تسعى اسرائيل لاختراق منطقة وسط آسيا خلال العقد الاخير، وذلك على محاور مختلفة ظاهرها توطيد العلاقات السياسية والاقتصادية، وباطنها لها مآرب أخرى لا نستطيع الجزم بمعرفة حقائقها واهدافها غير المعلنة، وتوجد ثمة مؤشرات تجعل من يراقب سلوكيات النظام الاسرائيلي يتوجس من نواياها سواء في منطقة الشرق الاوسط او المناطق ذات التأثير على المصالح العربية والاسلامية وتلك «الدويلة» الدخيلة تتبع سياسة التطويق المبكر لاحكام الحصار حول مصالح العرب والمسلمين في العالم، وليس في بلادهم فقط. حول هذه القضايا التقى «الملف السياسي» في امستردام الخبير «جراهام دولك» في الشئون الاسيوية في محاولة لكشف حقائق التغلغل الاسرائيلي في وسط آسيا فقال: لقد تنبهت اسرائيل مبكراً لمنطقة آسيا الوسطى، ووضعت لنفسها مكانا في مختلف الجمهوريات السوفييتية السابقة منذ منتصف السبعينيات واستطاعت رسم خريطة استراتيجية تتناسب وأهمية هذه المنطقة من حيث توافر المواد الاساسية لصناعة الطاقة وتصنيع الاسلحة الذرية النووية، وتمكنت بمساعدة اجهزة الاستخبارات الامريكية رسميا، وباساليب غير شرعية من الاقتراب لنظم الحكم وكبار رجالات الاحزاب الشيوعية خاصة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، لشراء التقنية الصناعية المتقدمة والمفكرين والعلماء بالمال، وكانت تقوم بدور عمالة مزدوج لحساب امريكا في مقابل الحصول ايضا على السلاح والعتاد العسكري، ومن ناحية اخرى فقد اعتبرت اسرائيل ان مناطق وسط آسيا يمكن لها ان تكون بديلا عن الصداقة والتحالف مع امريكا في حالة حدوث خلافات، والامر الثالث هو تخويف الادارة السياسية لواشنطن من وراء الستار بتوطيد علاقاتها مع وسط آسيا. ـ ما هي بالتحديد مصالح اسرائيل في وسط آسيا؟ ـ اولى مصالحها هي الهدف الاستراتيجي في تخويف العرب والمسلمين في الدول التي تتصارع معها، وبينها وبين اسرائيل صراعات لها جذور تاريخية، انطلاقا من ان يكون الميزان العسكري في صالح اسرائيل دائما و«اوزبكستان» في وسط آسيا لديها احتياطي كبير من اليورانيوم الذي يستخدم في صناعة الاسلحة النووية وتوليد الطاقة. ثانيا: التواجد الاسرائيلي من الناحية الجغرافية مهم جدا، فهي ـ اسرائيل ـ ترى في آسيا منطقة عمق وذلك لامتداد البحر الاحمر، كشريط له اطلالة عسكرية، وليست اوزبكستان وحدها التي تحظى بالاهتمام الاسرائيلي بل اريتريا واثيوبيا. ثالثا: الخوف الاسرائيلي من نمو الدعوة الاسلامية هو امر مثار للقلق الدائم، فكما تعرف ان اسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية تقود سياسة وئام بين المسيحية الغربية واليهودية في معظم دول العالم، وهو الامر الذي لم تتمكن من فعله مع الاسلام والمسلمين، وكلنا نشاهد ان اسرائيل تشعر بالخطر من الكفاح ضد وجودها من الارضية الاسلامية، وهي متأكدة ان الورقة الاخيرة التي تشكل خطراً عليها هي الاحزاب والمنظمات الاسلامية. لهذه الاسباب وغيرها لا تستبعد ان يكون لاسرائيل دوراً في الشيشان، أو في تيمور الشرقية في اندونيسيا، أو حتى في منطقة البلقان، وباختصار كل ما يهدد اسرائيل، او يمكن ان يهددها من قريب أو بعيد، تتبع معه اسرائيل سياسة التطويق المبكر كما ذكرت لك من قبل. ـ احداث 11 سبتمبر هل جعلت اسرائيل تكثف من سياستها وسط آسيا على نحو ما ذكرت؟ ـ بدون شك.. وقد استغلت اسرائيل الملف الذي فتحته واشنطن لمكافحة الارهاب، في اثبات قدراتها على فتح خطوط عسكرية واستخباراتية لتمهيد الطريق لامريكا، واستعانت في ذلك بعملاء لها في اوزبكستان لتأسيس قواعد عسكرية امريكية، ولدينا معلومات تفيد بأن امريكا تستعد لتمركز قوات عسكرية امريكية قوامها حوالي ثلاثة آلاف جندي وضابط، لديهم معدات تكنولوجية متطورة، واجهزة اتصالات حديثة جداً، كما ان امريكا لم تخف ان لها مصالح سياسية وعسكرية في آسيا الوسطى والمحيط الهادي، وتوضح ذلك كافة نتائج القراءات السياسية الامريكية، وقد اعتمدت امريكا