عندما تتراجع مكانة القيم الاخلاقية في العلاقات الانسانية والدولية، وتنكشف هذه العلاقات بشكل سافر لعاملي القوة والمصلحة، يصبح بالامكان استيعاب هذا اللامعقول الذي يجري لنا، ليس فقط من قبل اسرائيل، وانما من قبل هذا العالم الذي لا يقبل فقط بالعدوان الاسرائيلي المستمر علينا، وانما يقوم أيضا بتبريره واعطائه الشرعية. فلأ'ن اسرائيل قوية ومرتبطة عضوياً بالولايات المتحدة المتربعة على عرش هذا العالم، الحاكمة بأمرها والمتحكمة بشئونه، اصبح بإمكان اسرائيل المحتلة والمعتدية ليس فقط الاستمرار باحتلالها وعدوانها، وانما ان تعرض نفسها وكأنها الضحية المعتدى عليها. وعوضاً عن ان يقوم العالم برفض استمرار آخر الاحتلالات على وجه الارض، وان ينحاز للشعب الفلسطيني الذي يتعرض لعدوان مرير مستمر اخترق اللحم والعظم ووصل حتى النخاع، يقوم هذا العالم بروتينية محزنة ومخجلة بشجب واستنكار كل ما يقع لاسرائيل بسبب استمرار احتلالها وعدوانها. انه حقا لعالم مراء، وانها حقاً لحقبة سوداء يعيشها ونضطر اليها لتخاذله وانصياعه أمام القوة الغاشمة لهيمنة احادية القطبية على مجريات العلاقات الدولية. اذا كان الوضع متردياً الى هذا الحد الفاضح، واذا كانت القدرة الفلسطينية على صد هذا العدوان وانهاء هذا الاحتلال محدودة، رغم كل هذا الصمود المديد والتضحيات الجسام، فعلى من يجب ان نعول في محنتنا المتواصلة والمتزايدة ؟ أنعول على الولايات المتحدة التي لولاها لما تمكنت اسرائيل من الاستمرار في احتلالها وعدوانها؟ أم نعول على أوروبا التي ليس لها مصلحة في الوقوف أمام اسرائيل وحاميتها أمريكا؟ أم هل علينا ان نعول على دول وشعوب في أقاصي الارض وهي منشغلة بهمومها ومشاغلها ولا يؤثر بها مباشرة ما يجري لنا؟ يقال إن الأقربين أولى بالمعروف.وترجمة ذلك فعلياً ان العرب هم الذين يجب ان نعول عليهم، واذا قاموا بما يجب عليهم القيام به يصبح من الممكن ان يتدحرج التعويل، بالتأثير، ويتعمم من حلقة الى أخرى، ليتسع فيصل الى اقصى بقاع الارض.ولكن إن كنا نحن في واد والعرب في واد، وهم الأقربون والاولى لنا بالمناصرة، الفعلية وليس الشكلية، فهل يمكن ان نتوقع النصرة من الغير ؟وكيف يمكن للغير ان يقف معنا ويساندنا ان لم تصبح له، في هذه الحقبة الرديئة التي تسبق القوة والمصلحة فيها القيم الاخلاقية والانسانية، مصلحة أكيدة. بمزيد من الأسى والأسف، ننعي لانفسنا العرب، أنظمة وشعوباً على السواء.فقد بلغ السيل الزبى، وشارون يعيث بنا فساداً، ورؤساء القبائل العربية مختلفون على مكان انعقاد القمة العربية، فيصبح الشغل العربي الشاغل، كما كان الحال دائماً، ''تنقية'' الأجواء العربية، ويطير أمين عام الجامعة العربية من عاصمة الى اخرى، ليزيل الخلافات بالصلح العربية، عل هذه القمة تنعقد في مكانها وزمانها المحددين ولكن ماذا لو انعقدت القمة ليس فقط في موعدها ومكانها المحددين، وانما الآن مباشرة، هل سيغير ذلك من الوضع شيئاً؟ سنسمع خطابات رنانة وشعارات طنانة، وقد يجود العرب بشيء من الاموال لدعم الشعب الفلسطيني فهم يظنون ان هذا هو المراد والمطلوب لازاحة الموضوع واراحة النفوس، وينتهي الامر بالنسبة لهم ويستمر الحال بالنسبة لنا. لان هذا هو السيناريو المكرر لدرجة السآمة، وبالتأكيد الكآبة، لن ترمش لاسرائيل طرفة رمش من اجتماعات العرب، ولن يحسب لهم احد اي حساب يذكر. فالعرب لا يفهمون لغة ارتباط المصالح بالمطالب، ولذلك فان كل مطالبهم تمنيات. وطالما هي كذلك فانها لن تجد آذاناً صاغية في أي مكان. مغزى ذلك ان لا سند حقيقيا لنا، وان علينا ان «نقلع شوكنا بأيدينا» ولكي نقوم بذلك علينا تقليص توقعاتنا بالاسناد الخارجي والاعتماد على الذات.ولكي يكون اعتمادنا على الذات فعالاً لضمان الاستمرار في الاصرار على تحقيق حقوقنا الوطنية الشرعية، علينا تمتين جبهتنا الداخلية. والتمتين، لكي يكون حقيقياً وليس فقط شعاراتياً يتطلب ترميم الأوضاع الداخلية.واول ما يتطلبه ذلك يتلخص بكل بساطة بالادراك الفعلي بأن لا تسوية سياسية تلوح بالافق، وان ملاحقة ذلك الآن ما هو إلا وهم سراب. اذا اقتنعنا بذلك، وأرجو ان يتم ذلك بسرعة قصوى، يصبح باب ترميم أوضاعنا الداخلية وتمتين جبهتنا الداخلية مفتوحاً ومتاحاً، وتصبح امكانيات صمودنا فعالة بصورة اكبر وأجدى. لا يسعنا الا بذلك والا جاءت الخسارة كبيرة وفادحة. بقلم: د. علي الجرباوي