من العوامل الجديدة المؤثرة على الاوضاع في الشرق الاوسط التغلغل الاسرائيلي في آسيا الوسطى وآثار النشاط الصهيوني على ميزان القوى في المنطقة بعد ظهور هذا التغلغل بصورة جلية منذ عشر سنوات تقريبا اي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وقيام خمس دول اسلامية مستقلة، بدأت تلعب دورها الخارجي في اسيا الوسطى وفي الوقت نفسه اصبحت هدفاً في استراتيجية القوى الدولية والانظمة الاقليمية بما فيها اسرائيل. هذا ويستفيد النظام الصهيوني في سياسته تجاه دول آسيا الوسطى من العامل الخاص وهو وجود الجالية اليهودية في المنطقة عامة ومدينة بخارى خاصة منذ خمسة وعشرين قرنا تقريبا الامر الذي ساعد على تنشيط علاقات اسرائيل مع المنطقة بعد انهيار الشيوعية. ووفقا للقاعدة الفقهية الكلية «اذا زال المانع عاد الممنوع» ادى سقوط الحاجز الحديدي الشيوعي الى فتح باب هجرة اليهود من آسيا الوسطى الى اسرائيل والدول الغربية بوتائر سريعة وذلك على اساس تشجيع هذه الهجرة من اسرائيل نفسها وعلى سبيل المثال يبقى الآن في بخارى حوالي 8 آلاف يهودي، اما عدد المهاجرين الى اسرائيل فبلغ اكثر من 150 الفا! واجمالاً يبقى الآن في اوزبكستان اقل من 30 الف يهودي، اما عدد اليهود الذين هاجروا من آسيا الوسطى منذ عام 1988م فيبلغ 200 الف! هناك اسباب كثيرة لهجرة اليهود هذه وبينها عدم مراعاة السلطة لتأمين الظروف الثقافية والدينية الملائمة لليهود القاطنين في هذه المنطقة واضافة الى ذلك يجب الاخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية المتأزمة ومستوى المعيشة المتدني حيث لا يتجاوز معدل الراتب الشهري في المنطقة 90 دولاراً. واللافت ان تقديرات اوضاع اليهود في آسيا الوسطى حاليا تتباين وتتفاوت اذ يطرح المحللون والخبراء آراء مختلفة بهذا الصدد ولكن الخلاف في الرأي يعود غالبا الى استعمال المعايير المختلفة لصياغة هذه التقديرات فيرى الذين ينظرون الى الامر من داخل المنطقة ان تأريخ الجالية اليهودية في آسيا الوسطى يقترب من النهاية، اما الذين يعاملون القضية من خارج المنطقة فيحكمون وضع اليهود بمعيار حرية الهجرة وعلى هذا الاساس يقيمون التغييرات التي تمت خلال عشر سنوات ماضية تقييما ايجابياً. ولكن مما لا يدع مجالاً للشك ان اسرائيل كانت ولاتزال تعلق اهمية بالغة على آسيا الوسطى ليس فقط ما يتعلق ببقاء اليهود في المنطقة فحسب، بل دور دول آسيا الوسطى في ميزان مصالح النظام الصهيوني الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية. ولنبدأ من مجال الاقتصاد ونقول ان التعاون بين اسرائيل وآسيا الوسطى يتطور بوتائر مقنعة فعلى سبيل المثال قام وزير الاشغال القومية الاسرائيلي افيجدور ليبرمان بالزيارة لكل من كازاخستان وقيرغيزستان واوزبكستان واستهدفت هذه الزيارة طرق توسيع التبادل التجاري بين اسرائيل وبين هذه الدول الثلاث استمراراً في تطوير العلاقات الاقتصادية فقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين اسرائيل وكل من كازاخستان واوزبكستان حوالي عشرين مليون دولار سنويا اضافة الى قيام عشرات من المشاريع المشتركة، ولا يقتصر اهتمام اسرائيل بالتعاون الاقتصادي مع هذه الدول على استعمال امكانيات السوق الواسعة لسلعها بل يحاول النظام الصهيوني جذب الكوادر المؤهلة العاملة في هذه المنطقة ويولي الاهمية الخاصة على تشغيل الخبراء والمختصين في مراكزها العلمية بما فيها المشاريع المتعلقة بالبرامج النووية كما يجب ألا نهمل وجود احتياطات اليورانيوم الضخمة في اوزبكستان. ومن البديهي ان دول آسيا الوسطى ـ ما عدا تركمانستان ـ ترد على اهتمام اسرائيل بالتعاون الاقتصادي بالمثل وربما بالاهتمام الاكثر الامر الذي يدل عليه اعداد البرنامج الخاص بطرق تطوير التعاون مع اسرائيل والذي اقرته الحكومة الاوزبكية بعد زيارة رئيس اوزبكستان اسلام كاريموف لاسرائيل في شهر سبتمبر عام 1998م ومن النقاط الواردة في هذا البرنامج التأكيد على الاصول التاريخية الطويلة للتعاون بين الشعبين الاوزبكي واليهودي وبين دولتيهما الامر الذي يشير اشارة واضحة الى وجود المصالح المشتركة الواسعة بين آسيا الوسطى وبين اسرائيل والتي لا تنحصر في التعاون الاقتصادي وحده بل تتجاوزه لكي تشمل المجال السياسي والاستراتيجي فما هو هذا المجال وما هي المصالح السياسية الثنائية؟ واجابة على هذا الاستفسار علينا ان نذكر ان آسيا الوسطى منطقة اسلامية ذات خصائص تميزها عن معظم الدول الاسلامية وذلك لان دول آسيا الوسطى تعتبر بموجب دساتيرها انظمة علمانية غير دينية فقد سبق للرئيس الاوزبكي مثلا ان صرح اكثر من مرة بأنه «مسلم علماني»! ومن الاخطار التي تراها هذه الانظمة كتهديدات لمصالحها القومية ما يسمى بـ «الاصولية الاسلامية» او تطرف بعض الجماعات الاسلامية الامر الذي يكون مجالاً مهما للتعاون بين هذه الدول وبين اسرائيل فيستفيد النظام الصهيوني من قلق دول آسيا الوسطى بخطر الجماعات المتطرفة من اجل تثبيت مواقفه في المنطقة، ضمن هذا الاطار تتجه بعض دول آسيا الوسطى الى التعاون مع اي نظام يساعدها على مواجهة هذه الاوضاع ومنها روسيا. في الحقيقة تتعاون روسيا مع دول اسيا الوسطى في مواجهة بعض الحركات الاصولية ولكن لهذا التعاون حدوداً مرتبطة مع طبيعة علاقات روسيا مع ايران! اما اسرائيل فتعتبر ايران عدوها الاول! وعلى هذا الاساس تتبلور الظروف الملائمة لتعاون اسرائيل مع آسياالوسطى اذ تهتم اسرائيل ببقاء دول المنطقة علمانية واستمرارها في مكافحة ما يسمى بالارهاب وتحقيقا لهذا الهدف نجحت اسرائيل في اقامة العلاقات مع انظمة آسيا الوسطى في مجال الامن وتصر الآن على فتح قنوات تبادل المعلومات الخاصة بالامن بينها وبين دول آسيا الوسطى وذلك تحت مظلة «مكافحة الارهاب». ويمكن القول بأن اسرائيل في المجالين الامني والاستراتيجي كانت خلال السنوات الماضية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تلعب دور الشريك الصغير للولايات المتحدة الامريكية وتمثل مصالحها في المنطقة لمواجهة النفوذ الايراني في آسيا الوسطى وبحر قزوين، اما الآن فتغيرت الاوضاع تغيراً جذرياً وذلك بعد احداث 11 سبتمبر الماضي والتغلغل ـ او بالاحرى ـ الدخول الامريكي المباشر للمنطقة فلاشك ان امريكا ستبقى في آسيا الوسطى لفترة طويلة وقد تستغني عن دور اسرائيل كشريك صغير لها ومما يؤكد على الآفاق البعيدة للتعاون بين امريكا وآسيا الوسطى استعداد الادارة الامريكية على تقديم 100 مليون دولار لدعم بعض البرامج الاقتصادية والانسانية والاجتماعية لاوزبكستان. وقد تؤدي هذه التغيرات الطارئة على اوضاع المنطقة الى تغيير دور اسرائيل فيها وفي الحقيقة قد بدأت هذه التغييرات قبل احداث 11 سبتمبر وتتناول سياسة تشجيع هجرة اليهود، حيث تراجعت اسرائيل في السنوات الاخيرة عن دعم الهجرة فترجح بقاء اليهود في هذه الدول تركيزاً على اتباع الاستراتيجية الجديدة في آسيا الوسطى، وتسعى هذه الاستراتيجية نحو ضم آسيا الوسطى بالتدرج الى منطقة الشرق الاوسط باعتبار دول آسيا الوسطى عنصراً جديداً مهما للشرق الاوسط الواسع وتبذل اسرائيل كل ما في وسعها من اجل دخول هذه الدول للشرق الاوسط وفقا للشروط التي تعكس مصالح النظام الصهيوني ومن هذه الشروط بقاء هذه الدول علمانية الامر الذي من شأنه تقليص دور الدول الاسلامية واذا دخلت آسيا الوسطى الشرق الاوسط الاوسع على اساس هذه الشروط تغير ميزان القوى في المنطقة لصالح اسرائيل حتماً اما اداة تحقيق هذا الهدف فهي قلق آسيا الوسطى بخطر الجماعات الاصولية او بوهم هذا الخطر! ان اسرائيل تسعى الى تغيير ميزان القوى في الشرق الاوسط لصالحها! وعلى هذا الصعيد لا تقتصر اسرائيل على لعب دور الشريك الصغير لامريكا بل تلعب دورها الخاص وتسبق في هذه اللعبة دول الشرق الاوسط الاخرى وقبل كل شيء تسبق الدول العربية في التعاون مع آسيا الوسطى ونجحت بعض البلدان في تطوير علاقاتها الاقتصادية مع آسيا الوسطى ولكنها لم تطورها سياسيا واستراتيجياً. لذا لابد من ادراك الدول العربية والاسلامية لطبيعة التحرك الصهيوني في هذه المنطقة المهمة من العالم والبدء بنسج علاقات سياسية واقتصادية متطورة تبنى على قاعدة من المصالح المشتركة وبما يهييء لقطع الطريق على النشاط الاسرائيلي المشبوه في آسيا الوسطى. بقلم: د. ليونيد سيوكيانين _ كاتب ومحلل سياسي روسي