على اسرائيل التي مهدت لها الطريق، وان هذا تم وفق خطة مرسومة طويلة المدى، وان لم تكن عملية الهجوم بالطائرات على المباني الامريكية في 11 سبتمبر قد حدثت، لوجدت امريكا «او اختلقت تبريرات اخرى» لتنفيذ ذات السيناريو، وتسعى امريكا بكل طاقاتها وقوتها العسكرية والاقتصادية لقطع الطريق على الصين، ومنعها من تحقيق هدفها في السيطرة على آسيا ومنطقة الباسفيك واسرائيل تعلم ذلك جيداً وتلعب الدور الذي تريده امريكا في العالم كله نيابة عن واشنطن وخاصة في منطقة الشرق الاوسط. ـ تعود في حديثك من وقت لآخر لذكر منطقة الشرق الاوسط، بينما نتحدث عن وسط آسيا؟ ـ ربما يكون عندكم في الثقافة العربية ما يتطابق او ربما يتشابه مع ما نقوله في السياسة «اذا عرف السبب بطل العجب» كل ما تفعله اسرائيل الآن.. وما ستفعله في المستقبل.. وما تكون قد فعلته في الماضي.. يصب في قالب واحد نستطيع تلخيصه فيما يعرف بتأكيد الوجود، ودفع الخطر بعيداً عنها، فهي تتحرك على كافة المحاور: سياسيا، ثقافيا، عسكريا، ودينيا ايضا. اسرائيل منذ قيام ثورة الخميني الاسلامية في ايران وهي تتحالف مع كل من يقف ضد الاسلام والمسلمين، ولعل هذا هو احد اهم اسباب وحدة الهدف مع امريكا في اسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين، وذلك للتصدى للتأثير الايراني ومنعها ـ ايران ـ من تحقيق هدف فرض النفوذ من خلفية اسلامية يمكن لها ان تعيد صحوة للحضارة الفارسية، وهو ذات الشيء الذي تقوم به اسرائيل في تركيا، وتسعى من خلال تعاونها مع حكومة انقرة ان تكون لها عيون وآذان في منطقة متاخمة للحدود السورية والعراقية، لذلك فأنا بالفعل اعود لذكر منطقة الشرق الاوسط في حديثنا وهو امر لا يدعو للغرابة. ـ ألم نعط لاسرائيل دوراً اكبر من حجمها وقدراتها الحقيقية من خلال طرحنا هذا؟ ـ ربما.. لكن اسرائيل لا تكشف الغيب او تعلم المجهول، هي فقط تتعامل مع قراءات علمية واستراتيجية تحسبها جيدا، وانا هنا لا اتحدث عن من هو الاقوى.. أو اشير للاضعف.. فقط ارصد الواقع، فمنذ انتهاء حرب الخليج الثانية التي نشبت «بسبب غزو العراق للكويت» واسرائيل تقرأ جيدا العقل السياسي لادارة الحكم في واشنطن وعرفت ـ اسرائيل ـ ان امريكا لديها مشاكل، ولعبت على وتر تقديم المساعدة للحليف الامريكي. ـ هل لك ان توضح هذا الامر ومدى علاقته بتغلغل اسرائيل في وسط آسيا؟ ـ بعد حرب الخليج الثانية وامريكا تبحث عن مخارج لازماتها التي تشمل: ـ مصانع الاسلحة والذخيرة الامريكية تنتج بغزارة ولا تستطيع تصريف «اي بيع» منتجاتها. ـ الكساد الاقتصادي الذي تحول لركود هدد بحدوث ازمة لا تنتظرها امريكا. ـ حدوث طفرة تقنية عالية جدا في تكنولوجيا الحرب الرقمية. ـ غليان في صفوف الجيش الامريكي الذي يريد التدريب عمليا على التطورات الجديدة. اضافة لما سبق فإن امريكا ومن وراءها اسرائيل تراقب عن كثب الخطوات السريعة التي بدأ الاتحاد الاوروبي يعدوها نحو تطور قواته العسكرية.. سعيه لتكوين جيش اوروبي موحد مستقل في القرار عن حلف شمال الاطلنطي وامريكا.. حقيقة كونه قوة اقتصادية جديدة يمكن لها ان تناطح وتنافس امريكا عاجلا أم آجلا، لذلك فلهذه الاسباب مجتمعة كان لابد من حدوث تغير وقيام متغيرات جديدة من شأنها احداث شبه ثورة في الفكر السياسي العالمي، واعادة توزيع الادوار، واسرائيل قرأت كل ذلك أولا بأول، واكدت لامريكا انها يمكنها مساعدتها في التواجد بمنطقة آسيا الوسطى للسيطرة على مصادر النفط ونقله من بحر قزوين، بعد ان نجحت امريكا واستفادت اسرائيل من ورائها في السيطرة على مصادر النفط في منطقة الخليج، ولايجب ان ننسى رغبة امريكا في خنق طموح الجمهوريات السوفييتية السابقة في وسط آسيا، تلك الجمهوريات التي لديها ظمأ شديد لاستعادة قوتها السابقة او جزء منها، فكان لابد على امريكا واسرائيل ألا تضيعان نتائج الحرب الباردة الطويلة، التي اسقطت المارد الشيوعي. امستردام ـ حوار: د. سعيد السبكي