حول موضوع حوار الحضارات الذي بات يهيمن على اهتمامات المفكرين والسياسيين والاعلاميين في مختلف انحاء العالم، خاصة بعد احداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، ولفهم اكثر دقة ومقاربة لهذا الموضوع التقى «بيان الاربعاء» في دمشق عدداً من المفكرين والمعنيين هم: الشيخ محمد حسين فضل الله المرشد الروحي لحزب الله اللبناني وكارلوس بارونا ناربيون المدير السابق للمركز الثقافي الاسباني بدمشق والدكتور محمد علي اذرشب المستشار الثقافي الايراني في دمشق والدكتور يوسف سلامة استاذ الفلسفة بجامعة دمشق ومحرم طيارة عضو اللجنة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية والدكتور احمد عبدالكريم رئيس لجنة دعم الانتفاضة في دمشق والدكتور نبيل اللو الاستاذ في جامعة دمشق والمفكر الدكتور خلف الجراد وعلي عبدالكريم مدير عام وكالة الانباء السورية. ـ الشيخ فضل الله: انني اتحفظ في هذين العنوانين كتفسير لحركة الصراع في المرحلة الحاضرة امام الزلزال العالمي الذي حصل بعد مسألة التفجيرات في واشنطن ونيويورك وحوار الحضارات هي مسألة تتصل بالمفاهيم لأن كل حضارة لها قاعدة فكرية ولها امتدادات حركية على مستوى القانون والشريعة وما إلى ذلك في كل الجوانب التي تتصل بحياة الإنسان الخاصة والعامة والحريات وما إلى ذلك ونحن نعرف انه لم يحدث حتى الآن حوار حضارات بالمستوى العلمي والجدي الذي يراد من خلاله الوصول إلى نتيجة حاسمة في هذا الجانب من الممكن ان نجد فيما حدث في اكثر من مكان من العالم مؤتمرات مسيحية إسلامية أو مؤتمرات الاديان أو مؤتمرات الاسلام في الغرب ولكنها مؤتمرات محددة قد تخضع لبعض الاوضاع الاساسية بشكل أو بآخر لكنها لم تنطلق بهذا الحجم الكبير وهو حوار الحضارات وان كانت أوجدت نوعاً من المناخ الثقافي الذي بدأت الجامعات ومواقع الفكر تتحدث عنه ولاسيما بعد انطلاق العولمة التي تشمل الجانب الاقتصادي والثقافي والسياسي اما صراع الحضارات فانه يتمثل بأن تكون هناك حضارة متحركة في امتداداتها الحضارية في مقابل حضارة تملك مثل هذا الامتداد أو المقومات ويراد لهذا الجانب او يراد لهما ان يتصارعا بأن تغلب احدهما الاخرى في مواقعها. في الواقع انه ليس هناك واقعية لصراع الحضارات لأن ما هو موجود هو صراع بين الشمال والجنوب، صراع الدول القوية الفاعلة مع الدول الفقيرة نلاحظ ان المسألة ليست مسألة اسلام أو غرب وانما كما طرحها القرآن الكريم هي مسألة مستضعفين ومستكبرين باعتبار ان العقدة هي مسألة الحركة العمالية مع الرأسمالية اي عقدة مستكبر ينطلق من القوة المالية او القوة السلطاوية ومستضعف وما الى ذلك لذلك نجد ان هناك هجمة من قبل الغرب المستكبر ولا اقصد الغرب كله انما الغرب الذي تمثله الدول السبع الكبرى واذا ادخلنا روسيا باعتبار ان لها جانباً أوروبياً مثلاً فيصبحون الدول الثماني ضد العالم الثالث لأن المطلوب هو السيطرة على مصادر الثروات ولا فرق بين مصادر الثروة في المناطق الاسلامية والعربية او المناطق الافريقية فكل الصراع الموجود في افريقيا والذي يتمظهر بمظهر الصراع بين القبائل هو صراع أمريكي اوروبي للسيطرة على الثروات المخزونة في عمق افريقيا والتي لم تخرج إلى العالم بشكل اساسي هذه هي المسألة وهكذا نجد ان الصراع البترولي في الشرق الاوسط هو صراع بين أوروبا وامريكا من جانب واليابان من الناحية الاقتصادية فأمريكا تريد ان تمسك بعمق اوروبا واليابان من ان تتطور اكثر لهذا نقول ان ما هو حادث الان هو صراع المستكبرين مع المستضعفين وما حدث في امريكا لون من ألوان هذا الصراع. والاسلام في خطابه القرآني يدعو إلى الحوار الثقافي في قوله تعالى: «ادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن». وبالنسبة لمشروع حوار الحضارات انني اعتقد ان حوار الحضارات لابد ان يتم بين الشعوب في الجامعات وفي النوادي الفكرية ومراكز الابحاث بين الناس كافة في المستوى الذي يملكه الناس من مفردات الحوار لأن الحكومات تتحرك من خلال مصالحها بعيداً عن أي قاعدة ثقافية حتى القاعدة التي يتركز عليها وجودها الحضاري لان المسألة كما يقولون ليس هناك صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل هناك مصالح دائمة لذلك الحكومات تتحرك في حوار المصالح لا حوار الحضارات، لهذا انا اعتقد ان حوار الحضارات يجب ان ينطلق من المواقع التي مثلت الحضارة قاعدة لها وعمق وامتداد لحركتها ولمفاهيمها ولعلاقاتها وهي ما اشرنا اليه. ـ كارلوس بارونا ناربيون لست مع فكرة صراع الحضارات الى درجة كبيرة خاصة وان «الاندلس» في العصور الوسطى كانت نموذجاً رائعاً للحضارة العربية المتطورة والتعايش بين الديانات السماوية الثلاث من هنا استطيع القول انه يمكن الانطلاق من هذه النقطة من اجل تعايش مستقبلي. وما يقال حالياً عن الدين الإسلامي انه متطرف كلام بعيد جداً عن الحقيقة، فالمسلم كان مع ركب التطور والحضارة ولم يكن متخلفاً او متسلطاً وأهم شيوخ المتصوفة لم يفرضوا شيئاً أو يكونوا ضد أي شيء، حتى انهم لم يقدموا فتاوى تتنافى مع التطور لتسيير الجماهير. واستطيع القول ان رؤية المتصوفة عبر عصورها هي رؤية موحدة تعبر عن وحدة الوجود.. وهذا الوجود من الذات الالهية ولو تعمقنا في فلسفة المتصوفة لوجدنا ان الانسان شيء من هذا الوجود لذلك أرى ان أي متصوف لديه هذه الرؤية لا يمكن ان يكون متطرفاً على الاطلاق. وبالنسبة لي ومن موقعي كمدير للمركز الثقافي الأسباني في دمشق افكر جدياً في اقامة ندوة على الحداثة والتطوير عن طريق الصوفية بعيداً عن صراع الحضارات. بمعنى انه كيف يمكن للمجتمعات العربية أو الاسلامية ان تكون متطورة دون ان تقلد الغرب وفي الوقت نفسه دون ان تكون عدائية أو عنصرية. وتأكيد كلامي حول عدم اقتناعي بظاهرة صراع الحضارات اقول ان التراث الاندلسي شكل الرابطة الحقيقية بين اسبانيا القديمة والعالم العربي. وبشكل عام يمكنك ان ترى حتى هذا اليوم من وسط اسبانيا وحتى جنوبها تشابها في الاشكال والانماط الاجتماعية المتعددة فالتأثيرات العربية لم تتوقف عند الادب والفلسفة بل شملت المجتمع كله. ومع ذلك فقد كنت تجد في فترة من الفترات عدم المعرفة بين الطرفين.. العربي والاسباني.. فالإسبان لم يكونوا على معرفة جيدة بالأدب العربي كذلك العرب بالنسبة إلى الأدب الاسباني الحديث.. لكن خلال السنوات العشر الاخيرة اصبح هناك كم كبير من الترجمة بعد ان قام مستعربون اسبان بنقل ترجمات لأدباء عرب من اقطار عربية متعددة كما ترجمت اعمال الكتاب الاسبان إلى العربية وهذا أمر مشجع للغاية. مشروع ضخم ـ علاقة امريكا بالاسلام وخاصة بعد ضربة 11 سبتمبر اعادت طرح مقولة صراع الحضارات بدلاً من حوار الحضارات؟ ـ ان حوار الحضارات في رأيكم من هي الاطراف الاساسية التي يفترض فيها ان تبدأ مثل هذا الحوار؟ ـ ان حوار الحضارات مشروع ضخم كبير يمكن ان يكون له ـ ان احسنا استثماره مردود ايجابي متعدد الجوانب والنواحي على امتنا الاسلامية فمن جهة يحسس امتنا بموقعها على الساحة العالمية وبالمكانة التي يجب ان تعتليها بين المجموعات البشرية ومن جهة اخرى يرفعها إلى مستوى المسئوليات الكبرى وهي رفعة مطلوبة، بل ضرورية للتخلص من الهموم الصغيرة والمشاكل التافهة التي تبدو متعملقة بسبب غياب الاهداف الكبيرة ونحن نعتقد ان مشروع حوار الحضارات التي تبنته الامم المتحدة بدعوة من الرئيس محمد خاتمي يستطيع ان يبلور الخطاب المطلوب لامتنا في عصرها الراهن ويجعلها قادرة لان تقدم حضارتها في جوانبها العملية والنظرية وان تدخل الساحة معالمية بقوة وريادة وتستثمر فرصة انهيار المشاريع التي لا تقيم وزنا للجانب الروحي والمعنوي من الانسان لكن هذا المشروع يحتاج إلى دراسات مستوعبة من كل العلماء والباحثين كي تتضح معالمه وتتجلى اهدافه وتتواصل مسيرته. والسؤال الذي يطرح نفسه «كيف سندخل سنة حوار الحضارات»، ان ظروف عالمنا المعاصر تبرز بجلاء اكثر الضرورات واريد ان استشهد بقول خاتمي: «ان الهدف من حوار الحضارات هو بلوغ الحرية والامن والعدالة والرقي الروحي، وبالتعبير الدارج الرقي الاخلاقي». اننا نواجه اليوم مسألة العولمة والعولمة تشق طريقها بدون ارادتنا والعولمة تحت شعار توحيد الثقافات تستهدف ازالة التنوع الثقافي والعولمة وان اتخذت ظاهراً اقتصادياً فهي ذات جانب ثقافي اهم بكثير واذا حققت اهدافها في النهاية فسيكون لها ابعاداً مرعبة ولو فرض ما يسمى بالتوحيد الثقافي لم يبق ثمة مجال للحوار ذلك ان شرط الحوار هو قبول التعددية. قبول حق الاختلاف والحرية والتعقل فالحوار يعني الوصول إلى ادراك مشترك عن طريق تبادل المعاني والافكار لذلك فان أي تيار واية مؤسسة ترفض هذه الشروط فانها تعمد إلى سد طريق الحوار لذلك يضع خاتمي الحرية والامن باعتبارهما هدف الحوار وشرطه. وانا مؤمن بأن الخطوة الأولى للحوار يجب ان تنهض بها النخب الفكرية والثقافية وان اول خطوة لابد ان تتجه الى اعطاء مفهوم جديد للانسان يبعده عن المفهوم الذي يرى فيه آلة للانتعاش الاقتصادي وبديهي اننا لا ننظر إلى هذا المشروع على انه مشروع ايراني ونأمل ان يدخل هذه الساحة المهمة كل المفكرين من جميع ارجاء العالم فسنة 2001 هي سنة حوار الحضارات لكنها ليست سنة نهاية هذا الحوار. ـ د. يوسف سلامة: المفكر يوسف سلامة يرى ان الهجمة الاعلامية الغربية على العرب والمسلمين لا ترتبط بنظرية هينتجنتون وانما هي شكل من اشكال الانحياز الذي تبديه المراكز الاعلامية وتفسر بالمصالح الاقتصادية والسياسية اكثر مما تفسر بموقف مفكر. كما يؤكد ان الصهيونية العالمية تقوم بدور كبير لتوجيه الرأي العام العالمي وخاصة الامريكي، ويرى ان الاسلام قد زج في هذه المعركة لأسباب سياسية واقتصادية نافياً ان يكون هناك في واقع الأمر صراع غربي ـ عربي. وحول طبيعة هذه القضايا وتداخلاتها كان الحوار التالي: عنف وعسكرة ـ نتساءل هل صراع الحضارات يرتبط حتما بالعنف وعسكرة القوة؟ ـ مسألة صرع الحضارات تشتق وتستخلص من الفكر الواعي في تاريخ الانسانية فالانسانية بشكل عام لم تتخذ في يوم من الايام الحوار كنظام يسيطر على حركة التفاعل بين الامم وانما كان الصراع دوما هو النقطة الاساسية في هذا التاريخ الذي مر عليه من حيث الكتابة الوف السنين. اذا واقع صراع الحضارات واقع اكيد وقديم وانما يظل الاختلاف في امر واحد وهو اشكال هذا الصراع ودرجاته ومستوياته، وهذه الاشكال تختلف باختلاف الظروف التاريخية اذ لا ينبغي بالضرورة ان يكون هذا الصراع مسلحاً. ـ هل الهجمة الاعلامية الغربية على العرب والمسلمين هي اعادة احياء نظرية هينتجنتون ام ان ذلك يتداخل مع مصالح جديدة رسمتها الادارات السياسية الغربية؟ ـ مسألة الهجمة على العرب والمسلمين ارى انها لا ترتبط بهينتجنتون ونظريته وانما هي شكل من اشكال الانحياز الذي تبديه المراكز الاعلامية الكبرى والتي تستند إلى قرارات سياسية كبرى واساسية في العالم الغربي وخاصة في الولايات المتحدة، فهذه الهجمة الاعلامية على العرب والمسلمين تفسر بالمصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية اكثر مما تفسر بموقف مفكر. ـ وهل يمكن ان نرى تدخل اللوبي اليهودي في العالم الغربي باعتباره مالكاً اعلامياً في الغرب؟ ـ نحن نعلم ان الصهيونية العالمية ورأسمالها تتملك نفوذاً هائلاً في الاجهزة الاعلامية الغربية، وثبت لدينا الان اكثر من ذي قبل ان هذه المصالح تتداخل فيما بينها، وان القرارات السياسية الامريكية تتداخل الان بشكل واضح مع الدور الاعلامي الخطير الذي تؤثر من خلاله المراكز الصهيونية في صناعة القرار وفي توجيه الرأي العام العالمي وخاصة الامريكي وبصفة اقل الرأي العام الأوروبي. ـ نهاية التاريخ عند فوكوياما اخرجت الولايات المتحدة من التاريخ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بمعنى انه اخرجها من الصراعات ولكنها مازالت فيها فهل نستطيع ربط ذلك بصراع الحضارات؟ ـ مفهوم صراع الحضارات يختلف عن مفهوم نهاية التاريخ عند فوكوياما وارى ان لا لقاء بينهما. صحيح ان نظرية فوكوياما في نهاية التاريخ تنتهي بالقول ان الولايات المتحدة والعالم الغربي قد خرج من التاريخ بمعنى انه قد اصبح فوق مفهوم الصراع ولم يعد هناك ضد له لأن الضد قد انهار وهو العالم الشيوعي وبالتالي اصبحت الصراعات واقعة في منطقة خارج التاريخ فلا علاقة للولايات للمتحدة والمنظومة الغربية بها، بل اصبحت هذه الصراعات تنتمي إلى المرحلة السابقة على ما وصلت اليه الولايات المتحدة والمنظومة الغربية وبالتالي اصبحت الصراعات للعالم الثالث الذي تقع فيه الصراعات البدائية واللا انسانية والهمجية «عند فوكوياما». أما نظرية صراع الحضارات فهي تحتفظ بكل ضروب الصراع مستمرة ما دام هناك حضارة انسانية وبالمقابل فنظرية نهاية التاريخ تتخيل ان هناك فئة من البشر قد خرجت من التاريخ في حين ان اولئك الذين ظلوا في التاريخ هم من سيعيشون تلك الصراعات، وبالتالي فالنظريتان فيهما من الخلاف الكثير وكلتاهما لا تقدم الحقيقة ولا تستطيع ان تفي بالمتطلبات الاساسية لتفسير التاريخ وتقديم نظرية راسخة في فلسفة التاريخ. ـ ولكن ضمن هذا الصراع ما هي الرؤية العامة التي يمكن ان نطلقها عما يجري بعيداً عن نهاية التاريخ وصراع حضاراته؟ ـ اعتقد ان ما يواجه التاريخ بصورة عامة هو التماس درجة اعلى من الحرية وتوسع لآفاق العدالة بصورة افضل وان كانت مستدرجة وبطيئة، وعلى ذلك فأرى ان الوعي بالحرية وتزايد هذا الوعي كما وكيفاً وعامودياً وافقياً هو ما يجب ان يوجه التاريخ. واذا كنا نقول ان التاريخ فيه صراع فهذا الصراع يستهدف تحقيق مزيد من الحرية، وحتى اذا قلنا ان التاريخ يجب ان يوجهه الحوار فنستهدف ايضاً تحقيق المزيد من الوعي بالحرية التي تترجم عن نفسها في حياة ديمقراطية سياسية برلمانية حقيقية. وغير ذلك سيكون التاريخ مسرحاً للهمجية والعدوانية كما هو عليه عندما يطلق كل طرف من اطراف الانسانية الفاعلة العنان لمصالحه ولرغباته بحيث يمكن ان يفكر في افقار تسعين بالمئة من البشرية والاكتفاء بأن تحيا عشرة بالمئة على حساب الاكثر ثم يعود ويشكو من الإرهاب؟! ـ ثنائية الغرب والشرق والصراع بينهما رغم عدم دقة المصطلح كحد أدنى جغرافياً، ولكن هل اصبح شكل الصراع الآن ينطلق من مفهوم ديني طرفه الاول الغرب بطبيعته غير الجغرافية والثاني العرب والمسلمون وهل الظروف الحالية تنذر بهذا التحول؟ ـ لو سلمنا ان هناك صراع شرق وغرب وهذا ينتهي الى نوع من الحروب الصليبية خاصة اذا اقتصرناه على العرب والمسلمين «كشرق» وانا لست ممن يؤمن بذلك لان الاسلام قد زج في هذه المعركة لأسباب سياسية استثمرتها بعض الجهات وخاصة الدوائر الصهيونية الكبيرة في الاعلام الامريكي، وهذا حرف للصراع ان كان هناك صراع. ـ ولكن عملياً ورغم كل التصريحات الرسمية فالصراع موجود وبشكله الحالي وقد فرضته الولايات المتحدة وسخر الإعلام الغربي نفسه لخدمته رغم كل التصريحات الرسمية الخجولة التي تبعد العرب والمسلمين عنه؟ ـ التحالف الدولي ضد الإرهاب يضم في حقيقة الأمر دولاً اسلامية اكثر مما يضم دولاً غربية وعلى ذلك اعتقد ان هناك عدواً وهمياً لا يعرفون ماهيته او يريدون ان يتجاهلوا طبيعته فأطلقوا عليه اسم الإرهاب اولاً ثم وجدوا ان الإرهاب كلمة عامة لا تفسر شيئاً فربطوه بالإرهاب الإسلامي ثم ربطوه بالإرهاب العربي. ـ مع اختلاف شكل الصراع العربي ـ الصهيوني عن شكل الصراع العالمي الحالي ولكن يحلو للبعض الربط بينهما في محاولة لتغيير دفة صراعنا كعرب مع الصهيونية فهل ترى ان ذلك مرتهن بمعطيات خفية يريدها الغرب لحل الصراع العربي ـ الصهيوني؟ ـ حقيقة هناك اختلاف كبير بين الحالتين، أولاً لا يوجد صراع عربي ـ غربي ولا يوجد صراع مسيحي اسلامي بل هناك علاقات دولية يمكن ان ينظر فيها بالكثير من العناية وتتم دراسة المصالح المتبادلة التي يمكن ان تحكمها القوانين الدولية وبالنسبة لنا كشعوب عربية لا توجد مشكلة بيننا وبين الشعب الامريكي، اما المصالح السياسية التي تصاغ في كثير من الاحيان صياغات غير صحيحة وصياغات ظالمة فهذه قرارات حكومية للقوى التي تحكم مجتمعاً بعينه. أما موضوع الصهيونية فهو موضوع مختلف وبكل بساطة يمكن ان نصوره بأنه مجموعة من البشر اتت وسلخت ارضاً وشردت شعباً بأكمله وبالمقابل ما يفسد العلاقات بيننا وبين الولايات المتحدة هو هذا الدعم غير القانوني وغير المشروط الذي يقدم لهذا المشروع الصهيوني بصرف النظر عما اذا كان يمكن لإسرائيل ان تكون حاملة طائرات متقدمة للولايات المتحدة ام لا، ومع ذلك فمن الممكن ان يكون للولايات المتحدة مصالح مع إسرائيل وبالوقت ذاته ايجاد حلول ضمن الشرعية الدولية بحيث لا تبدو الولايات المتحدة بأنها تضع إسرائيل فوق القانون. حتى وان كان سلوك إسرائيل يبدو احياناً متناقضاً للمصالح الامريكية ولا يخدمها وهذا ما يجعل اكثر اصدقاء امريكا في المنطقة يشعرون بالحرج من السلوك الأمريكي. حرب عالمية ثالثة ـ ما تقوم به الولايات المتحدة من حشد لقوات كبيرة يشعرنا ان واشنطن ستقوم بحرب عالمية ثالثة، ولكن هذه الحرب ـ واقعياً ـ ليست هي حرب العولمة الاقتصادية بوسائل عسكرية؟ ـ فكرة تحويل العالم إلى عالم واحد هي فكرة وهمية والغاء الفروق والماهيات المتعددة والهويات والثقافات وحلول ثقافة واحدة مهيمنة على العالم أمر يسمح بالتفكير بعولمة العسكرة وتحويلها إلى نوع من العولمة العسكرية ولكن التصور المبدأي يشعر بأن العولمة العسكرية من المفروض ان تكون اداة للعولمة الاقتصادية وبالتالي فان الولايات المتحدة عندما تنشر اساطيلها على امتداد العالم بأكمله انما هي لمنفعة اقتصادية ومكانة استراتيجية وسياسية. إذن المسألة ليست عولمة عسكرية بل هي نشاط اقتصادي لا يمكن حمايته الا بالقوة العسكرية التي تعتبر اداة لتحقيق ما تراه القوة السياسية. واستطيع ان اخلص الى القول لا توجد عولمة عسكرية وانما قرارات سياسية واقتصادية يقوم الجيش بحمايتها. ـ ضمن كل الظروف الحالية كيف يرى الدكتور يوسف سلامة المستقبل؟ ـ اعتقد ان الضربة الاخيرة في واشنطن ونيويورك هي اعتداء يجب ان يعاقب من قام به بصرف النظرعمن نفذه ولكن في الجانب الاخر اعتقد ان الولايات المتحدة تستطيع ان تنفذ مباديء الشرعية الدولية في كثير من انحاء العالم لاسيما في فلسطين، واتمنى ـ وانا متشكك كثيراً ـ بأن يكون تصريح الرئيس الأمريكي بأن الإدارة الأمريكية من بين تصوراتها اقامة دولة فلسطينية اتمنى ان يكون ذلك حقيقة وليس مناورة. واتمنى الا يخدع الامريكيون العرب بوهم مدريد ثانية. ـ يرى الكثير من الخبراء والمحللين ان الهجوم الامريكي ـ البريطاني على افغانستان قد اعاد طرح مقولة صراع الحضارات بدلاً من حوار الحضارات. كيف تنظرون إلى هذا التغيير؟ ـ محرم طيارة: يبدو لي. للوهلة الأولى، ان هؤلاء الخبراء والمحللين من منظورهم ومواقعهم قد يكونون على حق فيما يذهبون اليه، وهم ما توصلوا إلى هذه القناعات لولا الكم الهائل من المعلومات والتصريحات والممارسات التي تقوم بها الإدارتان الامريكية والبريطانية في هذا المجال. كما ان المتابع لما يطرح في وسائل الاعلام المختلفة في هاتين الدولتين بخاصة وفي الاعلام الغربي بعامة يصدم بمدى التطرف والتعصب والحقد الذي وصلوا اليه. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، نقرأ هذه الايام عن استطلاعات للرأي اجرتها وتجريها كل اسبوع مجلات وصحف امريكية وبريطانية مشهورة مثل «النيوزويك والواشنطن بوست» الامريكيتين «والديلي تلجراف» البريطانية في موضوع البحث عن تطوير مصدر جديدة للطاقة بحيث يستغنى فيه العالم عن امدادات نفط الشرق الاوسط بهدف حرمان العرب من المصدر الاساسي لثرواتهم وبالتالي افقارهم والتخلص من ازعاجاتهم. اللافت ان هذه الاستطلاعات للرأي تشمل عادة شرائح مختلفة من الرأي العام المحلي وان تجارب هؤلاء ونسب تأييدهم تزداد طرداً مع اشتداد اوار الهجوم الامريكي ـ البريطاني على افغانستان اسبوعاً بعد اسبوع. ففي عدد الاثنين 12 نوفمبر الثاني من مجلة «نيوزويك» مثلاً نقرأ ان ما يقارب الثلاثة ارباع «73%» من المشاركين ايدوا الفكرة بينما لم يتجاوز عدد المؤيدين الثلثين بكثير «64%» في الاسبوع الذي سبقه. وفي صحيفة الـ «ديلي تلجراف» البريطانية قرأنا شيئاً مماثلاً في استطلاعات الرأي وصل إلى حد المطالبة الوقحة برد العرب إلى صحرائهم وجمالهم ونخيلهم أو تمرهم. اجابة هاليداي ـ كيف تنظر إلى مقولة صراع أوصدام الحضارات؟ ـ بداية من المعلوم، ان طرح «صدام الحضارات» أو «حوار الحضارات» قد اثار في الآونة الاخيرة جدلاً كثيراً ومقالات لا حصر لها لدرجة ان لم يعد هنالك ما يقال حوله خصوصاً بعد ان أعلنت إدارة كلينتون السابقة عن عدم تبنيها له، وعدم اعتباره موضوعاً جديراً بأن يؤخذ في الاعتبار. لكن الموضوع من ذلك عاد إلى الواجهة مرة أخرى وبقوة ما يدعونا إلى التساؤل عن خلفية هذه العودة. لعل ابرز المحللين الذي يجيبنا على هذا التساؤل هو فريد هاليداي في كتابه المعنون «خرافة صدام الحضارات» وأهمية اجابة هاليداي تأتي من تصنيفه لدوافعها وتفنيده لعناصر لا منطقيتها، هذا دون ان ننسى اسهامات عديدة طرحت تحت شعار «حوار الحضارات» لا «صدام الحضارات»! نعم ان فرضية الصدام هذه لتبرز من جديد وعلى ألسنة شخصيات سياسية كبيرة ذات موقع ونفوذ مثل الرئيس بوش وبرلسكوني ومارجريت تاتشر وغيرهم رغم تهرب وتراجع الاخرين من التصريح العلني بها. فقد تراجع بوش عن مصطلحات «الحروب الصليبية» و«العدالة المطلقة» مراعاة لمشاعر العرب والمسلمين. واذا كان المجال لا يفسح لنا الآن لما يؤكده التحليل النفسي من ان الهفوة هي الاصدق والالصق بحقيقة المشاعر وبمكبوتات العقل الباطن وان فرويد كان يعتبر ان زلة اللسان هي الاصدق وباقي التعميمات اللاحقة هي مجرد تجميلات تدخل بمساهمة الدفاعات النفسية، فان الاستقراء المنطقي يوصلنا إلى اصرار عنيد وواضح من جانب الصقور في الادارة الامريكية على اعادة اثارة صدام الحضارات في صيغة خبيثة جديدة تنطلي على شعوبهم وعلى شعوب العالم وعلى الرأي العام المحلي والرأي العام العالمي. إذن واستناداً إلى ما سبق وقدمت اليه، اجدني في الوهلة الثانية المتأنية لا اتفق مع استنتاجات الخبراء في متن السؤال بأن الهجوم الامريكي الحالي على افغانستان يشكل صراع حضارات، فهو في رأيي يشكل صراع مصالح حيوية قد تم تغليفه من قبل وسائل الاعلام الغربية بأنه صراع حضارات. ويجب في هذا الاطار الا يغرب عن البال بأن اهم صراعات القرن العشرين والمتمثلة في الحربين العالميتين الأولى والثانية تمت بين دول تنتمي إلى حضارة واحدة وهي الحضارة المسيحية. وفي رأيي وبغض النظر عن المسئولين عن الاعمال الإرهابية التي تعرضت لها كل من نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر الفائت، فان الهدف الحالي للحملة الامريكية على افغانستان والممكن ان تمتد إلى عدد من الدول العربية والإسلامية وبعض المنظمات العربية والإسلامية، ذات هدف اقتصادي وسياسي، وهو قيام امريكا باعادة ترتيب اوضاع المنطقة العربية والإسلامية بشكل يخدم مصالحها ويعزز سيطرتها على النفط ودول آسيا الوسطى الغنية بالنفط والغاز. كما ان من أهداف هذه الحملة دعم إسرائيل. وفي هذا المجال يجب التأكيد بأن الكثير من الصراعات عبر التاريخ تم تغليفها بشعارات حضارية «كدعم الديمقراطية ومحاربة الديكتاتورية.. الخ» استعملت كما اسلفت لتأمين تعبئة الرأي العام في الدول المتحاربة وراء أهداف حكوماتها والتي كانت ذات صبغة سياسية واقتصادية وليست حرباً حضارية. ومن الممكن ان نضيف بأن الكاتب العربي الفلسطيني المعروف ادوارد سعيد ذكر في كتابه «الاستشراق» والذي صدر عام 1973 بأن مهمة الاستشراق الغربي في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين كان ايجاد المبررات الثقافية لغزو ونهب خيرات بلدان العالم الثالث، وان هذه المبررات التي أكد عليها المستشرقون من ان شعوب العالم الثالث بعامة والشعوب الإسلامية بخاصة هي شعوب بربرية، لذلك جاء هذا الوصف لسحب صفة الانسانية وتبرير المذابح التي تعرضت لها، علماً بأن أهداف الغزو الامبريالي كانت في الاساس اقتصادية وثقافية. وان الحوار الثقافي قد دعا إليه فعلاً الرئيس بشار الأسد، كما دعا إليه أيضاً الرئيس الايراني محمد خاتمي، ومن أهم أهداف هذا الحوار تجسير اية خلافات ثقافية بين الشعوب. وتاليا المساهمة في تحقيق الامن والسلم العالميين. ولكن حوار الثقافات على الرغم من ضرورته ومن أهميته لا يكفي اذا بقيت الدول الكبرى تمارس سياسات استعمارية توسعية على حساب شعوب العالم الثالث، وتستمر في محاولاتها تجاهل الشرعية الدولية وأيضاً تطبيق سياسات الكيل بمعيارين كما هو الحال حالياً بالنسبة لسياسات الغرب بعامة ولسياسة أمريكا بخاصة تجاه الصراع العربي الصهيوني. والرئيس بشار الأسد ينطلق في هذه المقولة، مقولة الحوار الثقافي من الثوابت والمباديء السورية التي درج عليها الرئيس الراحل حافظ الأسد ومن سوريا الحضارة والتاريخ. هو ينطلق من معادلة واضحة المعالم هي معادلة الثابت والمنحول في الثابت سوريا لا تحايد ولا تحيد ولا تنفع معها كل محاولات الضغط والتهديد في المتحول سوريا تتقن التحرك في هامش المرونة والتكتيك. هكذا صمدت وتصمد سوريا.. هكذا تجاوزت سوريا أزمات ومطبات عديدة صعبة كالتي جاءت بها المتغيرات الدولية المتسارعة التي عصفت بكثير من الدول والأنظمة.. هكذا ظلت سوريا تمارس دور الدولة التي يحسب لها.. دور اللاعب الرئيسي في المنطقة تفرض احترامها على العدو قبل الصديق.. الدولة الرصينة التي لا يستطيعون ان يتعاملوا معها كأساتذة وتلاميذ كما فعلوا ويفعلون مع الغير.. دولة لا يقدمون لها لوائح أو ملحقات لوائح أو كشوفات عن حسابات في المصارف وما شاكل. في هذه المناسبة تحضرني مواقف لبنان الشقيق رئاسة وبرلماناً وحكومة وشعباً في مواقفه المشرفة الاجماعية ضد محاولات الضغط والابتزاز الغربية: نعود لنسجل ان الرئيس بشار الأسد كان صريحاً كل الصراحة خلال مباحثاته مع من زاره حديثاً من الوزراء الأوروبيين وكان واضحاً كل الوضوح في المؤتمرات الصحفية وغير الصحفية التي حضرها أو عقدها، وبخاصة مع الوزير البريطاني بلير: نحن نميز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال.. نحن ضد الإرهاب.. كافحناه ونكافحه ودول كثيرة تقتدي بسوريا في هذا المجال. وان الحكومات ومنظمات المجتمع الأهلي والنخب الفكرية والثقافية والروحية هي التي ستبدأ بحوار الحضارات، فمثلاً في الحوار الذي تم في اجتماع دوربان حول التمييز الفكري وحول تاريخ الاستعمار الغربي وحول قضايا العولمة مارست الجمعيات، غير الحكومية، الاهلية والتي شملت نخباً ثقافية ودينية وعرفية مختلفة مارست دوراً أكبر من دور الحكومات التي حضرت هذا الاجتماع كما يجب ان لا يغيب عن البال دور المنظمات غير الحكومية في افشال اجتماع منظمة التجارة العالمية في سياتل وفي جنوة، كما اننا يجب ان نضيف هنا اجتماع منظمة بلدان العالم الثالث والمعروفة بالـ 77 والدور الذي مارسته في اجتماعها في هافانا في عام الـ 99 حيث أبرزت بشكل بارز كيف ان العولمة ساهمت في تهميش غالبية دول العالم الثالث. ونصل إلى خلاصة مفادها اننا لابد ان نكون جاهزين ثقافياً وعقلياً واجتماعياً لنكون في المقدمة المرجوة. ـ د. احمد عبدالكريم: مهما عظم الإرهاب لا يصل الحدود التي تستلزم شن حرب عالمية كونية مع بداية القرن الواحد والعشرين وخاصة ان الكثيرين من المحللين ورجال السياسة اطلقوا عليها حرباً عالمية ثالثة ثم بنفس الوقت من اعلن عن حجمها واعتبر ان الإرهاب فقط محصور بمحور يمر أساساً من العالم العربي الإسلامي فأبعدها عن الحرب الكونية وحصرها ثم اضاف اليها تحجيماً اكثر فأراد ان يحصرها بعدد من الدول التي اشارت اليها وسائل الإعلام وامريكا والقوى الصهيونية العنصرية وعلى رأسها إسرائيل بالذات معادية للمشروع الصهيوني منذ البداية خطأ أو صواباً. والبعض الاخر قال انها حرب صليبية جديدة، وإن نحن نعتقد ان الحروب الصليبية مضى ايامها وإن كان اصحاب نظرية صراع الحضارات كـ فوكوياما وهنتجنتون» يصرون بشكل خاص على تسمية العالم الإسلامي بصراحة عندما يطرحون فكرة حوار حضارات لكن في البداية عندما طرحت في التسعينيات سخر منها الكثير من مفكري العالم ورجال الفكر في العالم العربي والإسلامي. على الرغم من الحملات التي شنت في اوائل التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والتي كانت تضع العالم الإسلامي والعربي في مقدمة القوى المجابهة للحضارة الغربية وكأنهم يريدون ان يعتبروا هذه المنطقة او هذا العالم في الطليعة من عالم الجنوب ما كان يطلق عليه العالم الثالث وهذا يناقض كل التفكير الذي نشأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتبلور في الخمسينيات في محور العالم الالغواسيوي وامريكا اللاتينية وقسم من أوربا الشرقية حيث طرحوا فكرة التعاون والتكامل بين بلدان الحضارات القديمة التي كانت خاضعة للاستعمار والدول الصناعية المتطورة التي شاء تطور الزمن ان تكون محصورة في الغرب كوريثة لبقية الحضارات القديمة وارادوا ان يتم تعاون وتماهي بين الثقافات والحضارات ولم يطرحوا اطلاقاً أي فكرة حول المجابهة بين هذا العالم والعالم الصناعي المتطور بكل روح وعقل مفتوح ارادوا ان يستفيدوا من كل منجزات الحضارة الغربية وان يقدموا كل ما لديهم من بقايا حضارتهم التليدة للإنسان الذي لا يشعر بالسعادة في اطار المجتمع الصناعي. وما من حضارة نشأت في تاريخ البشرية الا وقد استفادت من كل ما انجزته الحضارات التي سبقتها ونستطيع القول ان الحضارة الإسلامية العربية التي نشأت بين القرنين السابع والرابع عشر نقلت خلاصة الحضارات العالمية القديمة وتأثرت بالحضارة اليونانية ونقلت وترجمت عنها الكثير من المؤلفات منذ ذلك الوقت وحتى الان لم يكن لهم أي موقف معادي وجميعهم يرفضون نهاية التاريخ وان الصراع اليوم ليس صراعاً بالمعنى المتعارف عليه لأن الحضارة هي تلك التي تحمل المنجزات العلمية والفكرية والإنسانية وهي بحد ذاتها تستنكر رفض الحروب، لذلك الحرب التي نشأت حتى ولو كانت ذريعتها رداً على عملية إرهابية وقعت بـ 11 سبتمبر الفائت ضد الولايات المتحدة الأمريكية في واشنطن ونيويورك لكن هذه الحفنة اذا كانت بالفعل أساسها عدد من المسلمين كـ «ابن لادن» وغيره هم المسئولون عن كل القضايا الإسلامية العربية منذ قرنين حتى الآن. ولا شك بأن القوى اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة التي تمثل اللوبي العسكري والصناعي والصهيوني من مصلحته ان تكرس في العالم شيئاً اسمه صراع حروب لكي: 1 ـ تروج وتسوق اسلحتها. 2 ـ تجدد صناعاتها. وهذه الحروب اذا ما اصرت عليها الإدارة الأمريكية واصرت على اقامة الجدار الصاروخي ففي السنين المقبلة ستكون هناك عودة لسباق التسلح في العالم وستكون هناك ضرورة لبيع الأسلحة التقليدية القديمة وهذا سيغذي حروباً محلية اسوأ من التي عاشها العالم في فترة الحرب الباردة واعتقد ان الحروب بعد زوال الاتحاد السوفييتي اخطر من الحروب المحلية التي نشأت لأن الدول الكبرى منخرطة فيها ولا ندري ما سيترتب عليها هل ستنحصر بتراب افغانستان أم سوف تتسع دائرة الحرب ام ستأخذ الإدارة الأمريكية بنصيحة بالحلفاء الاصدقاء ولا تدخل في مجال لا نهاية له. ـ حرب ضد الظلاميين د. نبيل اللو: حرب افغانستان ليست حرب صراع حضارات، فليس في افغانستان حضارة أصلاً لتُحَارِب أو تُحَارَب. هي حرب ضد الظلاميين لو قيض لابناء افغانستان القوة والوسيلة لازاحوا بأنفسهم هذا الكابوس عن كاهلهم فاستراحوا واراحوا. أما صراع الحضارات بالمفهوم المطلق فلن يكون يوماً بديلاً لمفهوم حوار الحضارات. الحضارة مفهوم «نبيل» خير فكيف تحمل الحضارة كمفهوم انساني في طياتها بذور الشر؟ نحن لا نرى اذن تغييرا في المواقف من الحوار إلى الصراع وفي مادة الحضارة تحديداً. هي ظروف دولية طارئة قاهرة، كما ارجوها ويرجوها ان تكون كذلك المستنيرون المثقفون املت على الامريكان والبريطانيين والتحالف المحشود كله سواء من حمل السلاح وارسل الرجال والعتاد أو من وقف وقفة المؤيد، وهم كثر وفيهم عرب ومسلمون ربما اكثر ما فيهم من مسيحيين، ادانوا جميعهم الإرهاب وازهاق ارواح الابرياء والاعتداء على ممتلكاتهم. والتحالف الدولي ضد الإرهاب اليوم متعدد الجنسيات والاعراق والاديان من مشارب وحضارات مختلفة. فكيف لنا ان نرى الأمر على انه صراع حضارات والتحالف يجمع بين صفوفه على الأقل من يقول الاخرون عنهم انهم يتصارعون، واقصد هنا من يريد ان يختزل الصراع الدائر إلى صراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية. وان مصطلح «الحرب الصليبية» أو «الحروب الصليبية» بغيض إلى النفوس خصوصاً عند ابناء منطقتنا لتضمينه السياسي التاريخي الديني. حرب افغانستان ليست حرباً دينية وبالتالي هي ليست حرباً على الإسلام ولو ان البعض يحاول ان يصورها كذلك إما لجهل او لتجهيل، وان استخدم الرئيس بوش في عجالة من امره هذا المصطلح الا انه سرعان ما عدل عنه، ولعل ذلك كان بهمس من مستشاريه الذين اوضحوا له ربما فداحة مضمون المصطلح تاريخياً ودينياً وسياسياً عند المسلمين عموماً والعرب خصوصاً وأهل المشرق تحديداً. المصطلح مرفوع اذن وكذلك تضمينه. ولا احسب ان احداً ليغامر أو ليجاهر بذلك صراحة والا فسينفرط عقد التحالف وتكر حباته في الاتجاهات كلها، وان لم يكن ذلك بفعل من لايرضى من القادة المتحالفين عن المصطلح ومضمونه، فسيكون ذلك بفعل الشارع الغاضب الذي قد يقلب الموازين رأساً على عقب ويحدث بلبلة وفوضى من حيث لا يحتسب مالكو زمام الأمور. اما ان توجه التهم جزافاً إلى الإسلام كدين وإلى المسلمين والعرب فهذا تجن يجافي المنطق. أهل الشرق تاريخياً لم يأخذوا مسيحيي البلاد بجريرة افعال الصليبيين. والويلات التي عانينا منها ونعاني لم تحملنا يوماً على صب اللعنات على الدين المسيحي والكيد له ومناصبته العداء و لو ان الذين يؤذوننا من المسيحيين في أمريكا والغرب. بل اننا لم نصف الدين اليهودي بالإرهاب رغم تفنن الدولة الإسرائيلية بالإرهاب، وقصرنا المصطلح «إرهاب» على الدولة الإسرائيلية، الإسلام دين حنيف، والمسيحية دين المحبة، واليهودية دين الوصايا. في المسلمين إرهابيون، وفي المسيحيين إرهابيون، وفي اليهودية إرهابيون. هم اشخاص ارهابيون لم يستمدوا احقادهم من الدين، فالدين منهم براء، وهم لا يمثلون سوى انفسهم وحدها، لا يمثلون الدين ولا حتى الجنسية التي ينتمون اليها فأبناء جلدتهم براء منهم ومن فعالهم ولا يجوز أن يؤخذوا بجريرتهم. و«عولمة القوة» مصطلح قديم حديث. الأمم كلها تاريخياً التي كان لها سلطان الجند والبأس والقوة توسعت في البلاد تبسط سلطانها وهيمنتها. القوة تغري بالتوسع. من هذه الزاوية يمكن ان نقول ان روما القديمة انتهجت عولمة القوة، وقل الأمر نفسه في ديوان كسرى، والأمر ينسحب على اقوام كثيرة في الارض اشتد بأسها في مرحلة من المراحل فأغرقها بالقوة ببسط السلطان والهيمنة فأصابت نجاحاً حيناً وانكساراً حيناً آخر، ثم دالت وزالت كما تدول الأمم وتزول ويزول معها بأسها وسلطانها. روما الأمس امريكا اليوم هي روما الامس. عولمة قوتها في افغانستان تحديداً ليست عولمة بالمعنى الذي يكثر الحديث عنه وكثر منذ اعوام. حربها في افغانستان مزيج من رد الاعتبار ودرء الخطر وحفظ ماء الوجه والانتقام والتشفي واستعراض القوة. هي حرب فيها هذا الخليط كله. اما انها تسعى لتكريس عولمة القوة الامريكية، فهذا من نافلة القول، في منظور ما اسلفنا، فهي امة اجتمعت لها أسباب القوة كلها فأغواها السلطان واعماها وزين لها الأمور على النحو الذي تسيرها فيه. أما بالنسبة لمقولة الحوار الثقافي عند الرئيس بشار الأسد ليست وليدة الظروف الراهنة. فالمتتبع لخطاب الرئيس السياسي يجد ان اشاراته كلها ثقافية وان امثلته التي يسوقها كلها مستمدة من الثقافة. وما تأكيده الدائم على أهمية الدور الأوروبي في المنطقة الا من باب القرب الثقافي والمعرفة، وما قائمة سوء الفهم مع أهل ما وراء المحيط، وهي قائمة طويلة، الا بسبب غياب الفهم الثقافي الذي يشوش المفاهيم ويغشي البصر. في المؤتمر الصحافي الذي عقده سيادته مع ضيفه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عرج الرئيس بشار بالأسد في اشارة خاطفة تاريخية قديمة إلى الاشوريين الذين وصفهم بالمحاربين الاشداء. هي اشارة ثقافية نسوقها مثلا هنا في عجالة للتدليل على ما ذهبنا اليه. والحوار الثقافي بين الدول والشعوب هو حتماً بديل عن وسائل العنف والقوة، فليس هناك من وجه مقارنة أو مقاربة بين حوار السلاح وحوار العقول. هو مشروع طويل الأمد، مشروع حضاري، فالحوار بحد ذاته حضارة ورقي لا يحسنه الا اهله ممن يتمتعون برحابة الصدر وسعة الافق والحلم والكياسة والدماثة والحكمة ورجاحة العقل. يا له من برنامج عسير شاق مشروع الحوار هذا. هي مسئولية اذن وليست سفسطة رواقيين أو مجرد ثرثرة او متعة مجادل. نتحاور لنتعارف ونتفاهم. هذا هو المشروع البديل عن العنف، والشطط في استخدام القوة، والقهر، والظلم. مقاييس التقدم والتخلف كثيرة وتطبيقها كلها دونما تعريف أو تبصر ربما اعطانا نتائج اقل ما يمكن ان يقال فيها انها متضاربة. فالأمة التي ينطبق عليها مقياس تقدم من منظور، قد ينطبق بامتياز كقياس تخلف من منظور آخر. فإن كان التقدم يؤخذ من منظور تكنولوجي فهناك أمم منتجة للتكنولوجيا تستحق اللقب بامتياز واخرى تستحقه لأنها تمتلكه بالمال، ولعل الأمة المتقدمة من منظور تكنولوجي يصدق فيها القول وبحق بأنها متخلفة من منظور انساني لأنها تنتهك حقوق الإنسان بل وحتى حياته وممتلكاته. فماذا نقول في هذه الدول؟ أهي دول متقدمة متخلفة، مدنية متوحشة، ديمقراطية مستبدة؟ نحن لا نملك التكنولوجيا لكننا لا نزرع الشوك.. ان مشروع حوار الحضارات مسئولية الجميع. ابتداء بالفرد وانتهاء بالحكومات والقيمين عليها. هي سلسلة قطارات متوازية تنطلق جميعها من المحطة لتصل وجهتها. الا ان الحوار ليس وقفاً على رغبة طرف، هي رغبة مشتركة صادقة بين طرفين والا فلن يكون الحوار حواراً. ولن يكون للعرب دور ما لم يتصالحوا مع ذواتهم اولا ليعرفوا ان من يسند اليهم الأدوار لا يرتضي لهم سوى أدوار الكومبارس من الدرجة الثالثة بل وحتى الرابعة.. العرب أمة واحدة مصيرها واحد، قوتهم في اتحاد مواقفهم ان لم نقل اتحادهم. صحيح ان الأمور تسير في هذا الاتجاه اليوم الا ان سيرها سلحفائي. ـ كيف للأديان ان تتصارع ومنزلها إله أحد؟ الدين في الجوهر واحد لأن خالقه واحد، فأين يكمن الخلاف الذي يبرر ان تتصارع اديان جوهرها واحد ومبدعها فرد صمد؟ ـ اليهودية هي التي لا تعترف لا بدين المسيح، ولا بدين محمد، وليس نحن لان ايماننا قائم في الاصل على التسليم برسالة محمد عليه الصلاة والسلام الذي جاء يكمل الرسالات مصدقاً من جاء قبله من الرسل. اعترافنا بمن سبق من المرسلين ورسالاتهم صريح واضح، فكيف لنا ان ننقض أسس ايماننا بدعوى صراع الأديان. «صراع الاديان» ابتدعه من لا يعترف بأديان الاخرين. إسرائيل هي المروج الأول والأخير لمثل هذه المفاهيم. على الموقف العربي بشقيه الشعبي والرسمي والإعلامي ان يظهر، ليس للعرب فهم يعرفون. وانما للأوساط الغربية ان رسالة الإسلام هي رسالة سمحاء، وان العرب حملة حضارة، وان الإسلام دين مصدق لما بين يديه من الرسالات السماوية، وهذا ركن من أركان ايمان المسلمين. د. خلف الجراد: نذكر بداية ان هنتجنتون يعمل استاذا للعلوم السياسية ومديراً «لمعهد جون اولن للدراسات الاستراتيجية» في جامعة هارفارد وقد طرح نظريته اول الأمر على شكل مقالة بعنوان «صدام الحضارات» في مجلة «الشئون الخارجية» في صيف عام 1993 وقد اثارت ولا تزال جدلاً قوياً اكثر من أي مقالة نشرتها المجلة منذ الاربعينيات كما صرح رئيس تحريرها فقد جاءت الردود والتعليقات من قارات العالم كله ومن عشرات الدول ومئات الكتاب والمفكرين والباحثين الذين تنوعت مشاعرهم وانطباعاتهم بسبب الفضول والغضب والخوف والرفض القاطع للاطروحة التي انطلق منها المؤلف نظراً لموقعه الاكاديمي من جهة وصلته المباشرة بصانعي القرار في الولايات المتحدة الامريكية من جهة اخرى الأمر الذي جعل الاغلبية العظمى ممن ناقشوا الاطروحة يستشعرون خطورة السياسات المستقبلية والأهداف الاستراتيجية المرسومة لما ستؤول اليه الاوضاع الكونية والعلاقات المتوقعة بين الجماعات والثقافات والأمم والحضارات المختلفة كما تشير من جهة ثانية إلى ان هنتجنتون اضطر بعد ذلك بثلاث سنوات إلى اصدار كتاب موسع لمناقشة المسألة بصورة مستفيضة وموسعة تحت عنوان «صدام الحضارات واعادة صياغة النظام العالمي». التصنيف يمكن تلخيص اطروحة هنتجنتون في اطار الفرضيتين التاليتين. 1 ـ ان المصدر الرئيسي للصراعات في عالم ما بعد الحرب الباردة لن يكون ـ كالسابق ـ ايديولوجيا او اقتصاديا وانما سيكون ثقافياً وحضارياً صحيح ان الدولة القومية ستستمر في لعب دور أساسي في الشئون الاقليمية أو العالمية الا ان الصراعات المهمة في السياسة الدولية ستكون بين الدول والجماعات والشعوب التي تنتمي إلى حضارات مختلفة وستشتعل الصدامات الحضارية على المسرح العالمي وستكون ساحتها الاساسية خطوط التماس بين هذه الحضارات. 2 ـ تبعا لذلك لا يوجد على قيد الحياة في عالمنا المعاصر سوى ست حضارات او على الاكثر ثماني حضارات وهي: الحضارة الغربية والكونفوشية واليابانية والاسلامية والهندية والسلافية الارثوذكسية والامريكية اللاتينية وربما الحضارة الافريقية ومن بين هذه الحضارات تبقى حضارتان لا يمكن ان تندمجا أو تتعايشا مع حضارة الغرب وهما الحضارة الاسلامية والحضارة الصينية. وتعليقاً على هذه الفرضية يقول الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه «قضايا في الفكر المعاصر» الصادر عن «مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت 1997ص 103»: ان ما يلفت الانتباه في تصنيف هنتجنتون للحضارات هو عدم التزام مقياس واحد في التصنيف فالحضارة «الغربية» نسبة إلى الغرب وهو جهة جغرافية والحضارة الكونفوشية نسبة إلى كونفوشيون الحكيم والفيلسوف الصيني والحضارة اليابانية نسبة إلى البلد والحضارة الإسلامية نسبة إلى دين والهندية نسبة إلى بلد والسلافية ـ الارثوذكسية نسبة إلى عرق ودين في آن واحد اما الحضارة الامريكية اللاتينية والحضارة الافريقية فنسبة إلى قارة وعرق. تكمن خطورة «صدام الحضارات» في تركيزها على محورية الصراع والحروب والنزاعات سواء على مستوى السياسات المحلية كالصراعات العرقية والاثنية «داخل البلد الواحد أو الحضارة الواحدة» أم على المستوى العالمي على شكل صراعات حضارية حيث ان القضايا الجوهرية على الساحة الدولية مرتبطة بشكل مباشر بالاختلاف والتناحر بين الحضارات مؤكداً ان الحضارة الإسلامية ستعاني مشكلة الانفجار السكاني التي ستكون لها آثار كبيرة في المجتمعات الإسلامية نفسها وعلى البلدان والشعوب المجاورة أيضاً كما لا ينسى المؤلف التركيز على «الصحوة الإسلامية التي تجتاح العالم الإسلامي بأكمله المتمثلة بتأكيد المسلمين على هويتهم المتميزة وعلى مقولة الاسلام هو الحل. اضافة إلى تنبؤه بأن التنافس بين دول عديدة على قيادة العالم الإسلامي سيكون مبعثاً للصراعات داخل الحضارة الإسلامية. يصنف هنتجنتون علاقة الاسلام بالغرب على انها علاقة عدائية بشكل عام عملت على تشكيلها عوامل تاريخية ـ دينية معروفة «كالحروب الصليبية» ومسألة الاستعمار واختلال التوازن السكاني والتنمية الاقتصادية والتطور الثقافي ودرجة الالتزام الديني ويستشعر الغرب من الاسلام مخاطر عدة ـ برأيه ـ اهم مصادرها، انتشار الأسلحة غير التقليدية في العالم الاسلامي بما في ذلك مخاطر امتلاك الاسلحة النووية والإرهاب وموضوع الهجرة غير المرغوب فيها... الخ. وعموما يصف هنتجنتون العلاقة العدائية بين الإسلام والغرب بأنها حالة «شبه حرب» ويتذرع بهذه التسمية مستنداً إلى العناصر التالية التي يزعم انها حقائق مؤكدة وهي: أولاً: وجود دول اسلامية تعلن الحرب ضد الغرب منها دولتان اصوليتان «ايران والسودان» وثلاث دول غير اصولية «العراق وليبيا وسوريا». اضافة إلى عدد كب