يدفع الشعب الفلسطيني بدمائه فاتورة اخطاء لم يرتكبها، فبين تدمير منازله وسقوط ابنائه الشهداء كل يوم، ومقصلة لعبة السياسة الدولية، يعيش الاطفال والشيوخ رجالاً ونساءً مأساة تاريخية، فقيادته محاصرة سجينة الرأي والنفوذ، لا تملك من امرها شيئا وشارون يعبث ويداه ملطخة بدماء الابرياء، وسط صمت غربي ومباركة امريكية تلف اعمال شارون القذرة، تحت زعم محاربة الارهاب، امريكا تشارك اسرائيل في لي الحقائق، حولت المقاومة الشرعية لشعب محتل لاعمال تصفها بالارهاب، في وقت اصبح فيه الرأي العام العالمي ضحية لتزييف الحقائق، واسرائيل تقوم بتصفية السلطة الفلسطينية وتتآمر على اتفاق اوسلو الذي كانت الانظمة العربية تعلق عليه بعض الآمال إلا ان معظم الشعب الفلسطيني منذ البداية كان معارضا لاوسلو واستحقاقاته. حول قضية القضايا العربية التقى «الملف السياسي» في لاهاي الدكتور غسان ابو راضي خبير شئون القضية الفلسطينية، في حوار اتسم بالجرأة والحساسية في آن واحد وتالياً نص الحوار: ـ هل تتفق مع الرأي الذي يؤكد وجود مؤامرة اسرائيلية لتصفية السلطة الفلسطينية ومن ناحية ثانية الانقلاب على اتفاق اوسلو؟ ـ ان المفرد اللغوي «اسرائيل» هو مرادف لكلمة التآمر، وذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى هذه اللحظة، لو اقتصرنا على التاريخ الحديث لهذا المستعمر الذي اقام دولة على اراضي الشعب الفلسطيني، اما الانقلاب على اوسلو فقد بدأ مع كتابة الحروف الاولى لهذه الاتفاقية التي ماتت قبل ان تولد. ـ ما هو تفسيرك لاعمال اسرائيل باغتيال عناصر قيادية فلسطينية، وتدمير المنازل، واعادة احتلال المناطق الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية؟ ـ حينما تخلت الفصائل الفلسطينية عن الكفاح المسلح الشرعي ضد الاحتلال كسبت اسرائيل واحدة من اهم اوراق احلامها، حيث تحولت بين ليلة وضحاها الى محتل بلا مقاومة.. وعندما تخلت الثورة الفلسطينية عن ثوابت انطلاقها شجعت اسرائيل على التآمر ضدها.. وكان قبولها لقرارات الامم المتحدة قد جسد اعترافا ضمنيا بحق اقامة الدولة الاسرائيلية.. اما اتفاق اوسلو فقد شهد بداية عزل اسرائيل لفلسطين عن اشقائها العرب، وانفردت اسرائيل ـ التي تحظى بتأييد ودعم الغرب وعلى رأسه امريكا ـ بالفلسطينيين بمختلف فصائلهم السياسية.. كل هذا حدث واسرائيل تتمتع باعتراف عالمي كدولة حتى من طرف معظم الدول العربية، وان لم يكن اعترافا رسميا فقد كانت هناك «علاقات عربية ـ اسرائيلية» من وراء الستار ودعني اتبع اسلوب سهل الفهم يساوي العمق الذهني، وجذور المشاعر الجماهيرية العربية الخالصة، واسمح لي ألا ادخل في مسائل فنية سياسية، ارى من وجهة نظري انها لا تفيد إلا المتخصصين، فقد حان الوقت لمخاطبة عقل وعاطفة وقوة الشارع العربي، فهو الامل المتبقي لانقاذ الفلسطينيين. ـ لك ما تريد فهذا حقك علينا.. لكننا جميعا سواء الجماهير او المتخصصون في الشئون السياسية، ركاب سفينة واحدة، نريد فهما حقيقيا له دعم تاريخي لتوجه شارون الارهابي في تدمير السلطة الفلسطينية والانقلاب على اتفاقية اوسلو في زمن الانحطاط السياسي ومحنة العرب؟ ـ يجب ان نعرف جيدا بأن «طبخة اوسلو» التي سميت بالاتفاقية ـ وهي ابعد ما تكون عن هذا الوصف ـ وفق أسس الشروط الاسرائيلية، ومن بعض الاسرار التي لم تنشر قبل ذلك اقول: ان امريكا وروسيا وبعض دول الاتحاد الاوروبي تواطأوا في تنفيذ شروط اسرائيل، التي قالت قبل اوسلو صراحة لاطراف الوساطة الغربية، لا اتفاق بدون شروطنا، والفضيحة الكبرى ان معظم الحكومات العربية انصاعت للشروط المفروضة عليها خاصة من امريكا، والاكثر خجلا ان منظمة التحرير الفلسطينية قبلت ذلك. الامر الثاني هو: قبول منظمة التحرير الفلسطينية بحكم ذاتي حسب شروط اسرائيل، كان تفريطا في الامن القومي ومصالح الشعب الفلسطيني المعني الحقيقي بالقضية. وثالثا: قالت اسرائيل في اوسلو انها ستعود لاحتلال مناطق الحكم الذاتي، في حالة عدم تمكن السلطة الفلسطينية في الحفاظ على الامن وكانت ولاتزال تقصد بكلمة «الامن» قيام السلطة بدور الشرطي الامني لاجهاض وضرب الانتفاضة والمقاومة. رابعا: قبلت السلطة الفلسطينية في «اوسلو» اعفاء اسرائيل من مهام الخدمات الاجتماعية، مثل الصحة، التعليم، شئون البلديات، وبهذا تخلصت اسرائيل من اعباء مالية ليست بالقليلة. بعد كل ما ذكرت ماذا ننتظر من احتلال اسرائيلي، قبلت السلطة الفلسطينية ان تدفع ثمنه لاسرائيل وذلك بغطاء مالي تمثل في دعم من صناديق التنمية في دول الاتحاد الاوروبي وخاصة هولندا التي اخذت على عاتقها دعم بناء مطار وميناء في فلسطين، ودربت بعضا من فرق الشرطة الفلسطينية في معاهد الشرطة الهولندية، ومن المفارقات ان السلطة الفلسطينية وقعت في شرك سياسي خطير، ومن ناحية اخرى رضخت لشروط اسرائيل فكان ضعفا جسيما وهذه المحاور الثلاثة اضافة لذرائع 11 سبتمبر، شكلت ما تمر به الاراضي الفلسطينية الآن من محنة تاريخية لن ينقذها منها إلا صحوة عربية اممية واعية، واعتقد انه هذا قادم ان شاء الله. ـ انت تعلق الآمال على الجماهير العربية .. هل ينطلق ذلك من عجز الموقف الرسمي العربي، الذي لايمارس ضغوطا على الادارة السياسية الامريكية واوروبا؟ وماذا عن اسباب ذلك؟ ـ اجابة الشق الاول من سؤالك هي بنعم .. اما عن الاسباب فاستطيع تلخيصها في بعض النقاط على النحو التالي: ـ منذ عام 1948 والموقف الرسمي العربي يطالب بتسوية عادلة، وهو موقف سياسي وجد في بعض المراحل التاريخية صدى وقبولا عالميا، لكن لم يكن هناك صمود عسكري عربي موحد ضد المحتل الاسرائيلي، ذلك في ظل مرور السياسة (العربية ـ العربية) بمراحل شهدت تصدعات، وخلافات في الرأي حول حل القضية الفلسطينية. ـ ما ذكرته آنفا «اي الضعف العربي» منح اسرائيل ومن ورائها الغرب، فرصة اكدت لها الاستمرار في التوسع وبناء ترسانتها العسكرية. ـ حرب الايام الستة في 1967 افرزت وضعا خطيرا ضاعت معه قطاع غزة والقدس والضفة الغربية وكذلك الجولان السورية وسيناء المصرية. ـ ثم اتت بعد ذلك حرب 73 التي تلتها توقيع اتفاقية سلام (مصرية ـ اسرائيلية) جعلت من الشقيقة الكبرى مصر الوحش الذي كان يثير الخوف في نفس كل اسرائيلي، حملا وديعا وحليفا امريكيا يشترك بقواته العسكرية في تدريبات النجم الساطع مع القوات الامريكية، واهم اسباب الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها مصر العربية، اضافة لرغبة مصر في استعادة صحراء سيناء لسيادتها القومية، وهو الامر الذي جعل فلسطين تفقد اهم واقوى اجنحتها القوية في مصر، التي قبلت بموجب اتفاقية كامب ديفيد للسلام، ان تتحول سيناء لمنطقة منزوعة السلاح. ـ كل من حربي الخليج الاولى والثانية، بين العراق وايران، واحتلال العراق للشقيقة الكويت، الذي منح الفرصة لتواجد امريكي في الخليج، انهك جسد السياسة العربية ومواقفها الرسمية. ـ ومؤخرا حادث 11 سبتمبر الذي اتخذته اسرائيل ذريعة، لضرب الانتفاضة الفلسطينية، وتصفية ما تبقى من قوة في السلطة الفلسطينية. ـ اسرائيل كانت بدأت ممارسة ما تفعله الآن من اعمال عنف وتدمير قبل 11 سبتمبر .. ماهي رؤيتكم لذلك؟ ـ نعم هذا حقيقي .. وهو الامر الذي يدفعنا للتوضيح فهناك مزيج من الشرك السياسي الذي وقعت فيه حكومات عربية اسلامية ، واخطاء ساذجة ما كان لها ان ترتكبها، حيث ان معالجة الانظمة العربية الاسلامية لقضاياها الداخلية، والقاء اتهاماتها على معظم من يخالفها في الرأي، تصفه بالارهاب، سواء بالباطل او عن صواب، اعطى الفرصة للغرب «نسبيا» الصاق الارهاب بالمسلمين والاسلام، اضافة للمناخ السياسي الغير ديمقراطي في كثير من الدول العربية، التي لا تمنح التوجهات الاسلامية العادلة ممارسة حقها السياسي، اسوة بالانظمة الاوروبية، التي لا تمنع قيام الاحزاب المسيحية، حتى المتطرفة منها، التي سرعان ما تجد طرقا مسدودة امامها، وفي النهاية تنتصر الديمقراطية على التطرف والارهاب والعنصرية، ونحن لا ننكر وجود التطرف الاسلامي في بعض الدول العربية، لكن سياسة المنع والحظر تدفع حتى المعتدلين منهم للعمل تحت الارض وفي الظلام. ـ هل لذلك علاقة مباشرة بالوضع الفلسطيني الراهن؟ ـ منذ اتفاقية اوسلو تأكد الشعب الفلسطيني ان احلامه تتبدد يوما بعد يوم، فلم يتحقق حلم الدولة الفلسطينية، ولم تنفذ اسرائيل وعودها، هذا اضافة الى ان الوضع قبل اوسلو بالنسبة لرجل الشارع الفلسطيني كان واقعا واضحا، كانت توجد معاناة واضحة بسبب المحتل الاسرائيلي، لكن بعد قدوم السلطة الفلسطينية تفاقمت المعاناة، من سياسة اسرائيلية للتجويع، بطالة، اعتداءات مستمرة، وهو الامر الذي جعل الشعب الفلسطيني يفقد الثقة في تلك الاتفاقية الهشة المشبوهة، ويفقد الثقة فيمن منحه الثقة ـ السلطة الفلسطينية ـ ليكون الممثل الشرعي للفلسطينيين ـ وكانت النتيجة ان الفصائل الاسلامية مارست المقاومة للاحتلال، كطريقة للخلاص، ولعل النموذج «حزب الله» في لبنان الذي اجبر المحتل الاسرائيلي على الرحيل، كان واحدا من العناصر التي شجعت الجهاد الاسلامي وحزب الله في فلسطين على الصعود والمقاومة. ـ وكأنك فيما ذكر تلقي بتبعية ما يقوم به الارهابي شارون ضد العرب والفلسطينيين، على اصحاب القضية واصحاب الحق الشرعيين؟ ـ هذا غير حقيقي بالمرة .. فقط انا وضعت النقاط فوق الحروف .. فقد ذكرت لك في بداية حديثي ان اسرائيل احترفت التآمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، بل منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عرفنا كيف ينقض اليهود العهود والمواثيق، ولنا خبرة طويلة مع الاسرائيليين في : مذبحة دير ياسين . مدرسة بحر البقر . مذبحة الحرم الابراهيمي .. صبرا وشاتيلا .. مذبحة قانا . لكن الحقيقة مرة فلم يتعلم احد من العرب، ولم يستوعب الدرس جيدا، فلا ثقة في الاسرائيليين مطلقا فالكل سواسية، حيث يتساوى شارون مع باراك ونتانياهو ومن سبقهم بيريز او رابين او بيجين وموشي ديان، الكل يشترك في هدف صهيوني واحد، وان اختلفت الاساليب. ـ هل ترى مخرجا للازمة الفلسطينية؟ ـ اجابتي قصيرة جدا .. العمل الشرعي العربي المسلح هو الحل والخلاص من هذه المحنة، ولو عرف الغرب ذلك بما فيه امريكا لكان الشعب الفلسطيني قد حصل على ادنى حقوقه، وهو اقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وحكم نفسه ذاتيا، والشعب الفلسطيني ليس اقل كفاحا من الشعب الفيتنامي الذي اوجع امريكا وهزمها على الرغم من قوتها وتقدمها بكل المقاييس. لاهاي ـ اجرى الحوار: د. سعيد السبكي