تياران فكريان وسياسيان يتصارعان في جمهورية ايران الإسلامية، كل يطرح افكاراً تتناقض احياناً وتتقاطع احياناً اخرى. لكل من التيارين جذور نشأته واستراتيجيته وجوانب قوته ونقاط ضعفه. ما هي جذور هذا الصراع الذي يتوقع المراقبون ان يتواصل لفترة ليست بالوجيزة، وما هو مستقبل الصراع، وما مدى تأثيراته على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل إيران. التقرير التالي يطرح رؤية عامة للتيارين ويتناول المحاور الاساسية للصراع ويجتهد في استقصاء مستقبله. مع تولي الرئيس الإيراني الحكم عام 1997 دخلت إيران مرحلة جديدة من مراحل تطورها السياسي في فترة ما بعد الثورة الإسلامية، حيث بدا من الواضح أن هناك صراعاً من نوع خاص سيدور على الساحة الإيرانية، لاسيما مع بروز تيارين متقابلين أحدهما عُرف باسم التيار الإصلاحي الذي استطاع أن يفرض مرشحه للرئاسة محمد خاتمي محققاً فوزاً كاسحاً، والثاني عُرف باسم التيار المحافظ الذي خسر مرشحه انتخابات الرئاسة أمام المرشح الإصلاحي، وهو ما دفع هذا التيار للإحساس بأن البساط يمكن أن ينسحب من تحت قدميه. ومن تلك اللحظة تبلورت ملامح صراع بين التيارين ساعد على نشوبه ذلك التناقض الواضح في الأهداف والغايات التي حاول كل تيار تحقيقها. فالإصلاحيون يريدون نوعًا من التغيير قد يصل عند بعض المتطرفين منهم إلى تغيير جذري للأسس والمبادئ التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية، بينما يرغب المحافظون في استمرار الأمر الواقع كما هو عليه رافضين أي محاولة للتغيير، ومن هنا كان الصدام المؤكد الذي دفع كل تيار إلى وضع استراتيجية لمواجهة التيار الآخر مستنداً في ذلك على عناصر القوة المتاحة له. التياران.. الجذور والأهداف يمكن إرجاع جذور التيار المحافظ إلى بداية عهد الثورة الإسلامية حيث بدأ اليمين المحافظ في الصعود تدريجياً، ساعده على ذلك المساندة المطلقة التي أعطاها إياه الحوزات الدينية والتجار (البازار)، وقد ضمت جبهة المحافظين قوى وأحزاباً سياسية ودينية، إضافة إلى عدد من النقابات المهنية، وأهم هذه القوى: جمعية المؤتلفة الإسلامية، جمعية العلماء المجاهدين، بالإضافة إلى بعض التنظيمات الأخرى مثل رابطة المهندسين الإسلاميين، ورابطة الأطباء الإسلاميين، ورابطة العمال الإسلاميين، الخ. ويخلص البعض إلى أن مشروع الإصلاح بدأ منذ عام 1982، أي إبان تولي خاتمي منصب وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، فالوزير خاتمي كان يؤمن بالانفتاح الفكري والثقافي على الآخرين، وكثيراً ما هُوجمت سياساته الثقافية على أساس أنها تهدد المكون الثقافي والهوية الإسلامية للثورة الإيرانية، حتى أنه بعد عشر سنوات الصراع مع الخصوم اضطر خاتمي في النهاية إلى الاستقالة والتفرغ الكامل للعمل الفكري مديراً للمكتبة الوطنية حتى عاد في عام 1997رئيساً للجمهورية. ملفات الاصلاح والإصلاح بالنسبة لخاتمي كان يعني حماية قيم الثورة الإسلامية في إيران، من خلال فتح وتحسين الأداء في ثلاثة ملفات رئيسية، الأول: هو الملف الاجتماعي، والمقصود هنا هو فتح المجال أمام مختلف القوى السياسية والاجتماعية للتعبير عن نفسها بحرية، فالدين والحريات لايتناقضان بل يكمل ويحمي كل منهما الآخر، ومن ثم فالإصلاح عند خاتمي كان يعنى بحماية الحريات الشخصية للأفراد وحماية مؤسسات المجتمع المدني ونشر قيم دولة المؤسسات والقانون، إلا أن هذا الإصلاح لم يكن يعني الخروج على القيم الإسلامية للثورة أو الأخذ بالقيم الغربية، بل هو بالنسبة لخاتمي حماية للثورة التي تحتاج لتجديد حتى لا ينفجر النظام من الداخل. و الثاني: وهو الإصلاح في الملف الاقتصادي فهو لم يرتبط فقط بتحسين معدلات الأداء الاقتصادي وتخفيض معدلات البطالة وتحقيق التوازن في ميزان المدفوعات، ولكن أيضاً بجذب الاستثمارات الأجنبية إلى إيران. و الثالث للإصلاح هو الملف الخارجي الذي يرتبط بالإضافة إلى تحسين الأداء الخارجي بتوحيد مراكز صنع القرار الخارجي منعاً لتدخل أي مؤسسات أخرى في هذا القرار، الأمر الذي كان يسبب حرجاً لمركز الدولة الإيرانية ككل. المحافظ وليد الثورة ويتضح مما سبق أن التيار المحافظ قد ولد مع الثورة، بينما لم يكن هناك ما يعرف باسم التيار الإصلاحي، الذي بدأ في الظهور في عهد الرئيس هاشمي رافسنجاني، وذلك من خلال بعض الشخصيات أمثال الرئيس خاتمي، ونتيجة ذلك فقد اختلفت أهداف كل من التيارين، فالتيار الإصلاحي يهدف إلى إصلاح مفاهيم وبنى وقواعد الحياة في إيران، ولذلك فإن قوى الإصلاح تريد تغيير الدم في عروق النظام ببنية أقوى ونشاط أوفر، وتحويل شعار الجمهورية الإسلامي إلى واقع للعقل الوطني، وإعادة تنظيم العلاقة بين النظام الديني والمجتمع الدولي بحيث يصبح الإصلاح استراتيجية قومية. ويفسر البعض هذه المبادئ العامة بالقول أن الإصلاحيين يسعون إلى تخفيف وطأة القوانين الدستورية الإسلامية الصارمة وتبني نظام إصلاحي ديمقراطي يضمن حرية التعبير عن الرأي والحريات العامة والخاصة الأخرى. في مقابل ذلك يهدف التيار المحافظ إلى تثبيت الأمر الواقع وعدم المساس بأي من أسس وثوابت النظام الإسلامي القائم على الثورة الإسلامية، ولذلك يتشدد المحافظون تجاه أي محاولة للتغيير داخل إيران خشية أن يخل هذا التغير بكيان الثورة ويعرض مبادئها للخطر، كما يخشى هذا التيار التعامل مع الفكر الغربي والخارجي خوفاً من تغلغل الثقافة الغربية داخل إيران وزلزلة القيم الروحية بين أفراد المجتمع الإيراني وهي التي قامت على أسسها الثورة الإسلامية في إيران، ووصل الأمر إلى أن هذا التيار يعتبر أن رياح التغيير تحمل خطراً على ولاية الفقيه ذاتها. خطابان متناقضان في ضوء ذلك أثار خطاب الإصلاحيين الذي شمل مفردات الحرية والمجتمع المدني وتطبيق القانون الاعتراض والمخاوف في أوساط المحافظين نظراً لما ستؤدي إليه هذه المفردات من إضعاف الثقافة والهوية الإسلامية وإضعاف كذلك النظام الإسلامي، ويرد هذا التيار على هذه المصطلحات بمفاهيم أخرى يرونها إسلامية، فالحرية يقابلها الضوابط الشرعية، والمجتمع المدني مفهوم غربي لا علاقة له بالإسلام ويهدف في ظل العولمة إلى تقويض سيادة الدولة، إلى جانب ذلك فقد اعتبر المحافظون أن ما يقوم به التيار الإصلاحي ـ فيما يخص الخطاب حول الحريات الشخصية والصحفية وأمور الانفتاح ـ هو انقلاب ثقافى أشد خطراً من الانقلاب العسكري، وخصوصاً أن بعض مقولات الإصلاح التي انتشرت لاتخفي معارضتها لرجال الدين ولتدخلهم في السياسة ولإدارتهم شئون البلاد، كما لا تخفي تأييدها للعلمانية. ورغم تلك الأهداف العامة التي يرغب كلا التيارين في تحقيقها إلا أن هناك حالة من الانقسام حول كيفية تحقيق هذه الأهداف أو حول المدى الذي يمكن أن يذهب إليه كل تيار في تحقيق هذه الأهداف، ويرجع ذلك إلى وجود بعض الأجنحة المختلفة داخل كل تيار. الصراع بين التيارين للوقوف على مدى قوة الصراع بين تيار المحافظين وتيار الاصلاحيين لابد من النظر في جذور الصراع واستراتيجية كل تيار وعناصر قوته. 1 ـ جذور الصراع: يرى البعض ما بين محافظين وإصلاحيين ليس وليد اللحظة التي جاء فيها محمد خاتمي إلى الحكم عام 1997 ولكنه يرجع إلى عهد الرئيس هاشمي رافسنجاني الذي شهد بعض الممارسات الاقتصادية والسياسات الجديدة، التي دفعت اليمين المتشدد آنذاك (المحافظين) إلى الوقوف أمام هذه الممارسات فقد نظر هذا التيار إلى تلك الإصلاحات بأنها تصادر حق «المستضعفين» التي بدأت الثورة نظرياً باسمهم إلى «الإسلام الرأسمالي»، وفي هذا السياق جاءت مقاومة اليمين المتشدد الذي اضطر رافسنجاني أمامه التخلي عن وزير ماليته الذي كان يفكر ـ حسب اليمين المتشدد ـ حسب التفكير الاقتصادي الغربي، وأيضاً وزير الثقافة والإرشاد المتفتح محمد خاتمي. استراتيجية التيارين لاشك أن كل طرف حاول أن يبني استراتيجية خاصة به في صراعه مع الطرف الآخر، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى استراتيجية الإصلاحيين المتمثلة في استراتيجية الرئيس خاتمي، بينما شملت استراتيجية المحافظين عناصر كثيرة يمكن إيجازها في الضغط الشديد والمستمر على الإصلاحيين في كل المجالات. أما بخصوص استراتيجية الإصلاحيين، فقد أشار إلى أنه عندما جاء خاتمي إلى سدة الرئاسة وظهور نية المحافظين لمحاربته، قام باستخدام نقطة قوته الأساسية وهي الدعم الشعبي في مواجهة التيار المحافظ وقد اعتمد في ذلك على استراتيجية تكونت من العناصر التالية: ـ نقل المعركة إلى المجتمع وليس حصرها في المؤسسات الفوقية للدولة، وهو ما دفع المحافظين للدخول في صراع مباشر ودائم مع النخبة الإيرانية وأحياناً كثيرة مع القواعد الشعبية والشبابية. ـ الحرص على تعزيز العلاقة مع مرشد الثورة. ـ الحرص على الامتداد الأفقي بتعيين كوادر ومسئولين مؤمنين بالمشروع الخاتمي وملتزمين بتنفيذه في الإدارة والدولة. ـ الحرص على تعزيز الامتداد العمودي باتجاه مؤسسات مدنية تسند التيار الإصلاحي في المجتمع على قاعدة الشعار المركزي لبرنامجه أي «التنمية السياسية» وهكذا نشطت الحركة الحزبية وتأسست أحزاب جديدة، وشهدت الساحة الإعلامية صدور مئات من الدوريات والصحف الجديدة التي لعبت دوراً سياسياً وثقافياً محورياً ومؤثراً. ـ الحرص على تحييد كبار مراجع التقليد وعلماء الدين في الحوزة الدينية وعدم الاصطدام بالكبار الذين يؤيدون التيار المحافظ. ـ الاعتماد على «الصبر» كقيمة حضارية في الصراع السياسي مع المحافظين. ـ الحرص على كسب المعارك السياسية والاستحقاقات الدستورية الانتخابية، وتأكيد الأبعاد المدنية للمشروع الإصلاحي واستبعاد أي خيار عسكري أمني. ـ تزامنت الخطوات السابقة مع سياسة ثابتة في العلاقات مع الخارج عنوانها الانفراج مع العالم، حيث أن تفاعل الخارج مع خاتمي يخدم بالطبع قضيته في الداخل سياسياً وإعلامياً واقتصادياً ويوفر له الدعم المطلوب للمضي في طريق الإصلاح. وفي مواجهة تلك الاستراتيجية الإصلاحية قام المحافظون بوضع استراتيجية مضادة تبلورت في ترسيخ الوجود والنفوذ في المؤسسات القومية في الدولة (السلطة القضائية ـ مجلس تشخيص مصلحة النظام ـ مجلس صيانة الدستور ـ مجلس الخبراء) والاستقواء بالحوزة العلمية ومراجعها، وبالأجهزة الأمنية وغير الأمنية التي ترفع لواء حماية الثورة ونظامها ومبادئها مثل الحرس الثوري، قوات التعبئة،.. الخ، هذا بالإضافة إلى سيطرتهم على الإذاعة والتلفزيون فضلاً عن مساندة المرشد لهم. عناصر القوة يحاول كل من المحافظين والإصلاحيين الاعتماد على عناصر القوة التي يمتلكها في تنفيذ استراتيجيته لمواجهة التيار الآخر، فبالنسبة للإصلاحيين فرغم أنهم كانوا يستندون في البداية إلى الدعم الشعبي فقط إلا أنهم حاولوا احتلال عناصر أخرى فبعد أن تمكنوا من إنجاح الرئيس خاتمي في انتخابات عام 1997 الرئاسية عملوا على السيطرة على مجلس الشورى في محاولة لإنهاء مقاومة المحافظين من خلال هذا المجلس حينما كانوا يسيطرون عليه، وهو ما تحقق لهم بالفعل عام 2001، ومن قبل استطاع الإصلاحيون السيطرة على معظم المجالس البلدية والمحلية، بل أنهم استطاعوا تحقيق سيطرة كاملة على السلطة التنفيذية مع نجاح الرئيس خاتمي في الانتخابات الرئاسية عام 2000 وعلى الجانب يسيطر المحافظون على الكثير من المؤسسات القوية والنافذة في النظام الإيراني هذاً فضلاً عن بعض قوى القمع الأخرى، وأهم هذه المؤسسات والقوة ما يلي: ـ يسيطر المحافظون على المؤسسة القضائية، وقد استطاعوا بالفعل توظيفها في صراعهم مع الإصلاحيين سواء من خلال سجن رموز وقيادات هذا التيار أو حرمانهم تماماً من ممارسة العمل السياسي حيث غالباً ما تصدر أحكام القضاء مقترنة بعبارة «ولا يعمل بالحقل السياسي بعد ذلك». إلى جانب ذلك يسيطر المحافظون على مجلس صيانة الدستور الذي يمكن اعتباره بمثابة جهاز رقابي على المؤسسة التشريعية حيث تنص المادة 91 من الدستور على أن المهمة الأساسية لهذا المجلس هي مطابقة ما يصادق عليه مجلس الشورى الإسلامي مع الأحكام الإسلامية والدستور، كما أن المجلس هو الجهة الوحيدة والمختصة المؤهلة لتفسير مبادئ الدستور، وبالتالي فإن هذا المجلس الذي يسيطر عليه المحافظون يمكن أن يبطل أي إصلاحات يقرها البرلمان الذي يسيطر عليه الإصلاحيون. إلى جانب هذا المجلس هناك مجلس خبراء القادة ومجلس تشخيص مصلحة النظام، وكلاهما يحد من دور كل من رئيس الجمهورية والبرلمان في النظام السياسي الإيراني، ومن المفيد الإشارة إلى ما حدث في بدايات شهر أغسطس2001 عندما اعترض البرلمان على مرشحين من قبل السلطة القضائية لمجلس تشخيص مصلحة النظام لأنهم ينتمون إلى التيار المحافظ، وهو ما استدعى من المرشد تأجيل مراسم تنصيب خاتمي لفترة ولاية ثانية، مما اضطر البرلمان إلى الإذعان لرغبة المحافظين والموافقة على المرشحين. من جهة أخرى يسيطر المحافظون على بعض أجهزة القمع مثل الحرس الثوري الذي تعاظم دوره وأصبح يمتلك أسلحة برية وجوية وبحرية ويتمتع اعضاؤه بأعلى الامتيازات بين العسكريين، ويمثل إحدى القوتين العسكريتين الرئيسيتين في إيران، وإلى جانب ذلك يسيطر التيار المحافظ على اللجان الثورية التي تنتشر في كافة أجهزة الدولة، وقوات التعبئة (البسيج). في ضوء العرض السابق يمكن القول أن القوى المحافظة تتمتع بعناصر قوة تفوق التي تتمتع بها القوى الإصلاحية، ففي حين أن القوى الإصلاحية لا تستطيع من خلال ما تملكه أن تضغط على التيار المحافظ يستطيع الأخير بما يملكه من عناصر القوة أن يضغط على الإصلاحيين ويعرقل مسيرتهم على كافة المستويات لا سيما السياسية. محور الصراع بين التيارين تعد قضية الولي الفقيه إحدى القضايا الرئيسية للخلاف بين التيارين المحافظ والإصلاحي لاسيما القوميين والليبراليين منه، وقبل استعراض مظاهر هذا الخلاف، فإنه من المفيد أولاً الإشارة إلى صلاحيات الولي الفقيه، وفي هذا السياق يشير البعض إلى أن الدستور الإيراني نص على أن المرشد الأعلى (الولي الفقيه) هو المرجع الأعلى لكل السلطات ولا يكتسب أي قرار أو مشروع قانون شرعيته إلا بعد تصديق المرشد العام عليه، فضلاً عن ذلك فقد نص الدستور على صلاحيات أخرى للولي الفقيه، بوصفه قائد الدولة وأهمها: ـ تعيين فقهاء مجلس صيانة الدستور. ـ تسمية وتثبيت رئيس السلطة القضائية. ـ هو الحاكم العام لكل القوى المسلحة، وله صلاحية تعيين وعزل رئيس الأركان وقائد حرس الثورة الإسلامية. ـ تأليف مجلس الدفاع الأعلى. ـ تعيين الحكام الأعلين للقوى الثلاث بناء على اقتراح مجلس الدفاع الأعلى. إعلان الحرب والصلح وتعبئة القوى العسكرية بناء على اقتراح مجلس الدفاع الأعلى. ـ تثبيت رئيس الجمهورية بعد انتخاب الشعب له، وعزله بعد حكم الديوان العالي للقضاء بتقصيره في واجباته الدستورية، أو بعد قرار مجلس الشورى الإسلامي بعدم كفاءته السياسية. ـ العفو عن المحكومين أو تخفيف عقوباتهم بناء على اقتراح الديوان العالي للقضاء. بصفة عامة يشير المحللون إلى أن كلاً من المحافظين والإصلاحيين ـ ما عدا بعض الأجنحة المتطرفة ـ يؤمن بالإطار النظري المتضمن في دستور الجمهورية الإسلامية، ويعتبر أن الالتزام العملي بمقولة ولاية الفقيه، كما وصفها الإمام الخميني هو معيار أي عمل سياسي، ويرى المحللون أن هذه النظرة تجمع بين الدين والسياسة وأدت إلى إنشاء دولة برأسين، رئيس الجمهورية والولي الفقيه، أما من يملك السلطة الأعلى فإن الدستور يوضح بما لا يدع مجالاً للشك بأنه الولي الفقيه الذي يشغل منصبي قائد الثورة ورأس الدولة في آن واحد. ورغم هذا الإطار فقد ظهرت حالة من الجدل حول دور الولي الفقيه مرجعها تبدل الأمور بعد رحيل الإمام الخميني، فلقد تولى الإمام الخميني هذا المنصب بحكم كونه مؤسس الثورة وقائدها، وفي بداية الثورة كان الجميع مقتنع بفكر الخميني وتوجهاته، وهذا ما لا يتوفر لأي شخص بعده، فعباءة الخميني كانت تضم الجميع طواعية، إلى جانب فإن المرحلة التي تولاها المرشد الحالي خامنئي والتي بدأت عام 1989 تختلف كلية عن مرحلة بداية الثورة والتي شغلت الحرب فيها ثماني سنوات، والحرب توحد الاتجاهات السياسية لمواجهة الخطر الخارجي، وفي هذا السياق يمكن القول أنه لم تكن هناك حالة من الجدل حول دور الولي الفقيه أيام الخميني نظراً لوجود عدة عوامل انتفى وجودها مع تولي خامنئي المنصب فمع دخول الثورة عقدها الثالث كان من الطبيعي أن تتولد اتجاهات مختلفة. ملاحقة الاصلاحيين.. صراع جديد في حلقة جديدة من حلقات الصراع الدائر بين المحافظين والإصلاحيين قامت السلطة القضائية بملاحقة عدد من النواب الإصلاحيين، حيث يقوم القضاء الإيراني بالتحقيق مع أعضاء مجلس الشورى الإسلامي والذي يرى في تصريحاتهم ومواقفهم ما يخالف الثورة الإسلامية، وذلك دون الوضع في الاعتبار الحصانة البرلمانية بدعوى أن هذا استثناء بين المواطنين وأنه لا توجد حصانة للنواب فالدستور ينص على المساواة بين الجميع. وفي إطار حملة الملاحقات لحوالي ستين نائباً ثم الحكم على ثلاثة منهم بالسجن هم النائب حسين لقمانيان، والنائبة فاطمة حقيقتجو، والنائب محمد دادفر وذلك بتهم من قبل إهانة مجلس الأمن الوطني أو الدعاية ضد النظام أو نشر الأكاذيب. وفي تطور مفاجئ تم اعتقال النائب حسين لقمانيان لتنفيذ الحكم عليه بالسجن، وجاء ذلك الاعتقال رغم أن رئيس السلطة القضائية كان قد تعهد في اجتماع مع الرئيس خاتمي ومهدي كروبي رئيس البرلمان بعدم تنفيذ أي أحكام ضد النواب لحين بت مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام في قضية الحصانة النيابية، ولاشك أن هذا الاعتقال قد أثار المخاوف حول مصير 60نائباً جميعهم من الإصلاحيين والذين صدرت أحكام بحبسهم أو ينتظرون مثل هذه الأحكام. ومن هؤلاء الذين يمكن اعتقالهم في الفترة المقبلة فاطمة حقيقتجو التي صدر ضدها حكم بالسجن 22شهراً خففته محكمة الاستئناف إلى 17شهراً، ويرى البعض أن الحكم على النائبة يرجع إلى أنها من الجيل الذي ولد بعد الثورة ولم يشاهد مظالم ذلك العصر السابق لها، وهذا الجيل بالذات يحذره الحرس القديم المحافظ في نظام الحكم في إيران كونه يشكل زلزالاً يهدد منجزات الثورة، فمنذ وصول خاتمي إلى الحكم ازدادت حدة الخلافات بين هذا الحرس والجيل الجديد الذي ينادي بأفكار يعتبرها المحافظون بمثابة السوس الذي سينخر في عضد الجمهورية الإسلامية، لذا كان استهداف ممثلي هذا الجيل أهم أولويات التيار المحافظ. وإلى جانب النائبة هناك أيضاً النائب محمد دادفر الذي حكم عليه بالسجن سبعة أشهر، كما أصدر القضاء حكما بسجن نائب وزير العمل الشخصية الإصلاحية محمد سلامتي الذي يدير أسبوعية «عصر ما» والناطقة باسم «منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية» الإصلاحية، كما جرت أيضاً محاكمة محسن ميرامادي المسئول عن صحيفة «نوروز» الإصلاحية، ورئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان بتهم كثيرة. واللافت للنظر إزاء هذه القضية هو موقف المرشد الأعلى الذي جاء مؤيداً ولو بشكل ضمني لإجراءات القضاء ضد النواب الإصلاحيين، ففي رده على رسالة من رئيس البرلمان تطالبه بالتدخل دعا المرشد 30/12/2001 البرلمان والقضاء إلى «الاحترام المتبادل» لكنه رفض التدخل لمنع ملاحقة النواب قضائياً، وفي هذا السياق قال خامنئي أنه «في حال (لقمانيان) كما في حالات مشابهة ليس هناك أي ثغرة قانونية، كل شئ مسطر حسب الدستور». ولقد أكد المرشد على موقفه مرة أخرى حين دعا إلى تعاون البرلمان والقضاء لحل الخلاف المتصاعد غير أنه حذر وبشدة الصحافة من توجيه انتقادات من شأنها أن تضعف السلطات، ولاشك أن المقصود بهذا الأمر هو ألا تنتقد الصحافة أحكام القضاء تجاه النواب. وبصفة عامة يمكن القول أن ملاحقة النواب تعد أحد الملفات الشائكة في العلاقة بين البرلمان الإصلاحي والقضاء المحافظ فبالرغم من التشديد على الحصانة التي يتمتع بها النواب في النظام الداخلي للبرلمان، إلا أن القضاء يؤكد أنه طبقاً للمادة من الدستور فإن عضو مجلس الشورى يفتقر إلى أي حماية أو حصانة برلمانية لأن الجميع متساوون أمام القانون. مستقبل الصراع بداية يجب الإشارة إلى أن هناك مجموعة من العوامل التي تدفع تيار الإصلاح للمضي في طريقه، يتعلق بعض هذه العوامل بالأوضاع الداخلية الاقتصادية والأوضاع الإقليمية والدولية، وبعضها الآخر يتعلق بتوجهات وقناعات التيار المحافظ. أما بخصوص الأوضاع الاقتصادية فإن الاقتصاد الإيراني يعاني من حالة من التدهور في ظل معدل زيادة سكانية تتراوح بين 2.5 ـ 3%، فالشعب الإيراني قد زاد حوالي مليون نسمة تقريباً منذ قيام الثورة الإسلامية وحتى الآن 62مليون نسمة، بينما معدل التنمية لا يتجاوز 3.5% بما يعني أن الأوضاع المعيشية ستبقى كما هي عليه بل أنها ربما تتدهور، إلى جانب ذلك فالدين الخارجي بلغ 46مليار دولار، فضلاً عن انتشار البطالة والفساد والرشوة وتراجع مؤشرات التنمية الأخرى. أما بخصوص الواقع الإقليمي لا سيما ما يتعلق ببحر قزوين، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي وقيام ست جمهوريات على الحدود الشمالية لإيران أثار وضعاً حساساً في البحر حيث البترول واحتمالاته الضخمة، فقد تسبب أي خلافات حادة بين الدول المطلة على هذا البحر نزاعات حادة قد تكون مسلحة، وهو ما يفتح مجالاً جديداً للصراع تستفيد منه القوى الطامعة في المنطقة. وهناك أيضاً العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية التي مازالت في مرحلة الأزمة، ولاشك أن تجاوز الأزمات يحتاج إلى عوامل كثيرة لا تبدو في الأفق الإيراني، خاصة وأن الولايات المتحدة تلاحق الشركات التي تتعامل مع إيران عند سقف معين، وهو ما يجعل التعامل الإيراني مع الخارج ليس بالأمر السهل. إضافة إلى تلك العوامل الدافعة نحو الإصلاح هناك عوامل أخرى تتعلق بالتيار المحافظ يمكن إيجازها فيما يلي: ـ التيار المحافظ لم يدرك حقيقة التحولات الاجتماعية في إيران، وأغفل مطالب وطموحات نصف السكان من الشباب وتعاطي بعض منظري هذا التيار مع الواقع بالمنطق الاسقاطي أو الفوقي، أي بدل أن يكون الحاكم هو الخادم للشعب، بدت الأمور أحياناً وكأن البعيد يرى أو على الأقل يتصرف بطريقة توحي وكأن المحافظين يريدون أن يكون المجتمع هو خادم الدولة وليس العكس. ـ التيار المحافظ لم يجدد خطابه ولا نهجه ولا عناوينه السياسية والثقافية، ويشعر المتابعون أحياناً وكأن بعض المحافظين يعتبرون أن أي تجديد هو مرادف للانحراف وأي إصلاح يعني التحريف والانقلاب التدريجي. في ضوء تلك الأمور فإنه من المتوقع أن يستمر الإصلاحيون في نهجهم، وفي المقابل لن يترك المحافظون الساحة خالية أمامهم لتنفيذ وتحقيق أهدافهم، وهو ما يعني في التحليل الأخير استمرار الصراع في الفترة المقبلة، وفي هذا السياق أشار بعض المحللين إلى مجموعة من الأسباب التي تؤدي إلى استمرار هذا الصراع أهمها ما يلي: ـ الصراع هو تعبير عن صراع اجتماعي موجود بالفعل داخل المجتمع الإيراني فكل من التيارين له قاعدته الاجتماعية الخاصة به ومثل هذه الصراعات الاجتماعية لا تحسم بين يوم وليلة، فالتيار المحافظ يعبر عن قطاع من البرجوازية المدينية خاصة القطاع التجاري المعروف باسم البازار، أما تيار الإصلاحيين فيعبر عن الطبقة الوسطي بما تشمله من مثقفين وتكنوقراط. ـ أن الصراع يعبر عن عملية سياسية لها استمراريتها، فبصفة عامة يشتد الصراع عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي من النادر أن يمر عام واحد دون أن يكون هناك أي من هذه الاستحقاقات وهو ما يجعل كلا التيارين في حالة استعداد وتأهب للصراع والمواجهة. ـ كلا التياران لديه أدوات وأوراق يستطيع أن يوظفها في إدارته للصراع وهو ما سبق الإشارة إليه بالتفصيل. ـ هناك احتمالات لحدوث تغير ما في موازين القوى الحالية لأطراف الصراع نتيجة وجود بعض الانقسامات في كلا التيارين، فمن جهة ـ وكما سبق الإشارة ـ فإن تيار الإصلاحيين يتكون من قوى سياسية كثيرة تختلف في طموحاتها وأهدافها وبرامجها ولا يوحدها إلا شخص الرئيس خاتمي، ولكن بعد 3سنوات من الآن ستطمع كل هذه القوى في أن يكون منصب الرئيس من صفوفها، وهو الأمر الذي يمكن أن يحدث انقسامات حادة قد يستغلها التيار المحافظ من أجل القضاء على الإصلاحيين، وعلى الجانب الآخر فإن التيار المحافظ يعاني من بعض الانقسامات لاسيما بين فريقين يرى أولهما ضرورة المواجهة الشاملة والقوية مع الإصلاحيين، وثانيهما يرى أن الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تشهدها إيران فى الوقت الراهن لا تسير لصالح الإصلاحيين وبالتالي فإن ترك الأوضاع على ما هي عليه كفيل بإثبات أن الإصلاحيين أخفقوا في إدارة المؤسسات التي يسيطرون عليها مما يدفع المواطن إلى أن يعيد حساباته ويعود مجدداً للمحافظين، ويرى البعض أن هذا الانقسام يمكن أن يحدث شرخاً عميقاً داخل تيار المحافظين يمكن أن يستثمره الإصلاحيون من أجل توجيه ضربة قوية تقضي على المحافظين أو على الأقل تضعف قوتهم. ـ إيران حققت بعض المكاسب من وراء ذلك الصراع من خلال إبرازها أمام العالم باعتبارها دولة ديمقراطية تتصارع فيها التيارات السياسية في انتخابات ديمقراطية وداخل مؤسسات سياسية، ومن خلال آليات سياسية وليس من خلال العنف السياسي، وكذلك فإن وجود تيار إصلاحي يسعى لإجراء إصلاحات سياسية دفع بعض الدول الغربية إلى البحث عن وسائل لدعم هذا التيار الأمر الذي أحدث شرخاً داخل هذه الدول مما أدى إلى إعادة دمج إيران نسبياً في النظام الدولي، وضعفت حدة العزلة التي كانت تعانيها وأصبحت سياسة العزلة تجاه إيران تواجه مأزقاً لأنها لم تستطع أن تحشد العالم وراء سياستها التي تسعى لعزل إيران وحصارها سياسياً واقتصادياً. ـ إلى جانب ذلك يمكن القول أن العوامل الأخرى التي تؤدي إلى استمرار الصراع وجود إرادة قوية وتصميم لدى القوى الإصلاحية لاستغلال الدورة الثانية والأخيرة من حكم الرئيس خاتمي في تحقيق جزء من مطامحها وأهدافها واعية صعوبة العثور على رمز بقيمة خاتمي يكون بمقدوره الجمع بين اتجاهات متباينة من حيث المرجعية الفكرية والخلفية السياسية والمجتمعية، وعلى الجانب الآخر سيحاول المحافظون الحد من تحركات الإصلاحيين في هذه الفترة في محاولة منهم لأن تمر الأيام حتى تنقضي فترة رئاسة خاتمي دون تحقيق أي من الأهداف أو الوعود الإصلاحية، وفي هذه الحالة تضعف فرصة الإصلاحيين في البقاء في مواقعهم في مقابل صعود فرصة المحافظين. وبناء على ذلك فإنه من المؤكد أن تستمر حالة الشد والجذب بين التيارين كما كان الحال في الولاية الأولى لخاتمي لا سيما وأن الرئيس الإيراني اختار أن يُبقي معدل الصراع على ما هو عليه، وألا يصعد المواجهة مع المحافظين ـ حتى الآن على الأقل ـ في سبيل تسريع عملية الإصلاح، وعلى الجانب الآخر سيظل المحافظون بالمرصاد لحكومة خاتمي حتى وإن لم يتجاوز الخطوط الحمراء في محاولة لإثبات وجودهم. طهران ـ «البيان»: