قيام حرب بين الهند وباكستان امر محتم كما يبدو ولكن بأي شكل ومن الذي سيدعمها او لايدعمها! من الواضح ان الهند مزمعة على شن حرب ولو خاطفة، وقد افادت التقارير الصحفية التي نقلت عن سياسيين هنود وباكستانيين تأكيدهم على ان الحرب واقعة لا محالة. فالهند قد اتخذت قرارا غير معلن بشن حرب محدودة ضد باكستان من اجل رفع شعبية حزب الشعب الهندي الحاكم قبل انتخابات ولاية اوتار ـ براديتش اكبر الولايات الهندية كما اشرنا مطلع فبراير المقبل. ويعتقد هؤلاء السياسيون ان الهند ستوجه ضرباتها اولا الى منطقة كشمير الباكستانية لتدمير مواقع الجماعات الكشميرية المسلحة والتي تتهم الهند بعضها بتنفيذ الهجوم على البرلمان الهندي يوم 13 من ديسمبر عام 2001 مثل «عسكر طيبه» و«جيش محمد» و «تعمير الامة». يلي ذلك وفق نفس المصادر الدخول في حرب محدودة مع باكستان، بعدها تتدخل الامم المتحدة وامريكا لمنع نشوب الحرب الشاملة لكي لا يستعمل السلاح النووي. وعلاقة الحرب بالانتخابات تأتي من انخفاض شعبية حزب الشعب الهندي الحاكم الى درجة كبيرة في الفترة الماضية خاصة بعد انفجار الثالث عشر من ديسمبر في البرلمان الهندي، ولذا فهو يحاول ان ينقذ نفسه من السقوط بتعبئة الرأي العام الهندي. فمجرد اعلان الحرب ضد باكستان يحظى بقبول الهنود، وتمثل هزيمة حزب الشعب الهندي الحاكم في انتخابات الولاية «اوتار ـ براديتش» سقوطا للحكومة، اذ ستنعكس على التحالفات الحزبية، فالحكومة الهندية لا تقوم على كتف الشعب وحده، بل على اكتاف تحالف يتكون من حوالي 23 حزبا اكبرها حزب الشعب الهندي. وبشكل واقعي يحكم التصعيد بين الهند وباكستان عاملان رئيسيان هما: ـ اولا: القدرات النووية الباكستانية التي تمثل عاملا كابحا لأي تصعيد عسكري خوفا من اندلاع مواجهة نووية مدمرة، وقد اشار وزير الدولة للشئون الخارجية الهندية الى ذلك صراحة في جلسة للبرلمان الهندي عندما قال: «ان ما يمنع الهند من ضرب الجماعات الانفصالية الكشميرية داخل الاراضي الباكستانية هو كون باكستان دولة نووية». ـ ثانيا: الموقف الدولي الاقليمي الذي قد لا يوفر فرصا ملائمة للهند من اجل التمادي في التصعيد، فالولايات المتحدة رغم انحيازها الواضح للهند دعت الى ضبط النفس والحيلولة دون اندلاع حرب مدمرة او تصعيد الموقف. بين حرصها على اظهار المساندة للهند في الحرب ضد الارهاب ورغبتها على عدم التدخل في الصراع المعقد بين البلدين، بدت الادارة الامريكية كمن يمشي على الحبل في محاولة لكبح جماح هاتين القوتين النوويتين في اسيا، وفي وقت ليس مناسبا لامريكا تماما اذ انه قد يتشتت الانتباه عن حملتها ضد الارهاب، وربما لذلك سارعت بالاعلان او الاشارة الى انها انتصرت في هذه الحرب وان ابن لادن قد فر الى البحر محاولة ان تستبق قيام التصادم الهندي الباكستاني. وينبغي هنا قبل قراءة ما ستؤول اليه الامور في المنطقة ان ننظر الى ترسانة البلدين وسباق التسلح بينهما وحجم هذا التسلح. ميزان القوى اختلفت الاراء في حجم القوتين النوويتين والتسليح العسكري للبلدين، فالهند قوة بشرية هائلة وترسانة عسكرية كبيرة وحجم اكبر من الترسانة النووية، لكن باكستان قوة عسكرية حديثة دعمتها امريكا وزودتها بأسلحة حديثة اضافة لترسانتها النووية. مقارنة لابد منها للدخول في تفاصيل التسلح لقياس ميزان القوى، فباكستان اصغر من الهند اذ يبلغ عدد سكانها 147 مليون نسمة بينما يفوق عدد سكان الهند المليار نسمة حاليا. تبلغ مساحة الهند 3 ملايين و 287.00 كيلومتر مربع بينما تبلغ مساحة باكستان اقل من ربع مساحة الهند. وبالنسبة للقوة العسكرية فإن الفارق ليس كفارق عدد السكان، فباكستان تملك بشكل خاص اقوى سلاح طيران في المنطقة اضافة الى ان الجيش الباكستاني قد تولت امريكا تسليحه وتدريبه وجهزته باحدث انواع الاسلحة، وهناك مليون ونصف المليون جندي في باكستان في عمر الخدمة العسكرية. ووفقا للمعلومات المتوافرة فإن اغلب الاسلحة النووية لدى الدولتين صممت في صورة قنابل اكثر من كونها رؤوسا حربية لصواريخ، ومع ذلك فإن باكستان والهند حرصتا على تطوير صواريخ متوسطة وطويلة المدى بامكانها حمل رؤوس حربية نووية. وبينما تجري الهند تجارب اطلاق للصاروخ اجني 2 الذي يصل مداه الى 2500 كيلومتر، فإن باكستان لديها صاروخ بنفس المدى وهو «الفوري 2» في الوقت الذي تطمح لانتاج صاروخ «الفوري 3» الذي يصل مداه الى 3000 كيلومتر. ووفق بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لعام 2001 فإن الهند تتمتع بجيش قوامه 1.2 مليون جندي بينما لاتتعدى القوات المسلحة الباكستانية 620 الفا هم كل الجنود الذين خرجوا من باكستان. وبما ان محل النزاع بين البلدين هو ولايتا كشمير وجامو، فإن ثلث القوات الهندية يتواجد بشكل دائم في ولاية كشمير فضلا عن التعزيزات التي تمت مؤخرا. اما باكستان فبالاضافة الى قواتها الموجودة في ولاية جامو فقد نشرت مؤخرا مايزيد على اربع فرق مدرعة اي حوالي 80 الف جندي اثر تصاعد حدة الاستعدادات العسكرية بين البلدين مؤخرا. ووفق نفس المصدر فإن باكستان لا يمكن ان تنافس الهند من حيث اعداد القطع الحربية، فاسلام اباد لديها 353 طائرة حربية لكنها حديثة بينما تملك الهند 783 طائرة مقاتلة. وبزيادة الانفاق العسكري في السنوات الاخيرة استطاعت باكستان ايصال مخزونها من الدبابات القتالية الجاهزة الى 2300 دبابة مقابل 3414 دبابة تتوافر لدى الهند. ورغم ما سبق، فإن الهند تعاني من مشاكل مزمنة تتعلق بالصيانة لقلة تجهيزات منشآت الصيانة الهندية، اما باكستان فليس امامها في ظل تنامي قوة الهند العسكرية الا السعي لتوفير القدرات العسكرية الضرورية لردع نيودلهي، لذا فقد خصصت الجزء الاكبر من جهودها لتطوير قدراتها العسكرية في المجالات النووية والصاروخية. مواقف ونتائج كنتيجة لكل هذه الاوضاع الشائكة والمعقدة هل يمكن القول ان هناك استفادة في حال اندلاع حرب بين البلدين؟ في ما يتعلق بالموقف الامريكي فإن هناك مخاطر كثيرة تحيط بالموقف الامريكي في حال اندلاعها خاصة في ما يتعلق بالعواقب الاقليمية على موقفها. ويشير المحلل السياسي لصحيفة «كرسيتيان سيانس موينتور» الامريكية توم هنديكسون الى «ان ادارة جورج بوش تنظر للعالم من خلال مفهوم التحالفات الاستراتيجية حيث تم تطوير منطقة جنوب اسيا كقوة موازية للصين، وهذه الاستراتيجية ستتقوض في حالة اندلاع الحرب». وفي الوقت نفسه وفق نفس المحلل فإن الحرب قد يكون لها عواقب مجهولة في الشرق الاوسط، حيث ان باكستان هي ثاني اكبر دولة اسلامية، وفي حالة قيام الولايات المتحدة بمحاباة الهند فإن هذا قد يقوض كثيرا الرسالة التي توجهها امريكا بأنها لاتعادي الاسلام وانما تعادي الارهاب فقط. ويخشى الامريكيون من ان تؤدي الضغوط الحالية الى اضعاف مشرف الذي اصبح يشار اليه على انه الصديق الجديد للولايات المتحدة في منطقة جنوب شرق اسيا، وتتركز مخاوف الولايات المتحدة بدرجة اساسية على مصير الترسانة النووية في باكستان وفق مصادر كثيرة، في ظل ما هو معروف من عدم وجود سيطرة مركزية على الاسلحة النووية هناك وخطورة سيطرة عناصر «متطرفة» او معادية للولايات المتحدة على تلك الترسانة. موقف امريكا متناقض حيال باكستان وهو يكشف عن تأرجحها بين امرين: ـ الخوف من نبذ باكستان والتعرض لمخاطر عديدة. ـ قدرة امريكا على لوي الذراع الباكستانية في سبيل تحقيق المصالح الامريكية وهي بذلك ستخسر صديقا طائعا وتكسب حليفا مجيرا. اما الهند فهي تريد وضع باكستان على قائمة الدول الارهابية لتحرمها اوتوماتيكيا من اخذ اي اعانات او قروض اقتصادية سواء من صندوق النقد الدولي او البنك الدولي مما سيؤدي في النهاية الى انهيار اقتصادي مفاجيء، لكن امريكا كانت دائما رافضة لذلك. ولذا نجد ان الامريكيين نهجوا سبيلين هما الضغط على باكستان واستغلال ضعفها الاقتصادي والتودد اليها. اما بالنسبة للغرب فليس لديه اية مصلحة حاليا او للعالم بالسماح بمواجهة شاملة بين الهند وباكستان لاسيما وان هذه المواجهة يمكن ان تؤدي الى استعمال الاسلحة النووية. ويرى المراقبون ان التوتر سيبقى وستبقى المناوشات التي تنحصر حاليا بتبادل نيران مدافع الهاون، لاسيما وان كشمير قديمة العهد. وستبقى كشمير تطالب باستقلالها، والباكستان سيبقى داعما لهذا الاستقلال وتبقى الهند ترفض بشدة التخلي عن هذه المنطقة التي تعد من اجمل المناطق سياحيا واهمها استراتيجيا. احتمالات الحرب اذن هي احتمال قيام حرب خاطفة لاعادة احتلال الجزء الباكستاني من كشمير او ضرب قواعد المنظمات الكشميرية او حتى ضرب المنشآت النووية الباكستانية وهي تظل الاحتمال الاقوى الذي سيلقى دعما سريا من واشنطن التي لم تخف قلقها من المشروع النووي الباكستاني منذ عام 1998. ويجدر هنا الاشارة الى تصريح احد مسئولي وزارة الدفاع الامريكية «البنتاجون» لمجلة نيويوركر الامريكية في ديسمبر 2001 اذ قال: ان احدى وحدات الجيش الامريكي تقوم بتدريبات عسكرية استعدادا لشن هجوم محتمل على باكستان لسرقة ترسانة الاسلحة النووية التي تملكها. واضاف: ان بعض الجنود من وحدة 262 الاسرائيلية والمعروفة بـ «SAYARET MATKEL11» قد شاركوا ايضا في تلك التدريبات التي اجريت في الولايات المتحدة. ومع ان باكستان تفطن لهذه الخطط الامريكية ـ الهندية ـ الاسرائيلية، وقد قامت بالفعل باخفاء منشآتها النووية بعد هجوم 11 سبتمبر وحصلت على تعهد من الامريكيين بتأمين هذه المنشآت ضد اي ضربات الا ان التواجد القوي للمخابرات الامريكية في باكستان يجعلها قادرة على تحديد اماكن هذه المنشآت. وبالتالي فإن الولايات المتحدة لن تلتزم بإية تعهدات تجاه باكستان او غيرها، وستلتزم فقط بما يخدم مصالحها الاستراتيجية ومصالح حليفيها الاستراتيجيين الهند واسرائيل في اسيا التي اصبحت اليوم في قبضة الامريكيين اكثر من اي زمان مضى