قضية «الاخدام».. أو ما باتت تعرف بقضية المهمشين تحولت منذ فترة قصيرة إلى موضوع ساخن يحظى باهتمام ومتابعات وردود افعال الشارع السياسي والوطني والشعبي في اليمن، خاصة بعد ان عمل هؤلاء المهمشون على تنظيم انفسهم في اطار مدني حقوقي للدفاع عن قضاياهم التي يرون انها عادلة ومنها المساواة بالمواطنة وحق التعليم والوظيفة العامة والترقي والتمثيل البرلماني والسياسي في أعلى سلطات ومراجع الدولة.. وقبل الخوض في هذه المطالب الدستورية والحقوقية والانسانية.. واوضاع هذه الفئة المهمشة في المجتمع اليمني، ربما هناك من يتساءل: من هم الاخدام وما اصلهم؟ احباش ويمنات ان الاجابة عن الشق الأول من السؤال تبدو ـ هنا ـ سهلة ومعروفة لعامة المواطنين اليمنيين والمهتمين بالشأن الداخلي، وأفضل وصف جاء في دراسة «الشرائح الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني» للدكتور قائد نعمان الشرجبي الاستاذ بجامعة صنعاء الذي وصف «الخادم» انه ذو بشرة سوداء وله شعر اسود فاحم يميل كثيراً إلى التجعد والقصر، وشفاه سميكة وخاصة الشفة السفلى وانف انطس غالباً وذو فتحات كبيرة في الغالب أيضاً، اما صفاته البيولوجية فهي تقترب كثيراً من الصفات البيولوجية للانسان الزنجي، والاخدام يحتلون المرتبة السفلى أو الاخيرة في السلم الاجتماعي التقليدي ويواجهون باحتقار شديد من كافة الشرائح الاجتماعية الاخرى، وهم يعيشون على هامش المجتمع. اما الاجابة عن الشق الأخير، فهي تأتي في سياق الاراء الافتراضية للمؤرخين والباحثين والتي تتسم بالاختلاف.. والافتراض الاقوى ـ حسب دراسة الشرجبي ـ ذلك الخاص بالمؤرخ عبدالرحمن الحضرمي القائل ان الاخدام هم من الموالي الاحباش الذين استقدمهم الـ «نجاح» ـ موالي من اصل حبشي ـ لتدعيم دولتهم في مدينة زبيد بتهامة في القرن السادس الهجري.. هذا الافتراض وصفه محمد علي القيرعي رئيس جمعية الاخدام الموسومة بجمعية الدفاع عن الاحرار السود في اليمن ـ تحت التأسيس ـ بالمغالطات التاريخية. يقول القيرعي: ان هذا الافتراض يأتي من باب المغالطات ولا يستند على المعطيات التاريخية التي تشير إلى ان هذه الفئات الاجتماعية السوداء «الاخدام» تعتبر هي الفرع الرئيسي المتبقى من العنصر العربي الاصيل والتي كانت تقطن وتحكم ما كان يسمى باليمن الاسفل دولة يمنات التي كانت قائمة لأكثر من اربعة الاف عام قبل الميلاد.. ويضيف بصرف النظر عن الرأي الاخير فاذا كان الاستبداد الاجتماعي والعنصري ضد هذه الفئات قائماً على فرضية انهم بقايا احباش أو نجاحيين، الم يكن المجوس الفرس محتلين أيضاً رغم الفارق بين الفتح الديني الحبشي والاحتلال الفارسي، ورغم ذلك لم تكرس ضدهم اية ثقافة عنصرية وكذلك الحال مع بقايا الاتراك وبقايا الاسر اليهودية التي أعلنت اسلامها في عام الطرد الإمامي 1948. اجراء وشحاذون ان المسافة التاريخية الطويلة والفاصلة بين ماضي الاخدام وحاضرهم شهدت تراكمات نوعية وكمية اسهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في تعقيد قضية هذه الفئة