لكل ادارة أمريكية فضيحتها الكبرى، وهاهي فضيحة الرئيس بوش جاءته سراعاً، في غمرة نصره العسكري الذي كان الجمهوريون يريدون له ان يكرسه كزعيم عالمي، لا يرتاب احد في زعامته المطلقة وحقه في ادارة شئون الكون والتدخل حيث أراد ولكن هاهي الفضيحة تنفجر من تحت رجليه وتضطره لخوض حرب أخرى في الداخل يصعب عليه ان يحسمها لصالحه. الفضيحة الأكبر وربما كانت فضيحة بوش مع شركة انيرون للطاقة هي الفضيحة الأكبر في تاريخ الرؤساء الامريكيين، وذلك بسبب سعة مداها، فهي تشمل الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني، والنائب العام اشكروفت، المنوط به حفظ العدل، وعدداً اخر من رجالات البيت الابيض، والكونجرس، ويتسع مدى الفضيحة كل يوم ليضم المزيد من المسئولين الكبار. ولضخامة فضيحة «انرون» اعتمد البيت الابيض استراتيجية الانكار أولاً، ثم التعليل الساذج ثانياً. كان البيت الابيض يدرك جيداً ان الشركة العملاقة قد بدأت مسيرة الانحدار، وقطعت شوطاً طويلاً فيها، وانها ربما تصل الى شفير الهاوية سريعا، وتعلن افلاسها، ولكنه مع ذلك عمل على مساعدة الشركة لإخفاء علامات التدهور في أدائها، وعمل مسئولو الحكومة على تمكين الشركة من استخلاص بعض ديونها على الآخرين، مع انها لم توف بديون الاخرين عليها، بل عمل رئيسها في آخر لحظة الى توريط الكثيرين، ومن بينهم موظفو الشركة انفسهم على استثمار اموالهم فيها، وزعم لهم ان أسهمها واعدة، وانها تبشر بربح وفير «هذا في الوقت الذي باع فيه رئيس الشركة أسهمه في الشركة خوفا من تدهور أسعارها او تلاشيها». في هذا الوقت بالذات عمل نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني على الضغط على المسئولين في الحكومة الهندية ليضغطوا بدورهم على احدى شركات الطاقة الهندية لتقوم بدفع ديون لها على «انرون» بحوالي 64 مليون دولار، وقد كان الرئيس بوش نفسه يزمع طرح هذا الموضوع أثناء لقائه الأخير برئيس الوزراء الهندي، غير ان مساعديه وقد تيقنوا من اندلاع الكارثة، آثروا سحب الموضوع من أجندة المباحثات في آخر لحظة. وعندما تسرب ذلك الخبر الى الصحفيين بادروا فسألوا المتحدث باسم البيت الابيض عن خفاياه، وجاءت الاجابة الساذجة تقول بان الموضوع قد سحب لأنه لم يكن على مستوى اجندة المباحثات الرئاسية، وهي اجابة لا تقنع احداً، لانه لا يعقل ان تكون تقديرات مستشاري الرئيس متباينة الى الحد الذي تختلط فيه الاولويات بهذا الشكل ـ ان من الصعب تصديق امر كهذا، والاسهل منه تصديق ان الرئيس كان ينوي فعلا طرح الموضوع مع رئيس الوزراء الهندي، إلا أن تسارع انفجار الفضيحة هو الذي حال دون ذلك. وفي إطار مسعى الانكار نبش البيت الأبيض اوراقا قديمة من عهد ادارة كلينتون ليثبت للناس ان الشركة لم تقدم تبرعاتها للحملات الانتخابية لبوش وانصاره وحدهم وانما قدمتها كذلك للديمقراطيين، ولكن لم تثبت تلك الحجة الباهتة للتمحيص، إذ سرعان ما أجرى المدققون حساباتهم فتبين ان ما صرفته شركة «انرون» على المرشحين الجمهوريين وعلى رأسهم بوش نفسه يعادل سبعة أضعاف ما أنفقته على المرشحين الديمقراطيين، وأنها لم تنفق الا على بعض الديمقراطيين الذين يحتلون، او يتوقع ان يحتلوا مراكز استراتيجية في مجال صنع القرار التي تهم مصالح «انرون» وعلى رأسها لجنة الطاقة بالكونجرس. انفقت انرون نحو مليوني دولار على الحملات الانتخابية لبوش منذ ان ترشح للكونجرس «فشل في تلك المحاولة» ثم عندما ترشح مرتين حاكماً لولاية تكساس، واستفادت كثيرا من فوزه اذ قامت ادارته بتمرير قوانين كثيرة لصالح «انرون» وعندما فاز بوش بمنصب الرئاسة العامة في العام الماضي فانه سارع الى التوصية باصدار سياسات كثيرة جاءت متطابقة تماماً مع اقتراحات تقدمت بها انرون وقد تم تعداد 17 سياسة من هذا النوع استفادت منها «انرون» حسبما جاء في الدراسة التي اصدرها النائب الديمقراطي هنري واكسمان. ولكن مع ذلك كله استمر الخلل في أداء الشركة وتضاعفت خسائرها. وقد ظلت ملامح ذلك الاخفاق الى اخر لحظة في طي الكتمان وعندما هبطت قيمة اسهم الشركة في سبتمبر الماضي من 95 دولاراً للسهم الى 25 دولاراً، عزي ذلك للتدهور الاقتصادي العام، ولكن اتضح فيما بعد ان الشركة خسرت في الربع الاخير من العام الماضي 618 مليون دولار، ثم تبعت ذلك الخسارة الساحقة التي وصلت الى 1.2 مليار دولار، وعندها اصبحت الشركة على شفير الهاوية، واعلنت افلاسها فجأة في أوائل الشهر الماضي، وبدت وهي في عز مجدها ونفوذها السياسي وكأنها لم تستفد اقتصادياً من ذلك. ماذا استفادت انرون؟ ان الافراد العاديين يتبرعون كثيراً للسياسيين مدفوعين في ذلك بمشاعر الحماسة والولاء والاحاسيس الوطنية، وهم يتبرعون في العادة بمبالغ رمزية صغيرة، لا تمثل الا جزءاً ضئيلاً من الميزانيات الهائلة للحملات الانتخابية، اما الجزء الاعظم فهو ما تتبرع به الشركات الكبرى، وهذه تدخل مواسم الحملات الانتخابية وفق حساباتها الاقتصادية، وآمالها في الارباح العاجلة اذا ما فاز من تراهن على فوزهم، اذ انها تتمكن حينئذ من تقوية صلاتها المباشرة بهم، وتكتسب تعاطفهم ودعمهم بمطالبها، واستجابتهم لمقترحاتها وتوصياتها، وتفوز بعقود العطاءات المغرية لتنفيذ المشروعات الحكومية الكبرى. وخلال العقد الماضي انفقت شركة «انرون» قرابة ستة ملايين دولار على سياسيين على مستويات البرلمانات الولائية والفيدرالية، ومستوى المرشحين الرئاسيين. وحسب احصائيات «مركز الاستجابات السياسية» الذي يتتبع هذه الشئون فان «انرون» وزعت تبرعاتها على 71 عضواً بمجلس الشيوخ، و187 عضواً بمجلس النواب، ونحو الـ 70% من هؤلاء كانوا من الجمهوريين، وهذه الاحصائيات شملت فقط المبالغ التي اعلن عنها والتي دفعت بصورة قانونية، ولم تلاحق تلك التي لم يعلن عنها بسبب تخطيها للاجراءات القانونية، او التي دفعت بشروط فاقتضى الامر ان تكون سرية تماماً. ومهما يكن فالمبلغ المدفوع ضخم جداً، وقد فاز بوش شخصياً بنحو ثلث ذلك المبلغ. يبقى السؤال بعد ذلك عن مدى استفادة الشركة من تعاطف المسئولين الجمهوريين معها؟ ان هؤلاء المسئولين لم يقصروا بشأن الشركة من حيث التعاطف والمساندة وصياغة السياسات الاقتصادية لصالحها والتنازل عن هيبة المنصب، والقيام بطرح شجون الشركة وشئونها، من ضمن الاجندة القومية والسياسات العليا، التي يناقشونها مع رؤساء الدول الاخرى، ولكن مع ذلك اضطرت الشركة برأسمالها الضخم الذي يجاوز 10 مليارات دولار، الى اعلان إفلاسها، فما الذي جرى؟! يبدو ان طموحات الشركة كانت اكثر من اللازم بكثير، وان غرور السلطة اعتراها، وجعلها تمعن في التجاوز والفساد، وقد ركزت في الفترة الاخيرة على التغلغل في مناصب الحكم والادارة وبعث كبار مسئوليها ليتولوا مناصب حكومية ضخمة مثل رئيسها السابق ماكس يزاجيوري الذي عينه بوش سكرتيرا لوكالة الطاقة الامريكية «استقال بعد اندلاع الفضيحة»، وكارل روفي الذي اصبح مستشاراً سياسياً لادارة بوش، ولاري ليندس الذي اصبح مستشاراً اقتصادياً، ومارك راكبسوت الذي اصبح سكرتيراً عاماً للحزب الجمهوري. وفي المراتب العليا لادارة بوش 35 موظفا لهم اسهم في انرون واسهم شخص واحد منهم هو كارل روفي تعد بالملايين، فهذه شركة تريد ان تحكم البلاد، ولا تكتفي بالمتاح حسب الثقافة السياسية الامريكية من ممارسة الضغوط وتحقيق المصالح عن طريق «لوبي» معروف للاتصال والمساومة وتبادل المنافع، وقد عملت على اجتذاب اكبر عدد ممكن من الانصار النافذين اليها، وكان مذهلاً ان المحلل الاقتصادي العالمي بول كريجمان الذي تظهر مقالاته في «نيويورك تايمز» وهو من اشد نقاد الفساد كان من ضمن من استقطبتهم «انرون» وقد دفعت له في عام 1999 مبلغ خمسين مليون دولار كمرتب بصفته مستشاراً للشركة، مع انه يعترف ان الشركة لم تطلب منه اي استشارات لقاء ذلك المبلغ. هكذا حاولت «انرون» ان تمتطي ظهر السلطة، واستهوتها لعبة السياسة، والهتها عن لعبة الاقتصاد، فأفلست وأفلس معها الكثيرون وسددت ضربات عنيفة الى رؤوس بارزة في ادارة بوش، وستكون ممارسات الشركة الظاهرة والخفية مناطاً لتحقيقات واسعة تجريها عشرون لجنة كونها الكونجرس لهذا الخصوص وستكون مادتها افضل دعاية لخصوم الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة للكونجرس «في نوفمبر من هذا العام» وربما استمر اثرها لوقت طويل بحيث تقوض من سمعة الجمهوريين ومصداقيتهم وفي ذلك أفضل تمهيد للحملة الرئاسية المقبلة التي يكاد من المؤكد ان الحزب الديمقراطي سيرشح لها كلا من آل جور، وجوزيف ليبرمان!! د. محمد وقيع الله