تحولات مدهشة طرأت في السنوات الأخيرة على المشهد الاقليمي في المنطقة التي كانت في القرن التاسع عشر مسرحا للعبة الكبرى، حيث دار الصراع في حينه بين روسيا وبريطانيا للسيطرة على آسيا الوسطى لفترة طويلة من الزمن في مجال المصالح الحيوية لروسيا القيصرية، ومن ثم السوفييتية. أما بريطانيا التي ورثتها الولايات المتحدة لاحقا فقد ركزت جهودها على الهند والشرق الأوسط ومناطق أخرى من القارة الاسيوية ثم جاءت نتائج الحرب العالمية الثانية لترسخ في مؤتمر يالطا ميزان القوى الجديد وما نجم عنه من تقاسم لمناطق النفوذ، وبدا وكأن ما من قوة في العالم قادرة على تغييره. غير أن اقتراب نهاية القرن العشرين حمل مفاجآت قلبت كل الموازين وكل التوقعات، اذا أستعيدت اللعبة الكبرى في المنطقة المذكورة على نحو جديد وانخرط فيها لاعبون جدد، بعضهم يقوم بدور البطولة، فيما يكتفي آخرون بأدوار ثانوية أو حتى بدور الكومبارس، مثل اسرائيل، وظهرت على الخريطة السياسية للمنطقة دول جديدة، وحلت الولايات المتحدة مكان بريطانيا باعتبارها أحد طرفي الصراع الرئيسيين، أما روسيا فأصابها وهن عظيم وخلل خطير في مجال نفوذها الحيوي وتكشف باطن بحر قزوين والمناطق المحيطة به عن ثروة هائلة ألهبت حماس المتنافسين. وهكذا وخلال فترة زمنية قصيرة، تحولت منطقة قزوين بثرواتها الضخمة من النفط والغاز، أكثر فأكثر الى مركز استقطاب لتجاذبات وصراعات بين قوى متعددة اقليمية ودولية، حيث تتقاطع وتتصارع مصالح وأهداف دول عدة، في مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، فضلا عن تركيا وايران وعدد من الجمهوريات السوفييتية السابقة في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وكذلك مجموعة من شركات النفط العالمية العملاقة. وفي الحقيقة فقد بدأت اللعبة الكبرى المستعادة، بمجرد أن شعرت الشركات العالمية بأن هناك فرصة لاقامة استثمارات نفطية مربحة في تلك المنطقة، حيث تهافتت على الحصول على امتيازات التنقيب عن البترول، وفي الوقت نفسه انبهرت الحكومات المحلية من هذا السباق المحموم من الشركات في العمل على تثبيت أقدامها في حقول البترول، وأدركت أن الحكومات الغربية قد تعمل على توفير دعم مالي لها في اطار صد أي محاولة من جانب روسيا لفرض هيمنتها على الموقف قبلها، وعلى الفور بدأت الولايات المتحدة في العمل جديا على زيادة النفوذ الأمريكي في المنطقة كلاعب أساسي يهدف الى الحد من فرص روسيا لاصلاح ما أفسده الدهر في علاقاتها مع دول المنطقة، والبدء من جديد في علاقات تتميز بالندية وتقوم على المصالح المشتركة بين روسيا وبينها. ولعل انخراط الولايات المتحدة في هذا الصراع الدائر، انما هو جزء من أستراتيجيتها الرسمية الى اجراء تعديلات جذرية في الوضع الجيوسياسي لهذه المنطقة في المرحلة ما بعد السوفييتية وتتلخص الأهداف الجيوسياسية البعيدة للولايات المتحدة في القوقاز ومنطقة قزوين في السعي لايجاد بديل منافس أو مواز لنفط الخليج للتقليل من الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة وممارسة الضغوط على بلدانها وجعلها أكثر استجابة للسياسة الأمريكية. وفي هذا السياق تصب الادارة الأمريكية جهودها لمساعدة رأس المال الأمريكي على الاستئثار بحصة الأسد من الاستثمارات النفطية في منطقة قزوين. وكانت النتيجة استئثار الشركات الأمريكية، مثل شيفرون وأموكو وارامكو وموبيل واكسون وبنزويل وأنوكال، بمعظم العقود والمشاريع النفطية، خصوصا في اذربيجان. كما تستهدف الولايات المتحدة انشاء البنية التحتية لما تسميه واشنطن التعددية الجيوسياسية في منطقة القوقاز في جنوبه المستقل أولا وربما في شماله الروسي لاحقا والتي تعني في الواقع حشر أو حتى ازاحة النفوذ والوجود الروسيين في هذه المنطقة كليا ويندرج ذلك في اطار مخطط أمريكي شامل، بدأ بتوسيع حلف شمال الأطلسي نحو التخوم الغربية لروسيا، ومن المقرر أن يشتمل على الامتداد في عمق الخاصرة، الأسيوية لروسيا في منطقة كانت على مدي قرون ضمن دائرة المصالح الحيوية لروسيا. وتعمل الولايات المتحدة كذلك على انشاء منظومة لممرات أورو- آسيوية لا تقتصر بالضرورة على أنابيب النفط وحدها وذلك من دون المرور عبر أراضي روسيا أو ايران أو الصين. وفي هذا المجال خطة شاملة لاستثمار ثروات المنطقة، أطلقت عليها أسم طريق الحرير وتنص الخطة على مواجهة التوسع الروسي - الايراني بخطة لبناء أنابيب لنقل النفط والغاز وانشاء طرق تجارة من بلدان حوض قزوين نحو الجنوب الغربي والجنوب الشرقي، أي عبر دول جنوب القوقاز وتركيا وصولا الى البحر المتوسط ثم أوروبا، وفي مرحلة لاحقة عبر باكستان وأفغانستان نحو المحيط الهندي. وفي اطار هذه الخطة كان يندرج الصراع بين روسيا من جهة وتركيا واذربيجان وجورجيا المدعومة بشكل سافر من واشنطن، حول خط أنابيب نقل نفط قزوين الى الأسواق الخارجية، والذي تم حسمه لغير صالح روسيا، بتوقيع اعلان أنقرة الخماسي الذي ضم تركيا وأذريبيجان وأوزبكستان وكازاخستان، برعاية أمريكية، لاعتماد خط باكو - جيجان الميناء التركي على البحر المتوسط. وبالرغم من وجود مصالح مشتركة في هذه المنطقة، الا أن دول آسيا الوسطي، لم تهتم الا بمصالحها الخاصة، وغضت الطرف تماما عن المصالح المشتركة، ولقيت هذه السياسة ترحيبا أمريكيا، وذلك حتى يدب الشقاق في وسط آسيا الوسطى، وتتوافر المجالات اللازمة لتأمين المصالح وتتحقق الأهداف الأمريكية في هذه المنطقة الحيوية. وتلعب اسرائيل دور الذيل للسياسة الأمريكية في دول آسيا الوسطى، وتوضح الزيارات المتبادلة بين مسئولي بلدان أسيا الوسطى وبين الادارة الأمريكية واسرائيل، واتفاقات التعاون العسكري المبرمة بين تلك الأطراف، الأهداف طويلة المدي لواشنطن وتل أبيب في منطقة القوقاز، وخاصة في بعدها العسكري. وفي هذا الاطار، تشكل المناورات العسكرية المشتركة، وتبادل الزيارات لاعضاء وزارات الدفاع للتعاون الأمريكي - الاسرائيلي مع دول آسيا الوسطى، ويمكن في هذا الخصوص تبرير الدفاع الأمريكي عن جمهورية أذربيجان في اختراقها الأخير للحدود البحرية الايرانية، ويأتي هذا متزامنا مع قيام كل من الولايات المتحدة واسرائيل بزيادة الاستثمار الاقتصادي وتعميق النفوذ السياسي في هذه المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ومن الأسباب الرئيسية للتواجد الأمريكي في المنطقة، سعيها لدور قيادي في القوقاز بصفة عامة وجمهورية أذربيجان بصفة خاصة لاستغلال المصادر الاقتصادية المتوافرة في المنطقة، والسعي لدعم الوضع الصهيوني بها. وفي نفس الوقت، تعمل الدبلوماسية الاسرائيلية على الاستفادة من الامكانيات المتاحة في جمهورية آسيا الوسطى، والتي من جملتها الطاقة الوفيرة، والأسواق الكبيرة، وسائر الظروف الايجابية المتوافرة في تلك الجمهوريات، لزيادة دورها السياسي وتعظيم نفوذها الاقتصادي في المنطقة. أن رغبة حلف الناتو في بسط ومد نطاق وأبعاد أنشطته نحو الشرق، اثر سقوط الاتحاد السوفييتي، قد أوجد وهيأ المجال والمناخ المناسبين لانطلاق وتقدم الأهداف الاستراتيجية للنظام الصهيوني، اذ قامت اسرائيل بتوقيع معاهد مع حلف الناتو في 3 أبريل 2001 بما يسمح لاسرائيل بالمشاركة في البرامج العسكرية لحلف الناتو. ولا يخفى ان المطالب الجديدة للناتو بخصوص تعليل الأساليب المرتبطة بنشر نظام صاروخي جديد، وكذلك سعي تل أبيب لتخزين الأسلحة، خاصة أسلحة الدمار الشامل، كل ذلك يأتي دليلا بارزا على الأدوار المتوقعة للنظام الصهيوني في مستقبل الناتو ومن أهم الثمرات الناتجة عن اتساع نطاق حلف الناتو، هي زيادة مطالبة تل أبيب وتكثيف مساعيها الجدية للوصول الى دول آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين. ومن هذا المنطلق يجب الاهتمام بمتابعة الأخبار التي تتعلق مناورات عسكرية لقوات الناتو أوائل العام المقبل في جمهورية اذربيجان، والتي يطلق عليها خبراء الاقتصاد مفتاح النفط في بحر قزوين. ومن جملة الأمور التي تهتم بها الولايات المتحدة الأمريكية في أذربيجان، الحد من نفوذ الاسلاميين فيها، والتعاون مع يهود أذربيجان بما يوفر خط طيران مباشر بين باكو واسرائيل، واقامة جمعية الصداقة الأذربيجانية مع النظام الصهيوني. ولاشك أن ما تشهده دول منطقة آسيا الوسطى من ضعف في الهيكل الامني والسياسي والاقتصادي، يشكل الفرصة الذهبية السانحة أمام اسرائيل في زيادة تقاربها مع هذه المجموعة من الدول، سواء من حيث التعاون العسكري أو الاستثمارات الاقتصادية أو تزويدها بالمعونة الفنية التي هي في أمس الحاجة اليها. كما أن البعثات التدريبية يمكن أن تسهم في وجود اسرائيلي بالمنطقة لأن هذه الدول نحتاج الى متخصصين في الاقتصاد والقانون والادارة المالية وغيرها من المجالات، ويمكن لهذه البعثات أن تكون خير سفير لاسرائيل في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى. ومن المعروف أن نشاط اسرائيل المكثف في بناء شبكة واسعة من النفوذ والمصالح مع دول آسيا الوسطى، يأتي اليوم مدعوما بخبرتها المتراكمة من جراء تعاونها الاستراتيجي المتميز مع عملاقين آسيويين بارزين هما الصين والهند، اذ يقوم بين اسرائيل والصين تعاون أساسي في مجال الزراعة بجانب الاتصالات، كما لا يخفى أن المجال العسكري والصفقات العسكرية هي الأرضية الصلبة التي شيد فوقها صرح العلاقات الصينية - الاسرائيلية في جميع المجالات المختلفة، أما التعاون بين اسرائيل والهند فيمتد الى المجالات الاستخباراتية والأمنية والدفاعية والتكنولوجية والنووية، كما تم عقد صفقات بين البلدين في مجالات الأسلحة والذخائر والمعدلات الحربية، واستكمال تطوير طائرة الانذار المبكر الهندية بنظام فالكون -1 وانشاء حائط وقائي من الموقع الهندية، وأنظمة الانذار والمراقبة في منطقة الحدود في كشمير، وآلية تبادل المعلومات الخاصة بمكافحة الارهاب بين البلدين، وكذا التعاون في مجال اطلاق أقمار التجسس وامداد الهند بصور من اقمار التجسس الاسرائيلية أوتيك. وهكذا واتساقا مع النهج السياسي المتجذر في الفكر الصهيوني بأهمية التوغل والانخراط في عوالم جديدة، يأتي الاهتمام المتزايد بمنطقة آسيا الوسطى وحوض بحر قزوين من جانب اسرائيل، بغية جني أكبر المكاسب الممكنة لخدمة أهداف المشروع الصهيوني في محاولة دؤوبه لمسك خطوط المستقبل، كما تفعل الآن في مسك خطوط الحاضر. بقلم: محمود مرتضى ـ كاتب مصري