المهمشة.. وبحثاً عن الاخدام في أوراق الحاضر التي ترتبط جدلياً بالماضي، تطرق محمد القيرعي رئيس اللجنة التحضيرية لجمعية الاحرار السود في اليمن في حديثه لـ «البيان» إلى جملة من الجوانب المهمة المتصلة مباشرة بهذه الفئة، وحول تعداد الاخدام في اليمن، اجاب القيرعي ليس هناك احصائيات دقيقة تبين العدد الاجمالي لهذه الفئات المهمشة، وانما نستطيع الاستناد في تحديد عددهم الى الاحصائيات الفرعية التقريبية التي تمت هنا وهناك من خلال صندوق الأمم المتحدة بصنعاء أو منظمتين «كير» أو «اكسفام»، أو من خلال بحثنا المسمى «اسئلة البحث في موضوعات الحقيقة الغائبة»، حيث وجدنا ان عددهم لا يزيد على 650 ألفاً، يتوزعون على معظم مناطق البلاد، وتعتبر محافظات مثل تعز وعدن والحديدة ولحج من أكثر المناطق الحاضنة لهذه الفئات المهمشة. وفي رده على سؤالنا حول حجم معاناة هذه الفئات اجاب محدثنا القيرعي بالقول: هذه الفئات المهمشة أولاً ليست على مستوى الاخدام فحسب وانما على مستوى كافة الفئات الاجتماعية المهمشة بما فيها الاحجور ـ العبيد ـ والمزاينة وهي كتل اجتماعية اوجدت لها الثقافة الشعبية حيزاً واسعاً في زاوية الاستبداد الاجتماعي والعنصري، وتتوزع هذه الفئات على شكل تجمعات صغيرة في عموم مناطق البلاد.. وثانياً وهنا الاهم ان هذه الفئات المهمشة تعاني جميعها من الفقر المدقع والفاقة، حيث تعتبر من اكثر الطبقات الاجتماعية فقراً، وذلك نتيجة لموروث الاستبداد التاريخي الذي منعها عبر الاف السنين من امتلاك أدوات الانتاج ومقومات التطور الاجتماعي، مما فرض عليها سياجاً منيعاً اعاقها من مواكبة التطور الاجتماعي في كل مناحي الحياة، كما انه انعكس سلباً على واقعها المعيشي والاجتماعي حيث نجد ان هذه الفئات لا تمارس في معظمها ـ أي مهن محترمة قياساً بالثقافة الشعبية الموروثة. تنحصر المهن التي يمارسونها في تلك المهن الوضيعة التي يتأفف منها الاخرون، حيث نجد ان «الاجراء» هؤلاء يعملون في المزارع والاراضي الزراعية المملوكة للاقطاعيين وكبار الملاك في مناطق اليمن الاسقل اب وتعز وبما فيها مناطق الريف يعملون كعمال زراعيين وبالسخرة وبشروط قاسية جداً غالباً، حيث لاتكاد اجورهم مقابل عملهم الشاق تؤمن لهم ادنى متطلبات العيش لهم ولاطفالهم، كذلك نجد أيضاً عمال النظافة والذين يعملون في العاصمة والمدن الرئيسية بأجور يومية زهيدة وبدون اية ضمانات او حقوق في الضمان الاجتماعي اسوة بغيرهم من موظفي الجهازين الاداري والحكومي، بينما جزء ثالث يمارس الشحاذة في القرى والأسواق، والجزء الرابع يمارس الخدمة في البيوت وهي عادة أو مهنة قديمة تجسد تماماً مفهوم الاسترقاق، حيث يقوم هؤلاء بخدمة البيوت في الاعراس والمآتم والافراح والمناسبات وقرع الطبول دون اجر الا ما يحصلون عليه من باب الصدفة فقط، اما الجزء الخامس والذين ساعدتهم الظروف في استكمال تعليمهم الثانوي والجامعي، فيعملون في الوظائف الادارية العادية، وهذه نسبة طائلة تتواجد في محافظتي عدن وتعز، والبعض يعملون كمدرسين أو ضباط ومجندين بينما نجدهم ـ والقول للقيرعي ـ محرومين من الوظائف المتوسطة والعليا وفي المشاركة في دوائر تسيير الشئون العامة للبلاد. مهمشون ومحرومون وحول المشاركة السياسية، اجاب محدثنا بالقول «نجد ان هذه الفئات المهمشة ممنوعة من حقوق المشاركة السياسية والمدنية، رغم ان دستور الجمهورية اليمنية يكتظ بالنصوص الدستورية التي تؤكد احقية كل فئات المجتمع اليمني في المساواة السياسية والتمثيل السياسي.. الخ، الا اننا نجد ان هذه النصوص الدستورية تفقد فاعليتها وتصبح نصوصاً معطلة بسبب الموروث الاستبدادي الذي طغى على كافة القيم الدينية والاخلاقية والانسانية وليس الدستورية فقط، والاحداث الماضية تؤكد هذا الواقع الالغائي الرافض لهذه الفئات المهمشة، واذكر هنا حادثتين تؤكدان منع هذه الفئات من حقوق المشاركة السياسية والمدنية، الحادثة الأولى كانت في عام 85م في تجربة الحكم المحلي الوليدة وقد ترشح احد ابناء هذه الفئات في منطقة الشيماتين بتعز وبالفعل حقق نجاحاً مذهلاً بسبب كثافة الاخدام في موطنه الانتخابي الا انه لم يستطع ممارسة مهامه عقب فوزه في الانتخابات وذلك لعدم اعتماد أو قبول فوزه من قبل اللجنة الانتخابية. والحادثة الثانية تكاد تكون مشابهة للأولى وجرت في الانتخابات النيابية عام 97م في منطقة دمنة خدير. منبوذون ومظلومون ان قضية الاخدام نالت حيزاً متواضعاً ـ ان جاز التعبير ـ من اهتمامات مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية اليمنية والمنابر السياسية والصحفية في البلاد، حيث يصطف هؤلاء مجتمعين في خط دفاعي موحد، ينطلقون من رؤى وقواسم مشتركة موحدة تدور حول مضامين المساواة الغائبة والظلم التاريخي الذي احاق بهذه الفئة دون سواها من فئات المجتمع طيلة قرون عديدة إلى درجة اصبحت فيها هذه الفئة تعيش ـ حسب رأي هذه المنظمات ـ في اجواء طقوسية وعادات وتقاليد وانماط حياة مختلفة عن سواها، الأمر الذي حدا بالبعض بوصفها اشبه بالجيتو المغلق، ولكنه جيتو فرض على هؤلاء الاخدام قسراً.. انها فئات منبوذة تعيش اطراف المدن وتحزم المدن الرئيسية بمنازل القش والصفيح والخرق البالية، وتحيا حياة غاية في البؤس والضنك، حيث لا مدارس ولا تعليم، لا صحة، لا خدمات أو مياه صحية ودورات صرف وطرق وكهرباء وغيرها.. وهذه الفئة تحولت مع استمرار العزل إلى مخزن وحيد يضخ بالايدي العاملة ذات التخصصات الدنيا كأعمال النظافة والاشغال الشاقة الاخرى التي لا تحظى برضا وقبول سائر السكان. ولعل حجم المظالم التي تعيشها هذه التجمعات المهمشة قد اضفى على هذه القضية ـ المشكلة ـ ابعاداً مأساوية وتراجيدية.. وفي احاديث صحفية متعددة نماذج من هذه الفئة المهمشة، طرحت هموماً وممارسات شائنة لا تمت للعصر والانسانية بصلة، الأمر الذي احرج كثيراً النظام السياسي لجهة تعامله مع المواثيق الدولية التي وقع عليها وخاصة تلك المتعلقة بحقوق الإنسان ومناهضة التمييز وهو ما ينعكس على تدفق المعونات المالية للدول المانحة أو ربما يهدد بانحسارها. صنعاء ـ محمد الطويل: