تكتسب العلاقات الخليجية (ومنها الكويتية) اليابانية أهمية استراتيجية كبيرة، فاليابان تعد أكبر الدول الصناعية المستوردة للنفط، وتعتبر دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أهم مصدر للنفط الخام لليابان حيث تغطي 72% من احتياجاتها، كما تعتبر اليابان أكبر شريك تجاري لدول المجلس بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولقد شهدت التجارة البينية بين الطرفين تحسنًا ملحوظًا خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط الخام عام 1999، حيث ارتفعت نسبة الزيادة في التجارة بين الطرفين بمقدار 4.6% لتصل إلى 33.24مليون دولار، ومع استمرار ارتفاع أسعار النفط عام 2000 ارتفعت المبادلات التجارية بين الطرفين بمقدار 50% لتصل إلى 49.66 مليار دولار، ووصل الفائض التجاري (الذي يميل لصالح دول الخليج دائمًا) إلى حوالي 34.89مليار دولار. وبشكل عام تعتبر اليابان ـ بين عدد من الدول الآسيوية ـ مستهلكة رئيسية للنفط الخليجي، وجدير بالذكر أن أزمة انهيار العملات في جنوب شرق آسيا والتي تأثرت بها اليابان، كانت أحد الأسباب الأساسية لهبوط أسعار النفط إلى ما دون 10 دولارات في عام 1998 وسوف نركز هنا بشيء من التفصيل على العلاقات الكويتية ـ اليابانية. تعد الكويت رابع أهم الشركاء الخليجيين لليابان، ولقد ارتفعت تجارة اليابان الخارجية مع الكويت خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 2.3% لتصل إلى 2.56 مليار دولار (وهو ما يعادل 1.75% من إجمالي تجارة اليابان مع دول الخليج)، كما ارتفعت صادرات اليابان إلى الأسواق الكويتية خلال الفترة ذاتها بنسبة 12.3% لتصل إلى 287 مليون دولار، في حين ارتفعت صادرات الكويت إلى اليابان (والتي تشكل المنتجات النفطية معظمها) من 2.24 مليار دولار إلى 2.27 مليار دولار، وبذلك حافظت الكويت خلال تلك الفترة على فائض ميزانها التجاري مع اليابان الذي بلغ نحو مليار دولار (أو ما يعادل 12% من إجمالي الفائض التجاري الياباني الخليجي) خلال النصف الأول من العام الحالي. وتجدر الإشارة إلى أن تجارة الكويت مع اليابان وصلت إلى 5.5مليارات دولار عام2000 مقابل 3.7مليارات دولار عام 1999 بنسبة زيادة تصل إلى 49.3% كما تقدر بعض المصادر حجم الاستثمارات اليابانية في القطاع الخاص بنحو 20 مليون دولار. أوجه التعاون الاقتصادي بين البلدين 1 ـ اتفاقية شركة الزيت العربية المحدودة اليابانية مع الكويت: تمتلك شركة الزيت العربية المحدودة (وهي يابانية الأصل) امتيازًا للتنقيب عن النفط في حقل الخفجي في المنطقة المقسومة بين الكويت والسعودية، وتنتهي مدة هذا العقد في يناير 2003. ويعود تاريخ تأسيس الشركة إلى عام 1956 حيث وقعت أول عقد لها مع المملكة العربية السعودية في يوليو 1957 وأجرت أول مسح جيوفيزيائي بمنطقة الامتياز في المنطقة المغمورة من المنطقة المقسومة بين المملكة العربية السعودية ودولة الكويت عام 1958، وعثر على الغاز الطبيعي عام 1959 على عمق 1479 قدمًا، وفي يناير 1960 عثر على النفط على عمق 4900 قدم وتدفق من أول بئر بمعدل 600 برميل يوميًا، وتنتج الشركة حاليًا نحو 250 ألف برميل يوميًا من الزيت الخام. وجدير بالذكر أن كلا من الحكومتين السعودية والكويتية تمتلكان نسبة 10.9% من أسهم الشركة اليابانية التي تسيطر عليها رؤوس أموال يابانية خاصة، وتبلغ مبيعات الشركة لليابان نحو 78 ألف برميل يوميًا أو ما يعادل 1.8% (.من واردات اليابان من النفط الخام). وتجدر الإشارة إلى أنه بعد خسارة شركة الزيت العربية لامتيازها النفطي مع الجانب السعودي في منطقة الخفجي بعد 42 سنة على استثماره في فبراير الماضي لتخسر بذلك أكبر الحصص اليابانية في الخارج في قطاعي المنبع (عمليات التنقيب والاستخراج) وضعت الشركة على قمة أولوياتها أعمال التنقيب في الكويت حيث أرادت أن تعوض فشل تجديد الامتياز السعودي بتجديد الامتياز الكويتي، فقامت على الفور بجهود حثيثة لتجديد الاتفاق مع الحكومة الكويتية بنفس المحتوى الذي نص عليه العقد القديم فيما يتعلق بشروط التشغيل والأرباح والنفط المنتج، كما أرادت الشركة الاحتفاظ بحقوق التنقيب في الجانب الكويتي. ولم تتخذ الحكومة الكويتية في بادئ الأمر موقفًا رسميا من الطلب الياباني، حيث ذهبت إلى أن المفاوضات مع شركة الزيت العربية ستكون وفق مصلحة الدولة وبما يتفق مع الدستور الكويتي والقوانين المرعية، حيث تؤكد الكويت أن النفط وقرار إنتاجه يجب أن يكون كويتيا 100%. هذا ويحظر الدستور الكويتي منح حقوق الاستثمار النفطي لأي شركة أو مجموعة أجنبية، وبالتالي فأقصى ما يمكن أن تمنحه الحكومة الكويتية للشركة اليابانية هو حقوق تشغيل الامتياز فقط دون أي حق من حقوق الملكية في الحقول النفطية أو حقوق التنقيب أو أي قرار في الإنتاج. وبعد هذا الموقف المبدئي للحكومة الكويتية اتفقت كل من الكويت واليابان على إنهاء حقوق الامتياز والتنقيب الممنوحة لشركة الزيت العربية منذ عام 1958، وذلك اعتبارًا من تاريخ انتهاء اتفاقية الامتياز الحالية في 4 يناير 2003، ووقع الطرفان مذكرة تحتوي على مبادئ أساسية يتم بمقتضاها الدخول في مفاوضات تفصيلية لتنظيم العلاقة بين الكويت والشركة، وتنص هذه المذكرة على ما يلي: إنهاء الامتياز الممنوح لشركة الزيت العربية للقيام بالعمليات النفطية المختلفة في المنطقة المقسومة. المبادئ المتفق عليها ليست ملزمة قانونًا للطرفين ولا تلزمهما بإبرام أي اتفاقيات مستقبلية، ولكن تدعوهما إلى الدخول في مفاوضات تفصيلية تستند إلى المبادئ الموقعة للنظر في إمكانية الوصول إلى اتفاق للاستشارات الفنية، وفي هذا الإطار نصت المذكرة على اتفاقية مبيعات نفط خام لأجل طويل تتضمن قيام مؤسسة البترول الكويتية ببيع مئة ألف برميل يوميًا كحد أدنى لشركة الزيت العربية لتصديرها إلى اليابان، وذلك من حصة الكويت من حقل الخفجي وبأسعار السوق العالمية السائدة، وتجدر الإشارة إلى أن الكويت تريد أن تكون مدة اتفاقية مبيعات النفط الخام 5 سنوات، في حين ترغب اليابان أن تتراوح مدة هذه الاتفاقية بين 10 ـ 20 سنة، وفي المقابل تقوم الشركة بتقديم مساعدات فنية وقروض ميسرة للعمليات في المنطقة المقسومة، ولقد وافقت الشركة على منح الحكومة الكويتية قرضًا يبلغ حوالي ملياري دولار لتعزيز إنتاج حقول نفط منطقة الخفجي وإقامة مشروعات بنية تحتية، واستكشاف حقول الغاز الطبيعي المجاورة. كما حددت المذكرة أهدافًا رئيسية لأي اتفاقيات قد تتم في المستقبل بين وزارة النفط الكويتية وشركة الزيت العربية أهمها ضرورة الاستفادة من إمكانات التقنية والبحث والتطوير المتوفرة لدى الجانب الياباني وتدريب الكوادر الوطنية الكويتية لتسلم المسئولية التشغيلية الكاملة وإحلالها محل العمالة الأجنبية، وتعطي المذكرة الحق للكويت في الحصول على تمويل لمشروعاتها الرأسمالية في المنطقة المقسومة من الشركة إذا احتاج الجانب الكويتي لذلك بسعر أقل من سعر الفائدة التي من الممكن أن تحصل عليه الكويت في أسواق المال. ولقد أعرب اليابانيون عن استعدادهم لمنح الطرف الكويتي المطالب المتضمنة في الاتفاقية ومنها تدريب العمالة، وتمويل استثمارات رأسمالية في قطاع النفط، وتسويق النفط الكويتي والاستفادة من التقنية