إن هناك خمسة عوامل رئيسية سوف تحسم بتأثيراتها المباشرة مصير الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومستقبل التسوية السياسية المنتظرة في الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة في السنوات القليلة المقبلة، كما ستحدد بدرجة كبيرة احتمالات الحرب والسلام بين اسرائيل وبعض دول الطوق العربية في المدى القريب، وبخاصة سوريا ولبنان. العامل الأول منها هو قدرة الشعب الفلسطيني في الشهور القادمة على تحقيق وحدته الوطنية وتشكيل قيادة عسكرية تنسق ثم تقود أنشطة عناصر الكفاح المسلح في منظمات المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها الجناح العسكري لحركة فتح وحماس، والجهاد، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة الشبيبة الفلسطينية. العامل الثاني هو صمود سلطة عرفات وضم عناصر وطنية جديدة اليها على الرغم من حصاره في رام الله منذ شهرين كاملين، والضربات المدمرة التي توجهها حكومة شارون ضد البنى التحتية الفلسطينية وبخاصة ضد الشرطة وعناصر البحرية والدفاع المدني وشبكات المواصلات والاتصالات، وفي مواجهة المؤامرات التي تستهدف انقسام السلطة الفلسطينية الى شراذم متناحرة بهدف انهيار الكيان الرسمي السياسي الذي يعبر عن وجود الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل تحرير وطنه المحتل الذي تتآكل رقعته يوما بعد آخر بمخططات التهويد والاستيطان الاستعماري. والعامل الثالث الخطير في فلسطين المحتلة هو المواقف الرسمية الحقيقية للدول الرئيسية في النظام الاقليمي العربي تجاه الانتفاضة الفلسطينية، وبخاصة مواقف مصر والسعودية وسوريا والأردن ولبنان نحوها، والتوجهات الفعلية لهذه الدول لتطوير دعمها الأدبي والمادي المحدود لانتفاضة الأقصى الى مساندة فعالة للكفاح الفلسطيني بكل صوره السلبية والايجابية، ولاتخاذ منهج الضغط على اسرائيل بالمقاطعة الاقتصادية ووقف التطبيع والتصدي الاعلامي القوي للحرب النفسية التي تشنها الحكومة الصهيونية ضد شعب فلسطين، ومحاولة المطالبة الجادة لواشنطن بتعديل موقفها المنحاز كلية لآرييل شارون، ولارهاب الدولة البشع الذي يمارسه في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة ضد الفلسطينيين كلهم حتى المدنيين العزل منهم، دون الاكتفاء بالتوسل المهين الى سيد البيت الأبيض أن يوجه نظرة عطف الى شعب فلسطين، وبخاصة بعد أن نجح الارهابي الكبير أرييل شارون في اقناع الرئيس جورج بوش بوضع أغلب منظمات المقاومة الفلسطينية، ومنها حماس والجهاد والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجناح العسكري لفتح، بل وحرس عرفات المسمى بالقوة 17 ضمن القوائم الأمريكية للارهاب التي تحاصرها واشنطن وتترصدها للانقضاض عليها في التوقيت المناسب، شأنها في ذلك شأن حزب الله في جنوب لبنان . ومن ثم أطلقت ادارة بوش أيدي شارون في سحق قواعد المقاومة الفلسطينية واعتقال الأعضاء القياديين في منظماتها بينما يطالب المبعوث الأمريكي الجنرال أنتوني زيني الرئيس عرفات باعتقال المئات من رموز ومقاتلي المقاومة الفلسطينية، وتفكيك بنية منظمات المقاومة الاسلامية قبل وقف اطلاق النار كأن الادارة الأمريكية تريد بوضوح من ياسر عرفات التخلي كلية عن المقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال والمستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية وغزة مع أن هذه المقاومة مشروعة بكل الوسائل والطرق في الأراضي المحتلة عام 1967 طبقا لقواعد القانون الدولي والأعراف التاريخية المعاصرة. والعامل الرابع يرتبط بالثالث، وهو موقف الولايات المتحدة من محاولة اسقاط عرفات أو تحديد اقامته الجبرية في غزة أو نفيه خارج وطنه، والسعي الى اقامة قيادة فلسطينية جديدة ترضخ لأغلب شروط اسرائيل التي تستهدف اقامة دويلة تابعة منزوعة السيادة الوطنية في أجزاء من الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة، ومدى اصرار واشنطن على تجميد أو قطع علاقاتها بياسر عرفات المتهم ظلما وزورا بدعم «الارهاب» الفلسطيني المزعوم، مع أنه كفاح مشروع من أجل التحرير في