كعادتها في اغلب الاوقات لم تستطع الدول العربية الاستفادة من تطورات ما يحدث على الساحة الدولية، فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبدلا من أن تسارع بإقامة علاقات تعاون إقتصادي واستراتيجي قوية مع الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والتي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي وجدنا أن هذا التعاون اقتصر على البعدين الديني والثقافي فقط. وبذلك تم ترك الساحة لإسرائيل لكي تقتحم هذه المنطقة وخاصة أوزبكستان حيث نجحت الدولة العبرية في إقامة علاقات اقتصادية قوية معها ومع بعض الجمهوريات الأخرى كما نجحت في تهجير عدة آلاف من أصحاب الديانة اليهودية بها إلى إسرائيل، وذلك لأنها تعرف أن لغة المصالح هي التي تستطيع أن تؤثر وهي المعترف بها في الوقت الراهن وخاصة أن جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية كانت في ذلك الوقت تعاني من مصاعب اقتصادية جمة في أعقاب انفصالها عن الاتحاد السوفييتي: «الملف» التقى د. محمد قدري سعيد المستشار العسكري لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في «الاهرام» وضياء رشوان الخبير بالمركز في محاولة لالقاء الضوء على طبيعة العلاقات الإسرائيلية الأوزبكستانية وخاصة في المجالات العسكرية والأمنية، والاستراتيجية الإسرائيلية المتكاملة تجاه جمهوريات آسيا الوسطى بأكملها بدعم أمريكي والتي تعتمد على التغلغل الاقتصادي، وطبيعة التنسيق الأمريكي الإسرائيلي في هذه المنطقة لمواجهة النفوذ الإيراني في آسيا الوسطى وبحر قزوين وتأثير ذلك على المنطقة العربية والإسلامية. ليست غريبة بداية يقول د. محمد قدري سعيد المستشار العسكري لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن إسرائيل ليست غريبة على هذه المنطقة وقد كان لها في السابق علاقات مع الاتحاد السوفييتي قبل انهياره والتي نجحت من خلالها في تهجير أعداد كبيرة من اليهود، ولكن تطورات الأوضاع على الساحة الدولية دفعت بها لأن تعزز هذه العلاقات مع جمهوريات آسيا الوسطى وخاصة بعد زيادة التواجد الأمريكي فيها في أعقاب الحرب الأمريكية ضد الإرهاب التي دارت على الأراضي الأفغانية، لقد دعمت الولايات المتحدة تواجدها في كل هذه الجمهوريات المجاورة لأفغانستان ومنها أوزبكستان وطاجكستان وهو ما رأت فيه إسرائيل فرصة لأن تدعم نفوذها هي الأخرى في هذه الدول، وكذلك في الصين والهند لأن هذا يخدم مصالحها بشكل كبير وخاصة في ظل هذا الغياب العربي والإسلامي، كما تسعى الولايات المتحدة حاليا لأن توجد علاقات تعاون إسرائيلية باكستانية حتى تزيد من النفوذ الإسرائيلي في هذه المنطقة الهامة من العالم . وعن رأيه فيما يقال من أن التنسيق الأمريكي الإسرائيلي في هذه المنطقة من العالم يأتي لمواجهة النفوذ الإيراني في آسيا الوسطى وبحر قزوين يشير د. قدري سعيد إلى أن الحسابات الأمريكية مازالت ترى أن إيران يحكمها التيار المحافظ المتشدد وهذا يهدد مصالحها في الخليج، كما أن هناك ثأرا كبيرا وقديما بين الولايات المتحدة وإيران والمتمثل في موضوع اقتحام السفارة الأمريكية في طهران من جهة، وثأرا أخر بينها وبين إسرائيل والتي لم تنس طردها من إيران بعد قدوم الخميني وبعد أن كانت قد نجحت في إقامة علاقات قوية معها في عهد الشاه، والولايات المتحدة وإسرائيل . وهم يرون أن إيران تمثل تهديدا لهما لأنها تسعى لتنمية قوتها العسكرية الصاروخية وأنه يجب الإضرار بها وفي أقرب فرصة وضمن ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب، وحتى التيار الموجود في الإدارة الأمريكية الذي يعارض هذا الاتجاه ويرى في فترة خاتمي فرصة لخروج إيران من أسر التيار المحافظ، هذا التيار قد خفت صوته تماما الآن ويضيف: إسرائيل تسعي في الوقت الحالي لدفع الولايات المتحدة لضرب العراق ودول أخرى في المنطقة في إطار حملة مكافحة الإرهاب، كما تسعى لمحاصرة إيران في أماكن نفوذها ومنها منطقة آسيا الوسطى وذلك بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية والتي دعمت تواجدها العسكري في المنطقة . فرصة ذهبية وفيما يتعلق بتأثير هذا النشاط الصهيوني في وسط آسيا على المنطقة العربية يرى د. قدري سعيد أن إسرائيل تتخيل أن أمامها فرصة ذهبية الآن لكي تبذل أقصى ما في وسعها لاقناع الأمريكان أنه آن الأوان لكي يعلنوا الحرب على كل الأطراف التي ترى إسرائيل أنها تمثل تهديدا لها وأن يتم ذلك تحت مظلة 11 سبتمبر ومحاربة الإرهاب وهناك دول مرشحة لوقوع الهجوم عليها حاليا وأهمها العراق وليبيا، أما حزب الله والفلسطينيون فترى إسرائيل أنها كفيلة بهما، إسرائيل تضع كل ثقلها لكي ينجح هذا المخطط وأن تدفع الولايات المتحدة بإتجاه ضرب بعض الدول في المنطقة سواء كان لهم علاقة بأحداث 11 سبتمبر أم لا، وهي في سبيل ذلك المخطط تقدم العديد من المبررات لأمريكا لكي تتورط في ذلك فمثلا بالنسبة لإيران تركز في حملتها على احتمال وجود سلاح نووي لديها، أما العراق فهناك الكثير من المبررات وأولها رفض استقبال لجان التفتيش الدولية، ومن هنا لابد للعرب أن ينتبهوا جيدا لهذا المخطط وأن يفوتوا الفرصة على إسرائيل. ويعتقد د. قدري سعيد أن مؤتمر القمة العربي القادم والذي سيعقد ببيروت في مارس المقبل يعد فرصة ذهبية ولابد من التخطيط له بعناية من أجل إحباط هذا المخطط الإسرائيلي، كما لابد في الفترة المقبلة من توطيد العلاقة مع الولايات المتحدة وخاصة أن هناك عملا كبيرا قد تم في هذا الاتجاه، كما لابد أن يكون هناك تنسيق ومن الآن مع العراقيين والإيرانيين لتغيير طبيعة الخطاب الرسمي لهما،القمة العربية القادمة لابد من دراسة جيدة لأجندتها وبحيث تخرج منها رسائل واضحة للحلفاء في الشرق والغرب مفادها أن لهم مصالح لدينا ولابد من المحافظة عليها وكل هذا يصب في إطار دحض المخطط الإسرائيلي للإيقاع بين دول المنطقة والولايات المتحدة، لابد أن تخرج القمة بموقف واضح ورؤية واضحة وحاسمة بالنسبة لعملية السلام، وكذلك بالنسبة للمشكلة العراقية، كما لابد من التشاور مع إيران والتنسيق معها بشأن مستقبل المنطقة حتى لا تنجح إسرائيل في دفع الولايات المتحدة للبطش ببعض دول المنطقة وخاصة العراق. مناطق عديدة ومن جانبه يرى ضياء رشوان الخبير الاستراتيجي بالمركز أن هناك خطأ شائعا وهو الربط بين الوجود الأمريكي والإسرائيلي في مناطق عديدة من العالم، وعندنا الأمثلة على ذلك، ففي أفريقيا الإسرائيليون موجودون بكثافة رغم عدم وجود الأمريكان فيها، أما بالنسبة لوجودهم في جمهوريات وسط آسيا الإسلامية فهو مرتبط وقبل التواجد الأمريكي بالمصالح الإسرائيلية، ولكن هذا لا ينفي أن التواجد الأمريكي قد يساعدهم في الكثير من الأمور ويوفر عليهم الكثير من التكاليف وعموما وجود الدولة الصهيونية في هذه المنطقة له الكثير من الأسباب أولها الموقع الاقتصادي الهام والمتمثل في وجود نفط بحر قزوين، وثانيها أن هذه المنطقة قريبة من باكستان ومعروف أن باكستان تمثل أهمية كبرى لإسرائيل منذ بدأت في تنفيذ برنامجها النووي، وهي تريد أن تكون قريبة من كل التطورات في هذا البلد الإسلامي، وحتى تكون جاهزة لاتخاذ أي خطوات ضده مستقبلا. وعن رأيه في أن هناك تنسيقا أمريكا إسرائيليا للتواجد في هذه المنطقة لمواجهة النفوذ الإيراني بها يقول رشوان، اهتمام إسرائيل بإيران يعود لفترة طويلة مضت وله أسبابه أيضا وأهمها طبيعة الموقف الإيراني من الدولة العبرية والذي يتمثل في رفضها، وكذلك دعم إيران المباشر لحزب الله لهذه الأسباب وغيرها وخاصة التفوق العسكري الإيراني إسرائيل تهتم بإيران وحريصة على أن تكون على دراية بكل تطورات الأوضاع فيها، كما تحرص على استغلال الخلاف الإيراني الأمريكي في تأليب الولايات المتحدة عليها لأنها ترى في قدراتها العسكرية تهديدا لها. ويؤكد رشوان أن هذه المناطق تعد بمثابة امتداد طبيعي للعالمين العربي والإسلامي سواء من ناحية المصالح الاقتصادية أو من حيث الأهمية الاستراتيجية، والغريب أننا لم نتعامل مع هذه الأهمية بالقدر الكافي وكل ما حدث من تعاون بيننا وبين هذه الدول هو مجرد بعثات دينية من الأزهر الشريف، رغم أنه من المفروض تكثيف العمل والتعاون مع هذه الجمهوريات التي تريد العودة إلى أحضان العالم الإسلامي وشعوبها تتشوق لذلك، وقد كان من الممكن أن تلعب الدول العربية والإسلامية دورا مهما في دعم شعوب هذه الدول عن طريق تقديم المساعدات الاقتصادية والتعليمية لها حتى نكون قريبين من هذه المنطقة الهامة للغاية من العالم وبدلا من ترك الساحة للدولة الصهيونية لكي تقوم هي بهذا الدور، فإسرائيل موجودة هناك ومنذ فترة وبأشكال مختلفة بما فيها التواجد العسكري في بعض هذه الدول. القاهرة ـ مكتب «البيان»: