بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة كان من الواضح أن هذه الدول سوف تتجه صوب الدول العربية والاسلامية بعد زوال الحاجز السوفييتي الذي كان يفصل بينها وبين هذه الدول التي تجمعها وإياها روابط ثقافية وتاريخية وجغرافية، وهو ما حدث بالفعل، حيث كانت تأمل هذه الدول في اقامة علاقات قوية مع الدول العربية والاسلامية تقوم على أساس التعاون في كافة المجالات خاصة المجال الاقتصادي، حيث واجهت جمهوريات آسيا الوسطى مصاعب اقتصادية شديدة في أعقاب حصولها على الاستقلال نظرا لارتباط اقتصاداتها بالاقتصاد السوفييتي لما يزيد على سبعة عقود من الزمان، هذا الاقتصاد الذي انهار بدوره مع تفكك الاتحاد السوفييتي، وتشير إحدى الدراسات الى أن الناتج المحلي الاجمالي لهذه الدول قد انخفض بين عامي 1989 و1997 بنسبة تتراوح بين 14% و38% وهو ما يوضح مدى عمق الأزمة الاقتصادية التي واجهت هذه الدول. يذكر أحد المحللين العرب أن دول جمهوريات آسيا الوسطى شعوبا وحكومات وفي مقدمتها الشعب الأوزبكي كانوا يتوقعون في أول أيام الاستقلال أن الدول العربية سوف تقوم بتقديم مساعدات اقتصادية ومالية اليها عقب استقلالها عن النظام الشيوعي وانضمامها الى العالم الاسلامي ولكن للأسف الشديد لم تتقدم أي دولة عربية بهذا الدعم المأمول في حين كانت هناك دول أخرى كالولايات المتحدة واسرائيل تمد يدها ساعية نحو اقامة علاقات قوية مع جمهوريات آسيا الوسطى عامة ومع أوزبكستان على وجه الخصوص اعتمادا على ثقلها ودورها الرئيسي الذي تلعبه في المنطقة وكان المدخل لهذه العلاقات هو تقديم المساعدات المالية والاقتصادية والفنية. فعند ظهور هذه الجمهوريات بادر عدد من رجال الأعمال الاسرائيليين بزيارتها ليوضحوا أنه ليس ثمة شئ يدعو الى الخوف من الدولة الاسرائيلية وليعرضوا تقديم المساعدة في اعادة بناء القوات المسلحة لهذه الدول، وتقديم المساعدات الفنية في المجالات الزراعية والصناعية والاقتصادية المختلفة، وبادرت اسرائيل بتعيين سفيرها السابق في موسكو كأول سفير لها في أوزبكستان، وهو ما يدل على الأهمية التي أولتها اسرائيل منذ البداية لهذه الدولة. على الجانب الآخر بدأت الدول العربية في اقامة علاقات دبلوماسية مع هذه الدول واستقبلت كبار المسئولين فيها، وكان اسلام كريموف رئيس أوزبكستان أول رئيس دولة من هذه الدول يقوم بزيارة الى الدول العربية للبحث في امكانية التعاون معها في مجالات الاستثمار والتنمية الاقتصادية المختلفة، كما قامت بعثات حكومية عربية تضم وزراء ورجال اعمال بزيارة لهذه الدول بما فيها أوزبكستان لاستطلاع الأوضاع الجديدة في هذه الدول، بما يمكنها من إرساء العلاقات معها على أسس سليمة، إلا أن التحرك العربي اللاحق اقتصر على الجانب الديني والثقافي فقط دون أن يمتد الى الجانب الاقتصادي الذي كانت له أولوية خاصة لدى هذه الدول بحكم الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانت تواجهها. وتشير إحدى الدراسات التي أجراها أحد الباحثين من أوزبكستان الى أن النخب السياسية في هذه الدول بما فيها أوزبكستان تؤكد على أن توجيه سياستها الخارجية سيقوم على أساس تحقيق المصالح المتمثلة في الحفاظ على الأمن والاستقرار وتجاوز الصعوبات الاقتصادية في هذه الدول، وأن تأثير العامل الثقافي والديني على سياسة هذه الدول الخارجية محدود، ويذكر هذا الباحث أن رئيس أوزبكستان كان أول من زار الدول العربية للبحث في امكانية اقامة تعاون اقتصادي مع هذه الدول وامكانية الاستثمارات العربية بها إلا أنه لم يجد استجابة عربية لمتطلبات بلاده، كما أن التعاطف العربي مع النخب الدينية الاسلامية المعارضة جعل النخبة الحاكمة الأوزبكية تتجه الى الولايات المتحدة واسرائيل، ذلك لأن النخبة الحاكمة الأوزبكية اقتنعت بمحدودية المصالح المشتركة بين دولها والوطن العربي، كما أنها رأت في المساعدات العربية الرامية الى رفع الوعي الديني محاولة عربية للتدخل في الصراع السياسي القائم لصالح الجماعات الدينية المعارضة الأمر الذي يضعف موقفها الداخلي، ومن ثم فقد كان لهذه المساعدات العربية الغير قائمة على معرفة دقيقة بالأوضاع السياسية في هذه الجمهوريات أثر سلبي على علاقات هذه الدول بالدول العربية. وبالرغم من ان السياسة العربية تجاه هذه الدول كانت أحد العوامل التي دفعتها للتوجه الى الغرب خاصة الولايات المتحدة، والى اسرائيل إلا أن ثمة عوامل أخرى قد برزت خلال السنوات الأخيرة لتزيد من قوة هذا التوجه، فقد تحولت منطقة بحر قزوين التي تقع بها هذه الجمهوريات بفعل ثرواتها الضخمة من النفط والغاز الى مركز استقطاب لصراعات بين قوى متعددة اقليمية ودولية، حيث رأى بعض المحللين الأوروبيين أن هذه المنطقة ستشهد مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، حيث يتنافس الجانبان على الموارد الاقتصادية والمواقع الاستراتيجية من هذه المنطقة، حيث يبلغ الاحتياطي المكتشف حتى الآن في حوض بحر قزوين 32 مليار برميل من النفط و7 تريليون متر مكعب من الغاز، وتصل التقديرات الى وجود ما لا يقل عن 100 مليار برميل من النفط و10 تريليون متر مكعب من الغاز، ويرى بعض الخبراء أن حوض بحر قزوين سوف يحتل المركز الثالث على مستوى العالم في انتاج موارد الطاقة خلال السنوات القليلة المقبلة، ولقد أدى هذا الى اندفاع العديد من شركات النفط الأمريكية الى الاستثمار في البحث والتنقيب عن النفط في هذه المنطقة، وذلك على الرغم من وجود مجموعة من العوامل السلبية لغير صالح نفط بحر قزوين مقارنة بالشرق الأوسط سواء من حيث نوعية الخام أو انتاج برميل البترول أو تكلفة النقل حيث يحتاج الى مد شبكات من خطوط الأنابيب التي تمر عبر عدد من الدول، إلا أن ثمة اعتبارات جيوسياسية جعلت الولايات المتحدة تهتم بنفط هذه المنطقة منها محاولة الولايات المتحدة وحلفائها المستمرة البحث عن بديل للنفط العربي، بما يساعدها على زيادة القدرة على التحكم في أسعاره وضمان استمرار تدفقه لأسواقها وفقا لشروطها كذلك سعي الولايات المتحدة الى اعادة رسم خريطة التوازنات الاقليمية والدولية بما يحقق المصالح الأمريكية الاستراتيجية العليا، ويدخل في هذا الاطار اضعاف السيطرة الروسية على دول هذه المنطقة، السعي الى عدم استفادة روسيا وايران من موارد هذه المنطقة بقدر الامكان، اقامة حكومات قريبة لواشنطن ومتحالفة معها في هذه المنطقة. هذه المتغيرات تلاقت مع توجهات النخب الحاكمة في معظم الجمهوريات الآسيوية المستقلة، وإن اختلفت ردود أفعال كل منها تبعا لظروف كل دولة وأوضاعها ودرجة ارتباطها بروسيا الاتحادية، وتقدم أوزبكستان نموذجا واضحا من حيث استجابتها لتوجهات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. أوزبكستان كحالة للدراسة تقع أوزبكستان في قلب منطقة آسيا الوسطى وتصل مساحتها الى 447.4كم2 ويصل عدد سكانها الى 24 مليون نسمة منهم 75% من الأوزبيك ومن ثم فهي أكبر دول اسيا الوسطى من حيث عدد السكان كما أنها تتمتع بدرجة مرتفعة من التماسك والتجانس الاجتماعي مقارنة بالدول الأخرى المجاورة ومن حيث القاعدة الاقتصادية تتمتع أوزبكستان بنقاط جذب رئيسية لم تستغل بكامل طاقتها بعد لأنها كانت غائبة عن عيون العالم في ظل الاتحاد السوفييتي السابق، فهي تحوز رابع أكبر احتياطي عالمي من الذهب وعاشر احتياطي عالمي من النحاس، ولديها احتياطي ضخم من الغاز الطبيعي يصل الى 5 تريليون متر مكعب، واحتياطي من النفط يصل الى 4 بليون طن ومن الفحم 2 بليون طن، كما تعد من أهم منتجي القطن في العالم إذ تحتل المرتبة الثانية في انتاج القطن، وهي تعد أكثر دول آسيا الوسطى تطورا من الناحية الاقتصادية، وترغب أوزبكستان بحكم ثقلها السكاني والاقتصادي في أن تلعب دور القوة الاقليمية الأكبر بين دول المنطقة. وتوضح إحدى الدراسات أن أوزبكستان قد نجحت في تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي عام 1996، كما أنها قد أفلتت من تبعية موسكو، حيث مثلت معاملاتها التجارية الدولية 60% مع دول من خارج مجموعة الدول المستقلة، ووصلت الاستثمارات الأجنبية الغربية واليابانية والكورية فيها الى خمسة مليارات دولار كما نجحت في تحقيق قدر من التوازن الاقتصادي والمالي، حيث تصل نسبة خدمة الدين الخارجي الى أقل من 10% من عائدات التصدير، ويغطي الاحتياطي النقدي واردات ستة أشهر، وانخفضت معدلات التضخم بصورة واضحة في الفترة الأخيرة، وتشير هذه الدراسة الى أن أوزبكستان تلعب بوضوح بالورقة الأمريكية في مواجهة موسكو، وأن هذا يتلاقى مع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ويؤكدها الزيارات المتتالية لكبار المسئولين الأمريكيين في المنطقة الى العاصمة طشقند، ووجود اتفاق للتعاون العسكري مع الولايات المتحدة في اطار البرنامج الأمريكي IMET يتيح لها الاستغناء عن موسكو. ولكن أين اسرائيل من هذه التطورات؟ تشير بعض الدراسات الى أنه منذ عام 1997 وفي اطار السياسة الأمريكية والاسرائيلية لمواجهة ما سمي بالخطر الايراني في آسيا الوسطى وحوض بحر قزوين خاصة وأنها إحدى الدول المطلة على هذا البحر ولها رؤيتها الخاصة بالاستفادة من موارده، كما أن معارضتها لعملية السلام في الشرق الأوسط وتقاربها مع روسيا الاتحادية ونقدها المستمر للممارسات والسياسات الاسرائيلية في المنطقة وسعيها لتطوير قدراتها الدفاعية من الأسلحة التقليدية وفوق التقليدية، كل هذه العوامل جعلتها تدخل في نطاق ما أسمته واشنطن بالدول المارقة، كما أن هذه الأمور جعلت اسرائيل تنظر اليها كمصدر من مصادر تهديد أمنها، في هذا الاطار بدأ التعاون الأمريكي الاسرائيلي للحد من النفوذ الايراني في هذه المنطقة، وذلك من خلال آلية للتعامل مع أوزبكستان تحديدا لعدة أسباب أهمها ما يلي: أ - أن اسلام كريموف خاض حربا بلا هوادة ضد الأصولية الاسلامية في بلاده وفي منطقة آسيا الوسطى وأنه أبدى استعدادا للتعاون في مكافحة الارهاب الدولي مع الولايات المتحدة واسرائيل. ب ـ أنه مهتم بالتعاون الاقتصادي والفني مع اسرائيل والولايات المتحدة في العديد من المجالات ويرى أن هذا التعاون يمكن أن يساعده على تحقيق التنمية الاقتصادية. جـ - أنه شجع على إحياء الجالية اليهودية في أوزبكستان وشجع نشاط الوكالة اليهودية واعادة بناء المعابد اليهودية، وزاد من عدد المدارس الخاصة بالأطفال اليهود. د- أنه فتح أبواب الهجرة الى اسرائيل أمام يهود أوزبكستان. ه- أنه يرى أن العلاقات مع اسرائيل يمكن أن تساعده على النفاذ الى الغرب. و- أنه لديه الرغبة الواضحة في الابتعاد عن دائرة النفوذ الروسي. وهكذا كانت هذه الأسباب من العوامل التي جعلت واشنطن وتل أبيب تركزان على طشقند لتكون نقطة انطلاق للتغلغل في باقي أنحاء آسيا الوسطى، خاصة وأن التعاون معها له أسس اقتصادية واضحة بحكم توافر الثروات والموارد الاقتصادية السابق الاشارة اليها. وقد جاءت احداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعها من تداعيات لتتيح الفرصة للولايات المتحدة واسرائيل لوضع السيناريوهات السابق وضعها لتوظيف أوزبكستان لخدمة المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة موضع التطبيق، ويبدو أن طشقند قد نجحت الى حد كبير في القيام بدورها المطلوب في هذا الاطار. بقلم: أ. د. محمد سعد أبوعامود ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان