: «الموندو»، اسبانيا _ ترجمة: باسل أبوحمدة