اليابانية، وفي المقابل أكد الطرف الكويتي على استعداده بشكل جاد للوصول إلى اتفاقيات مثمرة مع اليابان تراعي مصالح الطرفين. وجدير بالذكر أن الكويت تجري محادثات مع المملكة العربية السعودية لإيجاد طريقة لإدارة العمليات النفطية في المنطقة المقسومة من خلال جدول زمني محدد لانتقال مسئولية إدارة العمليات بالمنطقة لجهة واحدة قد تكون شركة كويتية ـ سعودية أو شركة نفطية دولية، كما تجري الكويت محاولات لإيجاد بديل وطني من خلال اكتساب الخبرة من شركة الزيت العربية بطريقة أقل تكلفة في إطار القوانين والدستور الكويتي الذي يحظر اقتسام الإنتاج. العوامل التي حكمت المفاوضات بين الكويت واليابان: هناك عدد من العوامل السياسية والاقتصادية التي حكمت المفاوضات بين الكويت واليابان ومنها: الكويت دولة صغيرة تمر بظروف سياسية دقيقة تفرض عليها الحفاظ على علاقات ود وصداقة ومصالح مع الدول الكبرى وخاصة آسيا التي تستورد نحو 75% من النفط الكويتي الخام والمكرر، وتعتبر اليابان من أكثر الدول اعتمادًا على النفط الكويتي والخليجي عمومًا، كما أنها أكثر الدول حساسية تجاه أمن إمداداتها النفطية، ولذلك فإن البعد السياسي والاستراتيجي في مفاوضات اتفاقية شراكة الزيت العربية يفرض نفسه بقوة خاصة أن المادة من الاتفاقية مع الشركة تمثل نقطة قوية لمصلحة المفاوض الكويتي حيث تنص صراحة على تخلي الشركة عن كل حق في اللجوء للوسائل الدبلوماسية بشأن الأمور المتعلقة بالاتفاقية. انطلقت المفاوضات من حقيقة أن الكويت دولة قانون ومؤسسات، وأنه لايمكن إبرام أي اتفاقية تتعلق باستغلال النفط تكون متناقضة مع الدستور أو مخالفة للقوانين السارية. استندت المفاوضات إلى تقييم دقيق لتجربة تطبيق الاتفاقية، حيث لم تلتزم الشركة بما نصت عليه الاتفاقية في مختلف بنودها خاصة ما يتعلق بتطوير مكامن النفط أو بالاستثمار في مجال البنية الأساسية في منطقة الامتياز، وشكل هذا الأمر مدخلاً مناسبًا لربط تجديد الاتفاقية بصيغة متوافقة مع الدستور وذلك مع زيادة الاستثمارات اليابانية المباشرة في الكويت من خلال مشروعات محددة. وعلى الرغم من رفض الكثيرين لتجديد الاتفاقية مع شركة الزيت العربية بل اتهام البعض لها بأنها تتنافى مع الدستور الكويتي، يرى آخرون أنه كان لابد من التأني في دراسة الاتفاقية لما لمصلحة البلاد من أولوية في هذا الشأن وخاصة في ظل الظروف الحالية التي يمر بها العالم بأكمله، حيث يذهبون إلى أن بنود الاتفاقية في صالح الكويت وأن بها كثيرًا من الإيجابيات التي ستعود على البلاد بالنفع، فالشركة تشتري في حدود 100 ألف برميل يوميًا من إنتاج الحقول البحرية التي يقدر إجمالي طاقتها الإنتاجية بنحو 125 ألف برميل يوميًا، في حين تستطيع الكويت تسويق الكمية المتبقية بسهولة من خلال إدارة التسويق المحلي. كما أن الكمية التي يتم شراؤها من قبل الشركة تعد خارج نطاق حصة الكويت في «أوبك»، واليابانيون لديهم المصافي الخاصة بهم وقادرون على استغلال تلك الكمية، هذا بالإضافة إلى أن الاتفاقية توفر فرص تمويل مشروعات البنية التحتية للمنطقة المقسومة ولديها أيضًا خبرة كبيرة في حقول هذه المنطقة، هذا بالإضافة إلى موقف اليابان من أحداث الغزو ووقوفها بجانب الكويت وتمويلها لتكلفة تحرير الكويت بنحو 9مليارات دولار. ولذا يطالب هؤلاء بضرورة إدارة القطاع النفطي بصورة تجارية بحتة لاسيما في ضوء السياسة المقررة لزيادة الطاقة الإنتاجية للكويت ورفعها من 2.1مليون برميل يوميًا إلى 3ملايين برميل يوميًا بدءًا من عام 2003. 2 ـ الاستثمارات اليابانية في الكويت: على الرغم من أن الواردات اليابانية من نفط الخليج تبلغ نحو 80% من إجمالي وارداتها من النفط العالمي، فإن اليابان لا تهتم كثيرًا بالاستثمار المباشر في الكويت ويستدل على ذلك من ضآلة الاستثمارات اليابانية في المنطقة مقارنة باستثماراتها في بقية مناطق العالم، وكذلك بمقارنتها باستثمارات الدول الصناعية الأخرى في الكويت وبالمقارنة أيضًا باستثماراتها في الدول الأخرى، كما يتضح ذلك من تركيز الوفود اليابانية التي تزور الكويت على طرح أفكار عامة حول التعاون واقتصار الجانب العملي على بعض المشروعات الهامشية مثل إنشاء مكتب لمركز التعاون الياباني في الكويت يتولى مهمة الحصول على المعلومات المتعلقة بالاستثمار في الكويت ونقلها إلى مجتمع الأعمال في اليابان أو مد الكويت بالخبرات اليابانية في كل المجالات، إلى جانب إعداد بعض البرامج التدريبية في مجال تقنية المعلومات. وفي المقابل تقوم الكويت بعرض فرص الاستثمار المتوافرة على قطاع الأعمال الياباني، وذلك في ضوء قانون السماح لرأس المال الأجنبي بالاستثمار في الكويت وقانون العمل الوطني الرامي لتوظيف المواطنين في القطاع الخاص، وسائر الإصلاحات الهادفة إلى إزالة العوائق أمام الاستثمار الأجنبي المباشر. والواقع فإن قضية ضعف الاستثمارات اليابانية كانت نقطة خلاف أساسية في مفاوضات تجديد عقد شركة الزيت من الجانب السعودي فيما قبل، كما كانت نقطة مهمة أيضًا في المفاوضات مع الجانب الكويتي، فقد صاحبت المفاوضات بين الجانبين حول اتفاقية شركة الزيت العربية محادثات حول الاستثمارات اليابانية في الكويت وغيرها من أوجه التعاون الاقتصادي، وتمخضت هذه المباحثات عن بيان مشترك تضمن عددًا من المبادرات التي من شأنها تعزيز أواصر التعاون، واهداف هذه المبادرات هي: تنويع البنية الهيكلية للصناعة في الاقتصاد الكويتي وخلق مناخ جاذب للاستثمارات الأجنبية. تطوير القدرات البشرية والتبادل الثقافي من خلال مساعدة اليابان في إيجاد بيئة مناسبة للتبادل الثقافي. الاهتمام بالدراسات المشتركة والدعم الفني، حيث أكد الطرف الياباني استمرار تشجيع بلاده لمشروعات الأبحاث والتنمية والعلاقات بين مختلف المؤسسات اليابانية ونظيراتها الكويتية مثل معهد الكويت للأبحاث العلمية الذي ساهمت شركة الزيت العربية في إنشائه وتطويره. إرسال خبراء يابانيين إلى الكويت في المواقع المختلفة بعد موافقة الجهات اليابانية المسئولة. كما أن هناك اقتراحًا يابانيا لتأسيس مكتب ياباني في غرفة تجارة وصناعة الكويت للنظر في الفرص الاستثمارية المتاحة في الكويت وإرسالها لمركز التعاون الياباني في الشرق الأوسط لإجراء دراسات جدوى اقتصادية لتلك المشروعات. وبشكل عام فعلى الرغم من أهمية العلاقات الكويتية اليابانية، فإنها مازالت دون المستوى المطلوب ولذلك يشير الخبراء إلى عدد من المقترحات التي من شأنها تفعيل العلاقات الكويتية ـ اليابانية، ومنها ما يلي: وضع استراتيجية محكمة تهدف إلى جذب الشركات اليابانية لإقامة صناعاتها في الكويت مستفيدة من المزايا المتوفرة بها مثل الطاقة الرخيصة والانفتاح الاقتصادي والقوانين التي تشجع الاستثمار الأجنبي. التركيز على جذب وإقامة «الصناعات المساندة» للاستفادة من توجه اليابان الرامي إلى إقامة صناعات مساندة في الدول الأخرى، وهو الأمر الذي من شأنه جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ونقل وتوطين التقنية، وخلق الكوادر الوطنية. الاستفادة من اعتماد اليابان على دول المجلس في تغطية أكثر من 76% من احتياجاتها من الطاقة كورقة ضغط. الكويت: المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية