تبنى عدد من المنتمين إلى الحركات الإسلامية في مصر دعوة الحكومات العربية إلى استيعاب شباب الأفغان العرب والجماعات الإسلامية وإعادتهم لمجتمعاتهم والاستفادة منهم في دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد العدو الصهيوني. جاء ذلك في ندوة دعا إليها المركز الدولي للدراسات حول العنف وتطوره في الحركات الإسلامية.. حيث انتقد الحاضرون إهدار قوة الأفغان العرب وتركهم فريسة للقوات الأمريكية لقتلهم كما حدث في قلعة (جانجي) الأفغانية ونقلهم إلى قاعدة جوانتانامو ومعاملتهم بطريقة غير انسانية وهو ما أدى إلى تنديد دولي من جانب جماعات حقوق الإنسان. وحذرت الندوة مما وصفه بعض الحاضرين فيها باتفاق (سايكس بيكو ) جديد في منطقة الشرق الأوسط يستهدف تقسيم العالم الإسلامي بين القوى الاستعمارية وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية مؤكدين أن هذا الأمر يستدعي توحيد جهود جميع القوى واستيعابها وتعبئتها لهدف واحد هو مقاومة الأخطار التي تحيط بالأمة الإسلامية. وأكد المهندس أبو العلا ماضي مدير المركز الدولي للدراسات أن الحركة الإسلامية في مصر وغيرها في الدول العربية تعد جزءا أصيلا من مجتمعاتها.. وكما أن أي فكر قابل للنقاش والنقد، فإن الحركات الإسلامية أيضا لها مالها وعليها ما عليها، ونحن نبحث حاليا عن مستقبلها بعد أن نبذت العنف وأدركت مؤخرا أنه لن يحقق هدفها بإقامة مجتمع إسلامي.. خاصة وأن العنف الذي إنتهجته لم يكن يؤيده أحد وكان هذا من أبرز إخفاقاتها التاريخية. وقال كمال حبيب أحد القادة التاريخيين لجماعة (الجهاد) الإسلامية في مصر ويعمل حاليا صحفي ـ أي فكر قابل للنقاش بما فيه الجماعة الإسلامية. والجماعات الإسلامية التي اتبعت العنف مثل المذهب المالكي الذي اباح الخروج على الحاكم إذا لم يطبق الشريعة الإسلامية.. وهو ما نسميه (فقه الخروج ).. أنصار هذا الفقه موجودون منذ عهد الحسين بن على أثناء خلافه مع يزيد. كما أن مجموعة كبيرة من الفقهاء اعتبروا أن الخروج على الحاكم في شأن الشريعة لا يعد خروجا على ولي الأمر بقدر ما هو إتباع أمر الله. وأضاف أن هذه الفتاوى والآراء الفقهية شكلت وعي ورؤى شباب (الجهاد) الإسلامي. وكانت منهاجا في التعامل مع السلطة الحاكمة.. مشيرا إلى أن النظم الجمهورية والثورية هي التي يكون التصادم بينها وبين الجماعات الإسلامية كبيرا نظرا لأنها تقتبس عادات وتقاليد الغرب. بينما الدول ذات الطابع السياسي الملكي لا تعاني من هذا الاصطدام لأنها لا تميل إلى الاقتباس من الغرب إلا في أشياء محدودة ليظل الطابع الإسلامي هو الذي يغلف نظامها السياسي والاقتصادي وبالتالي تقل فيها أولا تظهر الجماعات الإسلامية المسلحة. عقلنة الخروج وأشار كمال حبيب إلى أن مشكلة شباب الجماعات الإسلامية في مصر تحديدا أنهم لم يجدوا معهم علماء دين يرشدون تفكيرهم ويوجهوهم إلى العدو الحقيقي الذي هو خارج أرضنا العربية. وحزب الله في لبنان مثال جيد على ما أسميه (عقلنة الخروج ) فشباب الحزب في بدايته كانت لهم أفكار ورؤى تماثل مع أفكار الجماعات الإسلامية في مصر. لكن وجود علماء دين بجانب شباب حزب الله ساهم في توجيه حماسهم نحو العدو الحقيقي لهم وهو العدو الصهيوني الذي احتل جنوب لبنان حينئذ.. ومن المؤكد أن افتقاد الجماعة الإسلامية المصرية للعلماء المراقبين والمرشدين لها كان سببا في إنتهاجها العنف ضد رموز الدولة. وأعتبر كمال حبيب أن اغتيال السادات على يد عناصر من الجماعة الإسلامية والجهاد تحديدا لم يكن وفق تخطيط مسبق ومحكم بقدر أنها مسألة قدرية لأن السادات وقتها كان يتخذ قرارات جعلت معظم الشباب يتمنى موته ومن هنا تولدت فكرة اغتيال السادات. وقال ان الجماعات الإسلامية بدأت في الهجرة نحو أفغانستان نظرا لوجود احتلال أجنبي على أرضها وهو ما يتيح لفكرة الجهاد أو تطبق بشكل جيد. وهو أمر أتاح لها إقامة معسكرات كاملة لهم. واصبح لها جانب عسكري له طابع خاص. ومنذ انخراط الجماعة الإسلامية في أفغانستان ظهرت في مصر أعمال عنف شديدة نظرا لاتخاذها طابعا عسكريا. وأضاف حبيب أن التطور الذي حدث في فكر الجماعات الإسلامية جاء عندما أدركت أن عدوها الحقيقي ليس الأنظمة ولكن أمريكا هي العدو الأول وأنها أساس في معاناة العرب والمسلمين. وأنها وراء حالات التبشير في العالم الإسلامي.. كما أن الشعب الفلسطيني يتم ضربه بأسلحة أمريكية.. مشيرا إلى أن هذا التوجه الجديد للحركة الإسلامية في مصر كان له صداه في الحركات الإسلامية الأخرى في العالم العربي حيث أن الحركة الإسلامية المصرية تعد مركزية مثل الأخوان المسلمين التي لها امتدادات في معظم الدول العربية. وأكد أن الأفغان العرب قوة أساسية كان ينبغي استثمارها في فلسطين لأنهم شباب يعتقدون أن هناك حالة خطر تتعرض لها الأمة الإسلامية. وما كان ينبغي إهدار هذه القوة وتركها للولايات المتحدة تقتلها في قلعة (جانجي ) الأفغانية أو تفعل بهم ما تفعله الآن من تنكيل في قاعدة جوانتانامو. وأشار كمال حبيب إلى أنه عندما إتجه شباب الحركة الإسلامية إلى العمل السياسي القانوني في مصر مثل تجربة حزب الوسط والشريعة وغيرها.. تعاملت الدولة مع هذا التوجه بإستخفاف وبأسلوب أمني أكثر منه سياسي. ومن ثم أحس شباب الحركة الإسلامية أنه لا جدوي من الانتقال إلى العمل السياسي العلني وهذا ولد إحباطا كبيرا لدى هذا الشباب المتحمس. وطالب بضرورة الحفاظ على هؤلاء الشباب لأن الأمة الإسلامية أمامها خطر محدد من الولايات المتحدة التي تقوم حاليا وبشكل علني بتجفيف المنابع الثقافية للمسلمين.. بل هناك تقسيم (سايكس.. بيكو) جديد للشرق الأوسط يستهدف العالم الإسلامي.. هذا الخطر ينبغي أن يدفع الدول العربية والإسلامية للتباحث في كيفية الاستفادة من شباب الحركة الإسلامية. كما طالب بضرورة عدم إلغاء المصطلحات الجهادية من قاموسنا مثل الجهاد والقتال فهذه ثوابت ينبغي أن نحافظ عليها.. مثلما نحافظ على مقدرات الأمة. انحياز وقال ضياء رشوان الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ان جماعات العنف لم تعش في التاريخ الإسلامي أكثر من قرن واحد فقط مثل بعض الخوارج في شمال أفريقيا. مشيرا إلى أن كل الجماعات التي التصقت بالنص القرآني ونسيت أنه نزل لكي يعيش به الناس في مختلف أوجه الحياة هذه الجماعات انحازت إلى تفسير القرآن بأسلوب نصي الأمر الذي جعلها محصورة داخل نصها ولا تستطيع الخروج منه. وأضاف أن الجماعات الإسلامية لم تتكون طبقات فوق طبقات عبر تاريخها ولكن تظهر ثم تختفي وهكذا.. وعلى العكس الشريعة الإسلامية التي تكونت تاريخيا من أئمة وفقهاء وعلماء وكان إنتاجهم يتراكم عليه إنتاج غيرهم حتى وصل للوضع الحالي. وأشار إلى أن هذه الجماعات تظهر في النظام السياسي الذي يدعي أنه يحكم بالإسلام ـ في إشارة إلى حكم السادات ـ فالنظام الذي يدعي أنه إسلامي ثم يقدم إسلاما مشوها يُظهر بسرعة الجماعات التي تعتقد أن إسلامها صحيح وينبغي إتباعه. وتساءل ضياء رشوان قائلا: هل ستوازن الحركة الإسلامية بين أولوياتها في الاتجاه للخارج في الوقت الذي تعيش فيه أوضاعا غير مريحة داخل أوطانها، ومن سيكون العدو في المرحلة المقبلة؟ وطالب الدكتور رفيق حبيب وهو مفكر مسيحي مصري من مؤسسي حزب الوسط بضرورة الاحتفاء بالمراجعة التاريخية التي أقدم عليها قيادات الحركة الإسلامية.. مشيرا إلى أنهم في نهاية المطاف أبناء لهذه الأمة. وأكد أن الحركة الإسلامية رأت أنها دفعت ثمنا غاليا دون تحقيق شئ على أرض الواقع. وأدركت أن التغيير بالقوة له أرضية أكثر في الخارج مع العدو الحقيقي.. لكن السؤال هو كيف ستعامل الحركات الإسلامية التي تقوم بحرب في الخارج؟ القاهرة ـ محيي الدين سعيد: