أكد الروائي الجزائري الكبير الطاهر وطار، ان الأحداث التي شهدتها مؤخراً منطقة القبائل، هي نتيجة طبيعية لخيبة الأمل من السلطة الجديدة التي وعدت بحل مشاكل معقدة جداً ولم تستطع لانها لا تملك خاتم سليمان. وقال وطار في حوار مع «البيان» اننا في عصر تلعب فيه الهويات والخصوصيات الثقافية والقومية دوراً حاسماً في حركة التاريخ، لكن مع هذا فانني مطمئن إلى وحدة الجزائر. وأضاف ان الجزائريين مهما اختلفوا، فانهم يؤمنون بالجزائر، وهم متجانسون ويتفاعلون ايجابياً مع بعضهم البعض. وفيما يلي نص الحوار: ـ هل يمكن التسليم بالأسباب التي أعطيت لتفسير خروج المواطنين في منطقة القبائل للتظاهر وما تبع ذلك من أحداث والمتمثلة أساسا في أسباب اجتماعية واقتصادية؟ ـ من الواجب الاعتراف بداية بأن في الجزائر مناطق تتشكل فيها وحدات شبه عضوية لمجتمعات جزئية كالشمال القسنطيني أو ما يسمى بـ «الجواجلة» وبلاد القبائل، وبعض المناطق الأخرى ذات الخصوصية المتميزة.. وهذه المناطق إذا مس فيها عضو تداعى لها سائر الجسد.. أو تحركت لذلك باقي الأعضاء ـ كما يقال. هناك نوع من الحساسية. فلا غرابة إذن إذا كان رد الفعل إجماعيا في بلاد القبائل ضد ظلم أو ضد اعتداءأو ضد قتل.هناك عصبية ما في ذلك شك: عصبية في بلاد القبائل، عصبية في جيجل، في تبسة، في بسكرة، في وادي سوف، في غرداية وغيرها من المناطق.. إلى درجة أنه يمكن القول بأن الجزائر تشكل بالفعل أمة، أي مجموعة شعوب وخصوصيات محلية. ومع ذلك نجد أن المجتمع الجزائري متجانس بنسبة عالية، وأكثر من العديد من المجتمعات. فليس هناك صراع بين تشكيلات هذه الشعوب ـ إن صح التعبير ـ أو هذه المناطق أوالجهات: هناك صراع طبيعي ـ أو على الأصح ـ تنافس على التجارة وغير ذلك من النشاطات. والصراع قائم ـ بالأحرى ـ بين هذه المنطقة أو تلك والسلطة بصفة عامة. وقد يأخذ في بعض الأحيان، شكلا يستفز خصوصيات أو مناطق أو شعوبا أخرى ـ إن صح التعبير أيضا. وما جرى في منطقة القبائل كان ممكنا حدوثه في أية جهة أخرى من البلاد لو تهيأت له ظروف ما، نظرا لوجود نوع من خيبة الأمل في السلطة الجديدةالتي طرحت نفسها وطرحها أنصارها ومجموعة من الانتهازيين على أنها تمتلك خاتم سيدنا سليمان، وتمتلك عصا موسى وتستطيع في وقت قصير أن تحل جميع مشاكل الجزائرالمعقدة.. ولكن تبين أنها لا تستطيع أن تفعل شيئا من ذلك بالفعل؛ وأن الوضع في الجزائر معقد أكثر مما كانت السلطة والناس يتصورون. وذلك بسبب المرحلة الانتقالية الحرجة التي تعيشها الجزائر من نظام اقتصادي حكومي، إلى نظام موجه،إلى نظام خاص. وهو نظام لا هو تخلص من الحكومية نهائيا ولا هو استطاع دخول الخصخصة أو النظام الحر بصفة نهائية. فلا يزال مترددا حتى أن بعض القطاع الخاص أو الخواص ليس من فائدتهم أن يكون النظام على غير ما هو عليه حاليا. لأنهم يستفيدون من وضعية الغموض وعدم الاستقرار هذه. تفاقم الوضع ـ اين يكمن الاشكال بالتحديد؟ ـ أعود إلى أحداث منطقة القبائل فأقول إن السبب الرئيسي كان موت شاب في مقرالدرك الوطني، كما أن سمعة السلطات الأمنية سيئة إلى درجة لا تحسد عليها، ثم هناك التأخر في رد الفعل من الحكومة. وهو ما تسبب في تفاقم الوضع المتدهور. كان من المفروض إلقاء القبض على الجاني المتسبب في القتل، وفتح تحقيق عاجل وتقديم الاعتذار لأهل الضحية. لأن المسألة صارت دية وثأرا وغير ذلك.. وهو ما لم يحدث في حينه، والسلطة انبهرت وراحت تبرر بالقول إن ما حدث كان خطأ وأشياء أخرى.. فظهر كذب السلطة باديا للعيان مما عزز عدم الثقة بها. وهو ما أعطى من جهة أخرى الفرصة لكثير من العناصر لأن تلعب دورا في المنطقة: عناصر تدعو إلى الأمازيغية وأخرى إلى التخلص من السلطة بأي شكل من الأشكال وعناصر تريد تحطيم جزء من مكونات السلطة، وربما البعض يقصد الجيش وربما الرئيس نفسه. فما حدث فعلا وما نتج عنه بالفعل والأحداث التي صاحبته هي كلها من التعقيدوغموض المعطيات الى درجة أصبح معها الحكم أمرا صعبا للغاية حتى على أكثرالملاحظين اهتماما بالموضوع. ـ ماهو موقع المطلب الأمازيغي في كل هذا؟ أن الحديث عن الأمازيغية والهوية حديث ثقافي عادي وهو أمر مطروح على شمال إفريقيا كله بطريقة أو بأخرى. فهناك جمعيات محلية في تونس والجزائر والمغرب وليبيا تعمل فرادى وجماعات، كما هناك تعصب ـ ولنعترف بهذا ـ لدى أنصارالأمازيغية كما لدى معارضيهم الذين يطرحون طروحات إقصائية و إلغائية لكل ما هوخاص بالآخر. هناك من يزعم ـ في الجزائر مثلا وفي غيرها أيضا ـ أن الأمازيغية من أصل عربي، وبما أنها كذلك يطالبون أو يدعون لموتها. وهذا غير صحيح. طبعا لقد خلف الاستعمار الفرنسي في منطقة القبائل بالذات، وربما في مناطق محدودة منها، آثاره.. فقرن وما يقارب النصف من التواجد المستمر بالمنطقة لعلماء في علم النفس ولرجال الدين ولخبراء في صناعة رأي عام له أيضا أثره ومخلفاته. وأنا في جمعية الجاحظية بصدد نشر كتاب الجزائر ذات مصير قبائلي «الجزائر المقبلنة» وهي شهادة لضابط فرنسي كان مسئولا في منطقة القبائل يوضح فيها التقنيات والأساليب التي اتبعها الاستعمار في الجزائر، وفي المنطقة بالتحديد، والتي ينبغي أن يتبعها حتى بعد الاستقلال بخلق هوية قبائلية أولا وجعل الجزائر كلها على شاكلتها. بمعنى مشوهة ـ حسب دعوته هوـ لأنه فعلا يبدي إعجابه بسائق التاكسي في بلاد القبائل الذي يتناول الخمر وغير ذلك.. وهذاشيء طبيعي.. يضاف إلى كل هذا أننا في عصر تلعب فيه الهويات والخصوصيات الثقافية القومية دورا حاسما في حركة التاريخ: في آسيا، في أوروبا الشرقية، في داخل دول أوروبا الغربية في فرنسا في إسبانيا وفي أمريكا اللاتينية.. هذه إحدى سمات العصر ولا نستطيع نحن أن نكون بمنأى عنها. ويبقى أنني مطمئن بأن وحدة الجزائر لن تمس، فالجزائريون مهما اختلفوا يؤمنون بالجزائر كما هي جغرافيا، وهم متجانسون يتفاعلون إيجابيا بعضهم مع بعضهم الآخر، فلا يطرح أي صراع بين المواطنين في جهات الوطن الأربع، كما لا يوجد أي مشكلة ايضا بين من هو قبائلي ومن هو عربي أو شاوي، وإذا طرح فهو مع السلطة كالمطالبة بتعليم الأمازيغية وغيرها. المسألة معقدة ـ وكلما طرحت مشاكل من هذا النوع تدفقت الأسئلة وسط الحيرة والذعر أحيانا عن الحل؟ فما الذي ترونه أنتم؟ ـ المسألة ليست بسيطة، كما أسلفت. فهي معقدة لتداخل المصالح فيها بين راغب في حلها والإبقاء على الوضع على ما هو عليه للاستفادة منه بأقصى ما يمكن ولأطول مدة ممكنة أيضا. وبالنسبة لمسألة ترسيم اللغة الأمازيغية فصراحة أن الموضوع شائك بالفعل ويحتاج إلى دراسة متأنية وعميقة. والعناصر التي بين يدي حاليا تقول بأن ليس هناك أمازيغية واحدة في بلادنا، بل هناك أمازيغيات، وأن الفرق بين أمازيغي في غرداية وآخر في جانت أو تيزي وزو كالفرق بين برتغالي وإيطالي وليس حتى إسباني. هناك أصل واحد في الأمازيغية يتجلى في المفردات لكن التراكيب تختلف بعضها عن بعض تماما ولا يمكن أن يتواصل فرد من الأوراس مع آخر من بلاد القبائل أو التوارق لأكثر من عشر ثوان بنفس الأمازيغية. ينبغي إذن أن نعترف بهذه الحقائق وأنا لم أفصل في هذه المسألة بعد، ثم هي تحتاج إلى تفكير أعمق، بل وإلى دراسة تقنية أيضا. والأهم الآن ألا تموت القبائلية، وألا تموت الشاوية، وألاتموت الميزابية والترقية والزناتية.. أما هل هي لغة رسمية وكيف تكون كذلك،فإنني أعتبر المسألة تقنية وتتعداني شخصيا. حاوره في الجزائر ـ مراد الطرابلسي: