بين السياستين الانتهازيتين الباكستانية والهندية ترقد آسيا الوسطى على حافة بركان يرسل سحبه الكثيفة مؤذنا بالانفجار، واضعا المنطقة كلها في مهب رياح اشد سخونة. فالهند لم تترك فرصة محاربة الارهاب الامريكية تمر دون ان تحقق مكاسب سياسية على صعيد التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وعلى صعيد انتشال وضعها الاقتصادي وعلى صعيد كشمير وعلاقاتها بالصين وباكستان خاصة بعد ان تولى في افغانستان نصراؤها. وباكستان لم تترك فرص التهديد الهندي تمر دون ان تستفيد من التصعيد الاخير في التخلص من الوجع الباكستاني الممض الذي يسميه الغرب الارهاب الاصولي. راديكالية مشرف التي تطرقت به بعيدا عن الاحزاب الاسلامية ومطالبها الجديدة والموصوفة بالارهابية عالميا، تضعه اليوم امام خيارين لا ثالث لهما للفترة القادمة والمؤقتة وهما: اما الانصياع للعصا الهندية الامريكية، واما الانسحاق مع المنسحقين الافغان الاصوليين، وفي كلا الخيارين ستكون كشمير ثمنا باهظا، اكبر من الكرسي الذي لن يحمله. كيف نقرأ الوضع الحالي الذي لا يمكن ان يوصف سوى بأنه منفجر بين الهند وباكستان، وما هي حقيقة الخلاف الاخير، ما الذي ايقظ الثأر الهندي، وما الذي يحاول مشرف وحكومته فعله لتفادي دفع الثمن الباهظ. كيف تبدلت التحالفات بين الدولتين بما يحيط بهماه من دول وبين الولايات المتحدة، وكيف نقرأ تناقض المصالح في قيام هذه الحرب وفي عدم قيامها، وايهما سيخدم النظام العالمي الجديد، وهل هناك نية حقيقية لشن حرب نووية؟ لماذا تريد الهند كشمير؟ ولماذا تريدها باكستان؟ ما الذي استجد على خلفية الصراع القديم؟ وما هي عناصر هذا التوتر اصلا؟ ما مدى تداعيات الحرب في الارهاب عليها؟ وكيف نقرأ التحرك الدولي والعربي والاسرائيلي بمؤثراته على القضية والمنطقة؟ تداعيات الحرب في افغانستان خدعت الكثير من السياسيين في المنطقة رغم انها لم تخرج عن نظرة ثعلب السياسة الامريكية ريتشارد نيكسون، فقد ظن الكثيرون ان اشتداد الازمة الهندية الباكستانية هو نتائج حرب الارهاب في المنطقة. والواقع يشير الى ان حرب الارهاب اعطت الفرصة السانحة للهند وللولايات المتحدة لتنفيذ مخطط قديم، سعى لدى الهند في ازاحة باكستان وايجاد بديل للدولة المسلمة التي نقض مضجعها وتقف حجرة عثرة المشروع الهندي الكبير «مقاربة باسرائيل الكبرى». وسعى المخطط لدى امريكا الى تحقيق توازن بين رغبتها في مأسسة العلاقة مع الهند دون التخلي عن باكستان ولكن اية باكستان ارادها الامريكيون. التقت مصالح الهند والولايات المتحدة في التخلص من سطوة القوة الباكستانية النووية والتي يسميها الامريكيون والاسرائيليون والهنود معا بالسلاح الاسلامي «او القنبلة النووية الاسلامية» وهو الذي يلوم الغربيون انفسهم عليه، ويرددون دائما القول المأثور: كنا السبب اذ تركنا المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. يعد الصراع بين الهند وباكستان صراعا مأساويا وفق اكثر الساسة العالميين ومنهم ريتشارد نيكسون الرئيس الامريكي الاسبق الذي وصفها بأنها النموذج المأساوي لنزاعات العالم الثالث والتي توقع لها ان تنشب حتى لو لم يكن هناك اتحاد سوفييتي. عانت باكستان من صراع سياسي واقتصادي منذ استقلالها عام 1974 واشتدت حدة هذا الصراع عندما تولى الرئيس ضياء الحق وهو زعيم عسكري القيادة عام 1977 الذي اشير الى انه وفر استقرارا سياسيا نوعا ما، كان ضروريا للنمو الاقتصادي، لكن ضياء الحق الذي كان يتطلع للديمقراطية واشاعتها في دولته لم ينجح، اذ احبط العنف السياسي والضغط السوفييتي من افغانستان ذلك. كانت باكستان حليفا تقليديا للولايات المتحدة، ومثلت خط المواجهة بالنسبة للتوسع السوفييتي في جنوب اسيا، دعمت المقاتلين من اجل الحرية في افغانستان، وقامت بدور المضيف لما يزيد على ثلاثة ملايين لاجيء، وكانت هذه السياسات خطيرة على باكستان لدرجة مميتة. حاول السوفييت اشاعة عدم الاستقرار فيها فدعمها الامريكيون واوشك ركودها الاقتصادي ان يقوض استقرارها السياسي وهو اكبر خطر داخلي تهددها ولايزال، فدعمها الامريكيون فما الذي جرى وحول الحليف المدعوم بقوة من امريكا الى الحلقة الاضعف في سلسلة المصالح الامريكية في اسيا، وما الذي اشعل النار في الوقت الذي افترض الجميع فيه ان باكستان بدعمها اللوجيستي لامريكا ستخرج بحقيبة ملأى بالمكاسب والمفاجآت. صناعة المجازر درج المحللون على تسمية المجازر التي ترتكب في كشمير وتوجه اصابع الاتهام فيها دائما لباكستان بالمجازر هندية الصنع، والامر المختلف هذه المرة، ان الصدام الهندي الباكستاني انتقل من الحدود الى الداخل الهندي، ممثلا بالبرلمان. فقد اثار الهجوم الذي حدث على البرلمان الهندي في الثالث عشر من ديسمبر الماضي ردة فعل عنيفة في الهند، فالبرلمان يعني الشعب، وهو ما يعني ضرب رمز هندي مهم، شبهه كثيرون برموز امريكا التي فجرتها احداث 11 سبتمبر. والربط بين الاثنين لم يأت من الخارج بل جاء من الحكومة الهندية التي سوقت لصورة الهند المتضررة من الارهاب الممثل بجماعات كشميرية اسلامية. رأت الهند ان الفرصة اصبحت مواتية لها لتوجيه ضربة خاطفة لباكستان واعادة احتلال الجزء المحرر من كشمير لحسم هذه القضية نهائيا، ويؤكد ذلك ما اوردته الصحف الهندية من سيناريوهات، مثلما رأت ايضا ان الظرف الدولي الراهن مساعد لذلك، فالعالم كله معبأ بالحرب ضد ما يسمى بالارهاب. تحركت الدعاية الهندية لتصوير ما حدث في البرلمان يوم الثالث عشر من ديسمبر بانه جزء من الارهاب الدولي الذي يهدد السلام العالمي، حيث ينبغي ان يكون جزءاً رئيسيا في حملة مكافحة الارهاب الدولي التي تقودها واشنطن حاليا، واكتسب هذا المنطق قبولا فعليا في الغرب خاصة في واشنطن التي اكتوت بنار الارهاب في اعز ما تملك اقتصاديا وعسكريا يوم الحادي عشر من سبتمبر. حامت الشكوك حول حقيقة منفذي هذا الهجوم، وعدة كثيرون افتعالا هنديا فسجل الهند في التخطيط للمجازر في كشمير معروف، خاصة اذا اضيف الى ذلك الازمة الداخلية التي تعيشها الحكومة الهندية بعد تراجع شعبيتها، وفشلها في التخلص من الاضطرابات الداخلية، يضاف الى ذلك الثقل الاقتصادي والعبء السياسي الكامل. وما عزز هذه الشكوك بكون الهند وراء هذه التفجيرات وافتعال الازمة انها رفضت كل الاقتراحات الدولية التي عرضت عليها لفتح تحقيق دولي حول ملابسات حادث الاعتداء الذي تعرض له برلمانها، كما رفضت عروضا غربية بفتح قنوات حوار سياسي بينها وبين باكستان برعاية الامم المتحدة او بريطانيا او امريكا للحد من مبررات التوتر العسكري القائم حاليا بينهما. وفي الواقع ان الحشد العسكري للبلدين استمر طيلة العقد الاخير من القرن الماضي، لعبت فيه الولايات المتحدة دورا حيويا، جنب المواجة دون اخماد جذوة الخلاف، وربما كان صيف 1999، اخرها اذا نجحت امريكا في تجنب مواجهة عسكرية بين الجارتين اللدودتين. وتذكر الوثائق الدولية ان الهند عمدت الى اقامة مجازر للمسلمين المدنيين في اقليم جامو وكشمير، وعلى سبيل المثال فإن سني الانفصال بين الهند وباكستان ونشوب النزاع حول المنطقتين شهد قيام القوات الهندوسية بقتل اكثر من 300 الف مسلم واجبرت اكثر من 500 الف مسلم اخر على الهجرة الى باكستان لتحول جامو من مقاطعة ذات اغلبية مسلمة الى مقاطعة ذات اقلية مسلمة مثلما اورد الكاتب البريطاني لورد بيردوود في كتابه «كشمير والاممية» وكان رد الفعل الطبيعي للقبائل المسلمة من المناطق الحرة الواقعة شمال غرب باكستان الدخول في كشمير لمساعدة اخوانهم في العقيدة الذين كانوا يتعرضون لمذابح الهندوس. اظهرت الحكومة الهندية في الازمة الاخيرة قدرا اكبر من التشدد تجاه باكستان، وهو ما يعكس ثقة زائدة بالنفس من ناحية وبالدعم الدولي خصوصا الامريكي والغربي من ناحية ثانية لسببين: ـ الاول: يتعلق بمحاولة استغلال زخم الحملة الامريكية ضد الارهاب. ـ الثاني: مرتبط بالتفوق العسكري الهندي في مجال الاسلحة التقليدية الذي يصل الى خمسة اضعاف مالدى باكستان تقريبا حسبما يقدر الخبراء. لاءات الهند الثلاث منذ اعلان لاهور لم تتغير بل زادتها «لا» رابعة في الظرف الدولي الجديد. ـ فالاولى كانت «لا» لدعم باكستان للمجاهدين الكشميريين الدين تحولوا مع حملة الارهاب الى ارهابيين. ـ والثانية «لا» لا نفصال واستقلال كشمير وبالتالي تثبيت خط التقسيم باعتباره حدودا دولية بين البلدين. ـ والثالثة «لا» لأي دعوة للحوار مهما تغيرت المعطيات الدولية والاقليمية. ـ اما «لا» الجديدة فكانت لموقف التصعيد العسكري والحصول من باكستان على تنازلات فهي الفرصة الذهبية التي تنتظرها الهند منذ اكثر من نصف قرن من الزمان. الزاوية الحرجة الوضع الذي وجدت باكستان نفسها فيه وضع لا تحسد عليه، فهي متهمة بايواء ودعم حركات اسلامية وصفت بالتطرف والتشدد والعدوان على الهند جارتها اللدود. جرت احداث 11 سبتمبر على باكستان مشاكل جمة كان اهمها تصميم واشنطن على عدم تحسين علاقتها بباكستان الا اذا اعادت الاخيرة النظر في جملة امور منها وفق دراسات كثيرة: ـ العلاقة مع حركة طالبان التي ترغب الولايات باستبدالها بحكومة موالية. ـ البرنامج النووي الباكستاني الذي سعت الولايات المتحدة جاهدة لتجميده من خلال الضغوط المستمرة على الحكومة الباكستانية ووقف المساعدات الاقتصادية والعسكرية عليها ومنها ايضا الضغط عليها للتوقيع على اتفاقية عدم انتشار الاسلحة النووية وهو مالم يتحقق. ـ منظمات المقاومة الكشميرية التي تنظر اليها الولايات المتحدة على انها تنظيمات ارهابية والتي طالبت الولايات المتحدة باكستان بتجميد اموالها واعتقال قادتها. ـ اعادة الحياة البرلمانية وانهاء الحكم العسكري في البلاد. كانت هذه جملة امور دفعت مشرف للخضوع لاي مطلب امريكي يتضمن الانخراط في حملة مكافحة الارهاب خاصة بعد ان رفع الرئيس الامريكي جورج بوش شعار «على الجميع الاختيار بين ان يكونوا معنا او يكونوا ضدنا» والذي قسم العالم الى معسكرين. ولباكستان بعد ذلك مصالح عليا في دعم الحملة العسكرية الامريكية والتي دفعتها ايضا الى تقديم الستهيلات العسكرية واللوجستية للقوات الامريكية بل تجاوز ذلك التسهيل حدود المعلن فوضعت اربعة مطارات باكستانية تحت تصرف القوات الامريكية وتخلت عن حليفتها السابقة حركة طالبان بشكل رسمي. ورغم الضغوط الكثيرة التي تعرضت لها باكستان الا اننا يمكن النظر الى ان باكستان كانت راغبة في تجاوز ازماتها السياسية الداخلية والخارجية والاقتصادية فعولت على مشاركتها في اعادة اعمار افغانستان بشكل يدعم اقتصادها، غير ان الرياح جاءت بما لاتشتهي سفنها، اذ ان التحالف الذي انتصر وحظي بالحكم في البلاد هو حليف للهند، وقد حظيت الاخيرة بتعاقدات اقتصادية على الاراضي الافغانية. وينظر البعض الى ان باكستان لم تخرج خاسرة بالكامل فقد حصلت على العديد من المساعدات من دول مختلفة من 11 سبتمر 2001 باشكال مختلفة، فعلى سبيل المثال حصلت باكستان من الولايات المتحدة على قروض ومنح تبلغ مايقرب من مليار دولار، كما اعادت جدولة ديونها بتمديد فترة سدادها بالاضافة الى مساعدات وقروض من بريطانيا والمانيا، كما قدم لها صندوق النقد الدولي تسهيلات مالية تبلغ ملياري دولار، عدا عن رفع الحظر الاقتصادي المفروض عليها في مايو 1998 بعد اجراء تجاربها النووية. ومع ذلك فاننا نجد الحكومة الباكستانية وقد وضعت في زاوية محرجة، ففي حال رفضها الانضمام مع التحالف قد تواجه عقوبات امريكية تشل برنامجها النووي وتجردها من ادوات الردع في مواجهة عدوها التقليدي الهند، وقد ادركت باكستان ان البرنامج النووي سيكون هو الهدف التالي بعد افغانستان ولذا نجد ان مشرف نقل اجزاء سلاحة النووي الى مناطق غير معلومة خوفا عليه من ضربة خاطئة او من حسابات الهند، وكان ما توقعه. ويبدو ان مشرف وجد خيرا له في الانضمام للتحالف ضد الارهاب ومحاولة نزع فتيل الازمة مع لهذه اذا اراد المضي قدما في تحقيق اهداف سياسته الخارجية والتي تمثلت في: ـ المحافظة على الامن القومي وتوازن القوة مع الهند ـ بلورة ايديولوجية وطنية ـ التركيز على التنمية الاقتصادية اذ تعتبر باكستان دولة نامية ذات موارد طبيعية محدودة و ذات دخل مالي ضعيف لذلك فهي لا تستغني عن المساعدات الخارجية. السؤال الذي يطرح نفسه بشدة في ضوء هذه المتغيرات هو لماذا غيرت امريكا اتجاهاتها في تحالفاتها الاقليمية في اسيا، وما اهمية الهند التي تطغى على اهمية باكستان الحليف القديم، بل ما اهمية كشمير التي تهدد العالم بقيام حرب نووية ان صح التوقع بالنسبة للهند وبالنسبة لباكستان؟ كشمير ولعبة المصالح شكلت كشمير منذ انفصال الدولتين التوأمين الهند وباكستان عام 1947 اهمية بالنسبة للهند التي سعت لاحتلالها وتهجير اهلها من المسلمين وزرع السيخ مكانهم. وتذكر الوثائق التاريخية ان الهند لم تحتل كشمير لتمتعها بثروات ضخمة اذ ان الاخيرة لا تملك ما تملكه بعض الدول من الثروات، غير ان هدفها الاساسي من احتلالها للولاية الاسلامية كان لاستخدامها كقاعدة لمخططاتها الهدامة وتحقيق مطامعها ضد العالم الاسلامي ومقدساته. وتشير الوثائق الدولية ان تصريحات القادة الهندوس طالما ذكرت اساطير مفادها ان الامبراطورية الهندية كانت تمتد في يوم من الايام من سنغافورة شرقا الى نهر النيل غربا مرورا بالجزيرة العربية، ولذلك فإن المطامع الهندوسية منذ اليوم الاول لاحتلال المنطقة المنكوبة استهدفت اقامة «الامبراطورية الهندوسية العظمى لتستعيد مكانتها المزعومة». وفي هذا السياق قال جواهر لال نهرو اول رئيس وزراء للهند في كتابه «اكتشاف الهند»: «ان الهند كما صنعتها الطبيعة لايمكنها ان تلعب دورا ثانويا في شئون العالم، فاما ان تعتبر من القوى العظمى او ان لايكون لها وجود». ويقول الدبلوماسي الهندوسي الكبير الدكتور «إس.آر.باثيل» في كتابه «السياسة الخارجية للهند» في اطار شرحه لكلمة لال نهرو: «ومن الضروري جد سيطرة الهند على سنغافورة والسويس اللذين يشكلان البوابة الرئيسية لها، واذا ما سيطرت عليها قوة اخرى معادية فانها تهدد استقلالها... وكذلك حاجة الهند للبترول تجعلها تهتم بالبلاد العربية ايضا». ويختتم الخبير السياسي الهندوسي حديثه عن مطامع الهند الاستعمارية قائلا: «يسود فراغ سياسي هائل في المنطقة بعد مغادرة الانجليز ويجب سد هذا الفراغ، وبما ان للهند قوة بحرية عظيمة من الضروري ان يتحول المحيط الهندي من سنغافورة الى السويس خليجا تملكه الهند». ورغم ان كثيرين قللوا من اهمية هذه الاقوال الا ان الواقع يقول ان هؤلاء المتحدثين هم واضعو السياسة الداخلية والخارجية الهندية وهم قادتها ومفكروها، ولعل اكبر دليل على الاطماع الهندية ان صواريخها يصل مداها الى اكثر من ثلاثة الاف كيلومتر في الوقت الذي تبعد فيه اقصى نقطة في باكستان من الحدود الهندية حوالي الف كيلومتر، وهذا يعني ان الصواريخ النووية لم تعدّ لباكستان الجارة انما اعدت للعالم العربي والاسلامي. من هذا نرى ان كشمير تمثل اهمية استراتيجية للهند ما جعلها شديدة التمسك بها على مدى اكثر من خمسين عاما رغم الاغلبية المسلمة بها ورغم الحروب التي خاضتها واستنزفت مواردها البشرية والاقتصادية ويمكن تلخيص هذه الاهمية ب: اولا: تعتبرها الهند عمقا استراتيجيا امنيا لها امام الصين وباكستان. ـ ثانيا: تعد امتدادا جغرافيا وحاجزا طبيعيا مهما امام الايديولوجية الباكستانية التي تقوم على اساس ديني «الاسلام» الامر الذي يهدد الاوضاع الداخلية للهند ذات الاقلية المسلمة. ـ ثالثا: استقلال كشمير على اساس عرقي وديني قد يفتح الباب امام الكثير من الولايات الهندية التي تغلب عليها عرقية معينة او يكثر فيها معتنقو ديانة معينة. وبالمقابل فإن لكشمير اهمية جعلت الباكستانيين يعدونها خطا احمر لايمكن تجاوزه او التفريط فيه فكشمير بالنسبة للباكستانيين: ـ اولا: منطقة حيوية لامن باكستان بسبب وجود طريقين رئيسيين وشبكة للسكة الحديد في سرحد وشمال شرق البنجاب تجري بمحاذاة كشمير. ـ ثانيا: ينبع من الاراضي الكشميرية ثلاثة انهار رئيسية للزراعة في باكستان الامر الذي يجعل احتلال الهند لها، تهديدا مباشرا للامن المائي الباكستاني. بعد اهمية كشمير بالنسبة للجارتين اللدودتين، ينبغي النظر لاهمية الهند بالنسبة لامريكا التي بقيت طيلة منتصف القرن الماضي حليفة لباكستان عدوة الهند القديمة. شهد العقد الاخير من القرن الماضي بدء عهد جديد بين الهند والولايات المتحدة التي سعت لعلاقات ممتازة ومميزة مع الهند، وعمدت الى ابقاء نوع من التوازن في هذه العلاقة بوجود دعم امريكي للحليف الباكستاني. بدأ التفاهم والتعاون الاستراتيجي مع الهند منذ عهد الرئيس الاسبق بيل كلينتون الذي زار الهند في العام الماضي وامضى بها اسبوعا كاملا مقابل يوم واحد امضاه في باكستان ذرا للرماد في العيون. وترى السياسة الامريكية ان الهند اكثر اهمية للولايات المتحدة خاصة في مواجهة الصين العدو التقليدي المتعاظم للسياسة الامريكية باسيا، وتعتقد واشنطن ان الصين هي التي ساعدت باكستان في تطوير مشروعها النووي الذي يمثل تهديدا لحليفتها اسرائيل، كما نرى ان الهند هي الدولة الوحيدة القادرة على مواجهة الصين ومناوشتها بحكم القوى العسكرية والبشرية المتقاربة والتنافس التقليدي على النفوذ بين البلدين. ولمواجهة التعاون العسكري الصيني ـ الباكستاني، شجعت الولايات المتحدة حليفتها اسرائيل على تطوير تعاونها العسكري مع الهند الذي شمل صفقات صواريخ متقدمة وطائرات تجسس تعمل بدون طيارين، ونجد اسرائيل قد انتهزت فرصة جديدة في الازمة الاخيرة بين الهند وباكستان لدعم هذا التعاون وتطويره الى حلف استراتيجي. ويؤشر ذلك مسارعة الحكومة الاسرائيلية الى اعلان دعمها الكامل للتحركات الهندية لضرب ما وصفته بقواعد الارهاب، الذي زعمت انها تعاني منه منذ سنوات مثل الهند، في مقارنة واضحة بين حركات المقاومة الفلسطينية والكشميرية واتهامها جميعها بالارهاب. والواقع ان الولايات المتحدة تنهج سبيلا مختلفا في التعامل مع الكشميريين واحتمالات اندلاع حرب بين الهند وباكستان، كما تنهجه تجاه الفلسطينيين، فالامريكيون ليسوا بحاجة للفلسطينيين، ولذلك فهم لا يهتمون ان قتلوا او اشعلت اسرائيل حربا هناك، فأشعال الحرب يخدم مصالح الاثنين معا امريكا واسرائيل، لكن الامريكيين بحاجة للهنود والباكستانيين معا في توازن يطمحون له ولذا فإن قيام اي قتال بين الاثنين قد يضر بالامريكيين. اضافة الى ان الهند تحظى بدعم جماعات الضغط داخل الولايات المتحدة التي تحرص دائما على رسم صورة للهند كبلد ديمقراطي يشترك في الكثير مما يحلو للامريكيين وصفه بالقيم الامريكية، مشددين على ان الهند صديق المستقبل الموثوق به للولايات المتحدة. وفي مقابل ذلك يرسم اللوبي الضاغط في الولايات المتحدة صورة سلبية لباكستان كبلد جاء زعيمه الى السلطة من خلال انقلاب عسكري وليس من خلال انتخابات ناهيك عن الاشارات المستمرة الى ما يطلق عليه المؤيدون للهند بمساندة الباكستان للارهاب مع التركيز على جماعات المقاومة في الجزء الخاضع للسيطرة الباكستانية باقليم كشمير. وقد وجدت الهند ضالتها المنشودة في الحملة ضد الارهاب التي سيطرت عليها الولايات المتحدة باعقاب احداث 11 سبتمبر، مستفيدة من مزايا كثيرة اهمها حرص الولايات المتحدة على عدم التدخل في الصراع بين الجارتين اللدودتين.. فكيف نقرأ احتمالات قيام الحرب..؟ لهيب عبدالخالق