مواجهة الاحتلال الذي يعتبر أسوأ صور ارهاب الدولة عبر كل العصور والأزمان. ولا شك في أن قطع واشنطن لعلاقاتها بعرفات الذي يبغي شارون تحقيقه خلال زيارته لواشنطن في 7 فبراير الجاري، سوف يعني مباشرة اقرار خطة شارون لتدمير السلطة الفلسطينية، وخلق فراغ سياسي وأمني حاد في الأراضي الخاضعة لها في الضفة الغربية وقطاع غزة مما يجعلها عرضة للاجتياح الاسرائيلي الكامل في وقت قريب. والعامل الخامس هو تطور الحملة الأمريكية ضد الارهاب الدولي في ضوء عجز الدول العربية عن الحصول على التزام أو حتى مجرد وعد أمريكي بعدم امتدادها في مرحلتها الثانية الى العراق أو الصومال أو جنوب لبنان الأمر الذي يؤكد أن هذه الدول قد فقدت تماما المبادأة السياسية والاستراتيجية في ادارة العلاقات العربية الأمريكية على الرغم من تنامي مصالح واشنطن الأمنية والحيوية في العالم العربي كله، كما يكشف أيضا. أن أغلب الحكومات العربية تتوجس خيفة وترتعش فرقا من امتداد الحملة الأمريكية ضد الارهاب الى بعض الدول العربية بارادة واشنطن وحدها دون تفكير في قبول عقد المؤتمر الدولي لمكافحة الارهاب الذي يقترحه الرئيسان المصري والفرنسي، وبغير انتظار لمشروعية دولية أو قانونية للتدخل العسكري، وبلا احترام للمنظمات الدولية كالأمم المتحدة أو الاقليمية كجامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الاسلامي. وفيما يبدو، فان الضربة الأمريكية القادمة قد توجه خلال أسابيع قليلة ضد الصومال الممزق الذي فقد كيان الدولة منذ عام 1990 بدعوى مطاردة من لجأوا من أفراد تنظيم القاعدة الى أراضيه وتصفية منظمة الاتحاد الصومالية الاسلامية. أما الهدف الثالث لحملة بوش الارهابية فهو العراق خلال شهري مارس وأبريل المقبلين على الرغم من محنة شعبه الحادة تحت الحصار الأمريكي منذ أكثر من عشر سنوات، والدمار الذي حاق بالبنية الأساسية في شتى أرجاء العراق الذي فقد مليون طفل بفعل الجوع والمرض والحصار ونيران القنابل والصواريخ منذ يناير 1991 وحتى الآن. ومن الخطورة بمكان أن انهيار كيان العراق، وضرب وحدة أراضيه وتكامله الاقليمي سيشكل البداية العملية لاعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة العربية، ثم حصار سوريا ولبنان بواسطة اسرائيل وتركيا ونظام موال للولايات المتحدة في كل من العراق والأردن، وربما يكون هاشميا يسيطر على اتحاد فيدرالي بين هذين البلدين العربيين، ويقبل توطين جانب كبير من اللاجئين الفلسطينيين في كردستان العراقية!! وينبغي في هذا الصدد ألا نغفل دور اسرائيل في تحريض ادارة بوش على ضرب العراق وجنوب لبنان، وفي اصرارها على توثيق عرى التحالف الاستراتيجي العسكري والشامل بين الدولة الصهيونية والولايات المتحدة لحماية المصالح الغربية في المنطقة العربية. ومن دلائل هذا التحالف الفريد تخزين عدد من الرؤوس النووية التكتيكية التي تملكها الولايات المتحدة في بعض القواعد الجوية والبحرية الاسرائيلية، واستئناف انتاج أغلب مكونات الصواريخ آرو-2 في مصانع بوينج في شيكاغو داخل الولايات المتحدة ونقلها الى اسرائيل التي تريد استكمال تسليح ثلاث بطاريات صواريخ اعتراضية بهذا الطراز المتقدم من الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستيكية المعادية على الارتفاعات المنخفضة والمتوسطة، ثم المساعدات التكنولوجية المتقدمة لاسرائيل في مجال اطلاق أقمار التجسس وتطوير أدوات الاستشعار عن بعد. ولا يمكنني من منطلق التحليل العلمي والعملي أن أعول قليلا أو كثيرا على دعوة كوفي أنان السكرتير العام للأمم المتحدة الى تحرك دولي جماعي من أجل وقف اطلاق النار واستئناف المباحثات الفلسطينية الاسرائيلية، ولا أتفاءل بشأن تنشيط الدور الأوروبي في فلسطين المحتلة فالولايات المتحدة تسيطر على حلف شمال الأطلنطي وتوجه بصورة منفردة سياسات دوله في الشرق الأوسط الكبير وآسيا الوسطى. كذلك لا أنتظر أن ينشط حزب العمل في اسرائيل ليدعو الى استئناف مسيرة أوسلو التي قتلها أرييل شارون وأشبعها موتا، وذلك بعد أن انتخب ابن أليعازر وزير الدفاع رئيسا للحزب وهو يفوق شارون عنصرية واجراما، ويطمع مثله في استكمال ما بدأ عام 1948، وتطور سنة 1967 من سيطرة صهيونية كاملة على «يهودا والسامرة». قمة بيروت ومستقبل الانتفاضة تعتبر القمة العربية القادمة في بيروت اختبارا بالغ الحرج لفعالية النظام الاقليمي العربي، ومصداقية قادته، ووزنه الدولي، وقدرته على البقاء في مرحلة التحول الحالية الى نظام دولي جديد، وما يكتنفها من مخاطر احياء صدام الحضارات، وتقارب المسيحية الغربية مع السلافية الأرثوذكسية، وضراوة التمسك بالمصالح الحيوية في الدول الاسلامية في جنوب آسيا ووسطها. ولن تقبل غالبية الشعوب العربية، وبخاصة الشعب الفلسطيني، أن تكتفي قمة عمان باعلان موقف سياسي واعلامي تدين فيه الارهاب الاسرائيلي، وتطالب بتدخل أمريكي لحماية الشعب الفلسطيني من حملة الابادة الجماعية ومؤامرة طرد بعض الفلسطينيين خارج أراضي الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة في اطار المخطط المستمر للتهجير الاجباري الذي يخدم الاستيطان اليهودي في الأرض الفلسطينية المحتلة في يونيو 1967. ولن يستمر قبول الرأي العام العربي للخلط الأمريكي بين المقاومة الوطنية في الضفة الغربية وغزة ومشروع «الاسلام السياسي المعاصر» كما تسميه واشنطن، كما لن يرضى عن رضوخ الجامعة العربية للمطلب الأمريكي بتجميد الانتفاضة الفلسطينية بدون مقابل سياسي واضح وهو في حده الأدنى تنفيذ تفاهمات تينيت، وقبول اسرائيل لحل انتقالي في عامي 2002/2003 يستكمل فيه تنفيذ التزامات المرحلة الانتقالية طبقا لاتفاقيتي أوسلو، واتفاق شرم الشيخ في سبتمبر 1999 الذي صدق عليه الكنيست الاسرائيلي، بما يحقق اعادة انتشار القوات الاسرائيلية في 80% من أراضي الضفة الغربية وغزة، وبشرط أن يقترن ذلك بالاعتراف بدولة فلسطينية تقام على الأراضي «أ،ب» التي تخضع للسلطة الفلسطينية، وتشكل 39.1% من مساحة الضفة الغربية وغزة، أو الأراضي الجديدة التي تخليها قوات الاحتلال الاسرائيلي. وهنا ينبغي للقمة العربية في بيروت أن تدين مبادرات التنازل الجديدة عن الحقوق الفلسطينية المشروعة في حدها الأدنى مثل مقترحات شمعون بيريز وأحمد قريع الخاصة باقامة دويلة فلسطينية على 42% فقط من أراضي الضفة الغربية وغزة التي لا تتجاوز بدورها 22% من مساحة فلسطين التاريخية، أو مثل تأجيل قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات الى عام 2006 وربطها بالاستقرار على مبدأ الكونفيدرالية الثلاثية التي تضم اسرائيل والأردن والدويلة الفلسطينية. ويبقى أن تدرك دول الجامعة العربية أن تجميد الكفاح المسلح واضعاف المقاومة الفلسطينية بدعوى مقاومة الارهاب، والاستسلام لدعاوى تهريب السلاح أو التعاون مع ايران في تسليح المقاومة، وتصديق اتهامات الادارة الأمريكية لعرفات بالتورط في موضوع سفينة الأسلحة «كارين ـ أ» يعني استمرار السلبية العربية في دعم النضال الفلسطيني، فمن حق المقاومة أن تتلقى وتنقل السلاح من كل المصادر المتاحة لتحرير الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، ومن واجب العرب أن تتحول بعض دول الطوق العربية، ومنها مصر، الى دول مواجهة حقيقية للتهديدات الصهيونية ضد فلسطين وضد كيانات هذه الدول ذاتها في المستقبل القريب وبخاصة سوريا ولبنان. بدايات حرب التحرير في تقديري أن عام 2002 على الأرجح لن يشهد تصعيدا مسلحا في فلسطين المحتلة، وفي الوقت نفسه لن يحقق للولايات المتحدة اخماد الانتفاضة الثانية، وان تراجعت نسبيا في مجال الهجمات الاستشهادية والمسلحة لتتيح فرص التفاوض حول الحل المرحلي أو الانتقالي. لكنني أظن أن ابرام مثل هذا الحل قبل نهاية العام الحالي لن يتحقق، وستعود فلسطين قضية مصير عربي وليست مجرد مسألة وطنية تخص الفلسطينيين وحدهم، وسيقبل بعض الحكام العرب التحدي في احترام عملي لمشاعر شعوبهم وكرامة أوطانهم، وتفكير عقلاني لانقاذ دولهم ذاتها من التآمر الصهيوني المحدق بها في المستقبل القريب، وعندئذ فقط تبدأ حرب التحرير في فلسطين المحتلة وتبدأ بعض دول الطوق العربية في دعمها، ولله الأمر من قبل ومن بعد. بقلم: لواء أ.ح صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط