استقبل اللبنانيون عامهم الجديد، دون وجود أية بارقة أمل في تحسّن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي ازدادت سوءاً، ووصلت الى درجة ان الفقر يدق ابواب الغالبية دون استثناء. بل ان الجميع يتذكر بأسى وألم، ان سنوات الحرب الأهلية والخراب والدمار، لم تكن الاوضاع فيها مثلما هو الحال الآن. واستناداً الى لغة الارقام، تظهر تفاصيل الواقع الاليم، حيث يوجد من بين مليون شخص قادر على العمل، نحو 150 الف عاطل، اي بنسبة 14% ويتزايد هذا الرقم ومعه اعداد المهاجرين أو الراغبين بالهجرة، خاصة في ظل تزايد الصرف الجماعي من العمل والذي شمل خلال العام الماضي وحده، ما لا يقل عن 14 الف عامل وموظف في القطاعين العام و الخاص على حد سواء. وتضيف لغة الارقام ان الجوع يدق ابواب 90% من العائلات اللبنانية، باعتبار انها تنفق اكثر من دخلها، فيما تشير تلك الارقام الى ان 35% من الاسر يعيشون «دون عتبة الاشباع»، و7% من الاسر تعيش في حالة متدنية جداً، و25% في مستوى متدن. وفي ظل ذلك تنقرض الفئة المتوسطة لتصبح الأكثرية الساحقة فقيرة وما دون، والأقلية الغنية وما فوق نادرة، ويحاول المسحوقون تدبر امورهم سواء بالهجرة أو بعمالة اطفالهم وفي النهاية الديون تتراكم. التجاذبات السياسية ولا شك ان التطورات الاقليمية والدولية، خاصة بعد 11 سبتمبر الماضي، منذ التفجيرات في واشنطن ونيويورك لعبت دوراً اساسياً باتجاه تفاقم الازمات الاقتصادية المحلية في لبنان، خاصة ما رافقها وما اعقبها، مما ما زال قائماً حتى الآن من تجاذبات سياسية سواء بين اهل الحكم انفسهم، أو بين السياسيين والنقابيين مثلاً. يقول حاكم مصرف لبنان (البنك المركزي) رياض سلامة مجيباً عن سؤال حول اهمية تلك التجاذبات ومدى انعكاساتها اقتصادياً ومالياً. ـ للتجاذبات السياسية الاثر الظاهر على سوق النقد. وهذا حاصل عندنا منذ عدة سنوات لأن لبنان بماليته العامة، ومديونيته المرتفعة تهتز الثقة به عندما يحصل تجاذب سياسي. لأن الاسواق تركز في تطلعاتها على التوافق السياسي الذي ينتج القرار الاقتصادي، والاسواق تنظر، اول ما تنظر، الى مشكلة خفض العجز، لأن المديونية قابلة للتعاطي معها على امر اطول، ولكن في غياب الوفاق السياسي، فإن مثل هذه الآمال تغيب. ولذا فإن ثقة الاسواق تتراجع ويترجم ذلك في سوق القطع. ـ ماذا بشأن ارتفاع نسب التضخم؟ ـ يقول سلامة: يعلن مصرف لبنان عن اهداف ترتكز فعلاً على استقرار سعر صرف الليرة، واستقرار بنية الفوائد، لأن هذا الامر يقودنا الى تراجع في نسب التضخم، والتي يهمنا ان تبقى متدنية، لأننا نستطيع ان نصل معها الى نمو افضل اقتصادياً، والمحافظة على القوة الشرائية الموجودة لدى المواطنين اجتماعياً، ولذا نحن مستمرون في هذه السياسة وفي هذه الاهداف. عام اقتصادي صعب ويعطي سلامة صوراً ايجابية على المتانة الاقتصادية المحلية رغم كل البلبلة المالية القائمة بعد 11 سبتمبر خاصة. لكن في نظر الخبير المالي والاقتصادي الدكتور لويس حبيقة، فإنه من الخطأ ربط ما يعانيه الاقتصاد العالمي من مشاكل بحدث التفجيرات في الولايات المتحدة، وما نتج عنه من تداعيات «ان الاضطراب في الاقتصاد والسوق المالية عالمياً كان قائماً قبل هذا التاريخ. وقد بدأت ملامحه تظهر في امريكا نفسها منذ مارس الماضي». ويوضح د. حبيقة ان الولايات المتحدة خرجت اقتصاديا من مفاعيل تلك الاحداث اقوى، بالنظر الى التدابير السريعة التي اتخذتها لدعم كبريات الشركات لديها، اضافة الى الدعم الدولي الذي لقيته. ـ لكن ما كان انعكاس كل ذلك على الوضع الاقتصادي والمالي الداخلي في لبنان؟ ـ يرى د. حبيقة ان «ما نحن عليه اليوم وضع مترد لن يتغير، فقد دخلنا في سنة اقتصادية جديدة صعبة ايضاً، ذلك ان المشكلة الاقتصادية في لبنان تكمن في سوء ادارة الدولة الاقتصادية، اضافة الى عوامل اخرى. لذا فإن العجز لا محالة قائم. وفي ظل هذا الواقع تتفاقم المعاناة في لبنان وتشمل كل مرافق الحياة والمعيشة دون استثناء». الجوع والفقر فالجوع بات يدق بقوة ابواب مئات الآلاف من الاسر اللبنانية. ويتذكر المتقدمون في العمر الشعارات التي كان يرفعها المتظاهرون، كلما كانت تشتد الازمات الاقتصادية وتقول: «بدنا ناكل جوعانين». ويشكل هذا واقع الحال الآن، ففي ظل فقر مدقع، يزيد حفراً في الجيوب بسبب كثرة الانفاق وتراجع المداخيل والموارد، يصبح الجوع سيد الساحة، خاصة «الجوع المقنع». لذا، من الصعب تحديد احصاء لعدد المنتسبين الى نادي الجوع اللبناني، لكن كل ما هو واضح ان مئات الآلاف يعيشون تحت خط الفقر، وينامون وبطونهم خاوية، او ما يحاذي ذلك ويلامسه. ولا يبدو الامر غريباً بالمقارنة مع الولايات المتحدة الامريكية نفسها مثلاً، وهي ذات أعلى ناتج قومي اجمالي في العالم، وقد وصل الى 7.783 تريليونات دولار، وبحصة عالية للفرد الأمريكي من الناتج القومي الاجمالي وصل الى 29 الف دولار لعام 1997، ولكن رغم ذلك بلغ عدد الأمريكيين الذين تم تصنيفهم كـ «جياع» في الولايات المتحدة حوالي 30 مليون انسان من مجموع السكان الامريكيين البالغ عددهم 271.8 مليون شخص، اي ان 11% من سكان اقوى اقتصاد في العالم يعانون من الجوع (وقد اورد هذه الارقام الدكتور محمود خالد المسافر، من قسم الاقتصاد، كلية الادارة والاقتصاد في جامعة بغداد) في دراسة متخصصة انجزها مؤخراً بعنوان «العولمة وواقع الفقر في الوطن العربي». ويقود ذلك الى مقارنة كلاسيكية مفادها انه اذا كان الجوع قد وصل الى ذلك المستوى العالي في الولايات المتحدة ذاتها، فكيف يمكن ان يكون عليه واقع الحال المفجع في وطن مثل لبنان، بات النهوض فيه لبلوغ خط الفقر العادي حلما وطنيا ونضالا نقابيا دؤوبا؟! حيال ذلك اهتمت الحكومة بدراسة الامر، سعياً الى معالجات مأمولة. فماذا في ابرز نتائجها؟ تجيب المديرة العامة لوزارة الشئون الاجتماعية نعمت كنعان مصوّرة واقع الحال: ـ لا تبدو الاسرة اللبنانية بخير ابدا. فهناك 90% من العائلات تنفق اكثر من دخلها، بالرغم من شد احزمتها، والفئة المتوسطة تنقرض، والعجز يُسد بعمل الصغار والاستدانة، والضائقة تتوسع وتتعمق. فهناك 3.7% من اسر لبنان مرتاحة، بل هي مرتاحة جداً، وكسرت بذلك قاعدة الـ 4% من المترفين التقليديين، التي كانت تترافق دائما مع وجود طبقة متوسطة عالية النسبة. لقد استبدلنا في دراسات الوزارة، بالتعاون مع منظمات وهيئات محلية ودولية معنية كلمة «الفقر» بعبارة من كلمتين هما «احوال المعيشة»، أو عبارة اخرى هي «درجات الاشباع». وما توصلنا اليه هو ان 35% من السكان في لبنان يعيشون دون عتبة الاشباع. وهذا يعتبر عملياً مؤشراً لنسبة الفقر في لبنان. تغيرات رقمية لكن ثمة تغيرات في لغة الارقام بالنسبة للمستشارين في «منظمة العمل الدولية» و«الاتحاد العمالي العام» الدكتورين بشارة حنا وغسان شلوق اللذين يقولان انهما اجريا دراسة على انفاق الاسرة في لبنان وفرنسا وكندا، وتوصلا الى النتائج الاساسية التالية: متوسط الانفاق على المواد الغذائية في كندا 4375 دولاراً، و5511 دولاراً في فرنسا، وبين 5450 الى 5828 دولاراً في لبنان. ومتوسط الانفاق على النقل والعناية الطبية والتعليم 5183 (لبنان) مقابل 5988 (في فرنسا). ومثل ذلك يعني ان مستوى المعيشة مرتفع جداً في لبنان بالمقارنة مع فرنسا وكندا، خاصة لجهة السلع الاستهلاكية اليومية، لا سيما الغذائية منها. خريطة الانفاق هذا المثال الذي يعطيه د. حنا ود. شلوق عن الواقع التعليمي في البقاع، يعكس خريطة للانفاق الاسري في لبنان من جهة، ومدى تفاقم الحاجات في منطقة اكثر من سواها من جهة ثانية. وهذا ما يلفت اليه مدير «البرنامج الوطني لتحسين احوال المعيشة» اديب نعمة الذي يلفت اولاً الى ان احصاءات وزارة الشئون الاجتماعية عن الفقر والجوع (والتي اشارت اليها اعلاه المديرة العامة للوزارة نعمة كنعان) توفرت نتيجة دراسات متطورة من ناحية اسلوب تنفيذها وطرقه، لهذا طلبت منا الفلبين مؤخراً الاطلاع على الطريقة التي اعتمدناها في قياس الفقر في لبنان. يتابع نعمة قائلا: لقد اظهرت لنا تلك الاحصاءات ان 7% من الاسر تعيش في حالة معيشية متدنية جداً، و25% بمستوى متدن، اي ما مجموعه 32% من الاسر اللبنانية. ومقابل ذلك يوجد حوالي 42% في مستوى وسط، ولكن لا يعني ذلك طبقات وسطى، أي الناس الذين يكتفون ضمن الحاجات المعيشية الضرورية، ويوجد 22% بمستوى مرتفع، وحوالي 4.3% بمستوى مرتفع جداً. بيروت ليست بأفضل كثيراً ـ لكن إلى أي مدى تلاشت المدن مثل تلك النسب العالية جداً مناطقياً في بيروت مثلاً؟ ـ د. حنا وشلوق يعودان للاجابة بقولهما: الامر يختلف كثيراً في العاصمة. اذ يمكن ان نسجل بكل بساطة ملاحظات سلبية كثيرة ابرزها على سبيل المثال لا الحصر: ان العديد من الاسر تعيش دون الحد الأدنى الضروري للحفاظ على صحة جيدة، ويحصلون بالتالي على سعرات حرارية يومية لا تصل الى المتوسط المحدد من قبل المنظمات الدولية. وزادت كميات السلع الغذائية التي تعتمد يوميا على العديد من المعجنات، خصوصاً صنع «المناقيش» واستهلاكها، كما استهلاك كميات كبيرة من الخبز لتعويض النقص الحاصل في السلع الغذائية الاخرى. كذلك تراجع استهلاك الاسر من لحم الضأن (لأنه الاغلى سعراً) والاستبدال باللحوم الارخص من الابقار والدجاج بشكل خاص. اضافة الى ان النفقات الوسطية على الملابس قد سجلت نسبة متدنية في موازنة الاسرة. باختصار ليس للفقر طائفة ولا للجوع خريطة وجغرافيا أي في مناطق دون سواها. واقع باهت ـ في مقابل ذلك الوضع الانفاقي للاسرة اللبنانية كيف تبدو الامور المتعلقة بمداخيلها؟ وإلى اي مدى يصل التفاوت المريع بين السرعة الجنونية في الانفاق، و«الفرملة» الخانقة في المدخول؟ ـ نعمة كنعان مجيبة: ان الدخل الوسطي المحقق لعائلة من خمسة اشخاص يتراوح سنوياً بين 12.5 مليون ليرة في الشمال والبقاع والجنوب، و18 مليونا في بيروت وجبل لبنان، مما يظهر عجزا واضحا في موازناتها. اما كيف تتم محاولات سد هذا العجز، فهناك 15% من الاسر تلجأ للحصول على المساعدات، و30% منها بواسطة التحويلات الخارجية. والنسبة الباقية عن طريق تشغيل اولادها (تفاقم عمالة الاطفال والصغار) والاستدانة، وشد الاحزمة على حساب صحتها، ونوعية عيشها، مما يعمق عدم الاستقرار الاجتماعي بطبيعة الحال. ـ نعمة: لقد اشرت الى ان للفقر حضورا مميزا واكثر عمقاً واتساعا وحدة في منطقة الشمال. فمستوى الدخل الفردي هناك 145 الف ليرة شهريا (الحد الادنى الرسمي للاجور 300 الف ليرة)، وهذا الدخل الوسطي هو الادنى في لبنان، حيث ان المعدل الوطني هو 202 ألف ليرة. ـ د. حنا وشلوق: ضمن المقارنة نفسها بين لبنان وفرنسا وكندا، يمكن الاشارة الى ان متوسط دخل الاسرة 12500 دولار سنويا (لبنان) مقابل 29900 دولار (فرنسا)، و33950 دولارا (في كندا)، ويتوزع دخل الاسرة في لبنان على العديد من المصادر، ويتركز الاساس فيها على العمل (ما يزيد على 61%). وتتنوع هذه المصادر بين خمسة ابواب هي: العمل المتأني من الاجر للاجراء، الدخل في العمل من مهنة حرة أو من اجر لأصحاب المؤسسات الصغيرة، التحويلات الخارجية والأرباح، التوظيفات والاستثمارات في الخارج، اضافة الى الدخل المتأتي من الفوائد والأسهم وبيع العقارات. الا ان المشكلة الرئيسية تبقى خارج تلك الابواب والمصادر، اذ انها تتمثل بتوزيع الدخل بشكل صحيح على الاسر كافة في لبنان. وهذا غير حاصل، بل نلاحظ ان العكس تماماً هو السائد لجهة سوء التوزيع وسيادة الاستئثار والاحتكار وما شابه. لكن حل تلك المشكلة غير وارد في المرحلة الراهنة، ولا المنظورة. فهي ستبقى مستعصية على اية حلول، وإلى ابد الآبدين، اذا ما استمر غياب السياسات الرسمية التنموية الشاملة على الصعيد الوطني. لذلك يسعى المواطن الى «حلحلة» ما أمكن من صعوباته المعيشية، في مقدمتها في ذلك الاطار، البحث عن مصادر اضافية للدخل. فعمل واحد لا يكفي. ولابد من جمعه مع اعمال اخرى. اذا ما أمكن ذلك. لكن لا شيء ثابتاً يحكم هذه التوجيهات التي تبقى تدور هي الأخرى في حلقات من الفلتان والفراغ العقيمين، عامة. الأمر نسبي، ولا ينطبق على محمد خضر فخري (وهو مسئول عن محل للثياب). يقول: «لا أحتاج الى عمل آخر غير مساعدة شقيقي في محله هذا الذي يملكه. فإنني ما زلت طالباً في الجامعة، وليست لديّ مسئوليات عائلية، وأوضاعنا المالية معقولة و«مستورة». حتى ان وظيفة عرضت عليّ في مجال الكمبيوتر ولكنني اعتذرت عن عدم قبولها. فأنا لا أريد ان اعمل في هذه المرحلة، لأن الأولوية تبقى لإنجاز دراستي الجامعية». ويبدو ان ضعف مستوى الاجور لا يشجع الطالب على العمل في اوقات فراغه. وغالباً ما يكتشف هذا الضعف واللاجدوى في وقت لاحق، فيأخذ قراره بترك العمل اما لمتابعة الدراسة، او سعياً لوظيفة افضل، كما هو حال المواطنة سامية محيي الدين (العاملة سابقاً على صندوق الحسابات في احدى الشركات)، والتي تقول: «عملت لمدة سنة في محل على الصندوق، وتحديداً منذ تخرجي من الجامعة. ولكن المعاش (الراتب) القليل، اضطرني الى ترك العمل، لأنني شعرت ان عملي كان احتكاراً من صاحبه لوقتي وعلمي وتعبي. فقررت ان ابقى بدون عمل الى ان اجد بديلاً افضل. فلو توعكت صحياً، ومرضت بسبب جهدي في العمل لما كنت سأستطيع ان أؤمن مصاريف العلاج. ففي لبنان لا حقوق للمواطنين ولا كرامة للموظفين. حالياً افتش عن عمل، لكنني لم اجد حتى الآن. فلا وظائف شاغرة. فبالرغم من اننا من حملة الشهادات الجامعية الا ان لا وظائف يمكن ان نعمل فيها. حتى ان المهندسين والمحامين باتوا من الموظفين الاداريين، اي انهم لا يجدون عملا في اختصاصهم في الهندسة والمحاماة. باختصار المعيشة صعبة، وانني مستعدة للعمل في اي وظيفة، شرط ان تكون محترمة، وبراتب جيد يسد الحاجة. احد المحامين يشهد بالموافقة على ذلك الكلام، فيقول المحامي سمير حرب «اعمل محاميا منذ تخرجي من الجامعة وإنهاء تدريبي. قوانين مزاولة المحاماة تمنع على المحامي من العمل في مهنة اخرى في الوقت نفسه الى جانب اختصاصه. والعمل قضائي مكلف، والدورة الاقتصادية تنعكس على حجم العمل. وقدرة الزبون على تغطية فاتورة العمل اقل من محدودة، ومما يجب ان تكون عليه للتسديد». وثمة حالات لا يجد الموظف انه بحاجة الى وظيفة ثانية او أكثر الى جانب عمله الاساسي. مثل موظف يتقاضى راتباً معقولاً، ويعمل في اسرته اكثر من معيل، يتعاونون فيما بينهم على جمع مداخيلهم، خاصة اذا ما كانت ثمة اعباء عائلية خاصة ملقاة على عاتقه. وهذا هو حال سمر دوغان الموظفة في قسم الابحاث في صحيفة «النهار» في بيروت، تقول: انني متزوجة، ولديّ عائلة. بالنسبة لي، يكفيني عمل واحد، لأن زوجي يعمل ايضاً، ولأنني اعمل بدوري، فإنه لا يحتاج كذلك الى عمل اضافي. ولو كان زوجي المعيل الوحيد للاسرة لاضطر للعمل في وظيفتين، وربما اكثر، لأن المصاريف باهظة، وتتزايد، والمصاري قليلة وتتراجع قوتها الشرائية باستمرار. فماذا يمكن ان يؤمن حدا ادنى من الدخل لا يتعدى 300 ألف ليرة شهرياً. لكن واقع الحال ذاك لا ينطبق على الكثيرين، فهذه المواطنة اماني مجدلاني، المسئولة في محل «نو بيجو» تقول: «اعمل في هذا المحل منذ سنوات من الثامنة صباحاً، وغالباً حتى التاسعة ليلاً، اي اكثر من 12 ساعة يومياً. هذا الدوام يعني وكأنني اقوم بعملين في مكان واحد. لكن هذا في الشكل، اما في المضمون فإنني لا اتقاضى سوى راتب ضئيل. ولو كان لدي الوقت اللازم لبحثت عن عمل اضافي اخر. فالمعيشة غالية جداً في لبنان. والرواتب لا تكفي. وعمل شخص واحد لا يستطيع ان يسد الحاجات الضرورية والملحة للمنزل والاسرة. وفي اسر كثيرة يعمل اكثر من شخص في وقت واحد، وبالكاد هم قادرون على سد رمق العيش. لا ادري كيف ما زلنا نعيش في لبنان. ولا ندري المزيد من الكوارث والحاجة والفاقة التي تتزايد على الجميع يوماً أكثر من آخر؟ أين الدولة؟ تجيب نعمة كنعان على ان الدولة حريصة على مساعدة مواطنيها، ومعالجة أزماتهم ومشاكلهم وقضاياهم الحياتية، وان كانت بمعظمها متفاقمة ومتزايدة. تقول: «لا يختلف اثنان على ان لبنان يواجه في الوقت الحاضر بالذات تحديات ناجمة عن سعيه للنهوض بأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية ووضع سياسات سكانية واستراتيجية إنمائية تسهم في خلق التوازن بين الاحتياجات السكانية المتنامية والموارد الاقتصادية والاجتماعية المتاحة. وقد قامت الدولة في هذا المجال وبدءا من العام 1994 باعداد وتنفيذ مسح المعطيات الاحصائية للسكان والمساكن بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان. وقامت بمشاركة وزارة الصحة العامة في اعداد وتنفيذ مسح صحة الأم والطفل. وقد اختارت الوزارة هذا العمل بسبب الحاجة الماسة اليه، وخاصة في فترة ما بعد الحرب، ولعدم توافر معطيات احصائية أساسية حديثة في المجالات السكانية والاجتماعية والاقتصادية والصحية وغيرها، حيث ان المعطيات المتوفرة في هذه الجالات كانت إما جزئية لا تغطي كامل المحافظات والأقضية في لبنان، وإما قديمة نسبيا. وتتابع كنعان قائلة حول الحلول الممكنة والأطر اللازمة لها في التصدي لتلك المعطيات ومعالجتها: «لقد تم وضع العديد من التدابير كخطوات متابعة لبرنامج (وضع استراتيجية الفقر) وأولى هذه الخطوات هي (البرنامج الوطني لتحسين أحوال المعيشة) الذي يمتد بين ثلاث الى خمس سنوات، وقد بدأ العمل في المرحلة الأولى منه اعتبارا من العام 1999. والأهم الذي يحتويه انه يهدف الى وضع استراتيجية وطنية للحد من الفقر، ودعم قدرات الحكومة على تنفيذها، كذلك تأمين الاحصاءات الاجتماعية وتحسينها، وبلورة الانظمة اللازمة لمتابعة تطور انحسار الفقر، وتحريك المجتمع المحلي وحثه على مكافحة الفقر. وستتناول المرحلة الأولى ثلاثة أنواع من الانشطة هي: أولا: تنمية قدرات وزارة الشئون الاجتماعية على كافة المستويات لأنها الدافع الأساسي لأي عملية انمائية قد تسهم في مكافحة الفقر. ثانيا: تنفيذ مشاريع تنمية محلية يصل عددها الى حوالي 15 مشروعا في منطقة عكار وباب التبانة في طرابلس. ثالثا: التحضير لاجراء مسح شامل يهدف الى توسيع قاعدة المعلومات المتوفرة. ويقول مدير البرنامج ذاك (الوطني لتحسين أحوال المعيشة) أديب نعمة موضحا ايضا: «بناء على التقارير التي وضعناها، نحضر حاليا خطة متكاملة لمنطقة عكار تسمى (برنامج التنمية الريفية) فيها. وفي الوقت نفسه تطور وزارة الشئون الاجتماعية من عملها وأدائها على المستوى الخدماتي العام، فهي تقوم باعادة هيكلة نشاطها وأولوياتها بما ينسجم مع نتائج الدراسات التي يتم اعدادها، ولاسيما دراسة أسباب الفقر. لكن معالجة هذه الأسباب لا تقع فقط على عاتق وزارة الشئون، إنما ايضا على كافة الوزارات. لكنه من المؤسف ان نقول انه رغم هذه المسئولية الجماعية فإن «خارطة أحوال المعيشة» للاحصائية غير معممة على كافة الادارات اللبنانية حتى الآن»! أما الدكتوران حنا وشلوق فيريان ان الحلول المطلوبة من الدولة للواقع المعيشي المزري القائم، يجب ان تتضمنها سياسة استراتيجية محددة وشاملة، ترتكز بشكل خاص الى نقاط اساسية، يحددانها بقولهما: 1ـ توزيع عادل للثروة عموما، وللمداخيل خصوصا، يعتمد اساسا الاجر العادل الكافي. 2ـ حماية الحد الادنى من التعويضات المكملة للاجر. 3ـ ضمان ان لا تتحول الاجور المضخمة والتعويضات المكملة لها، عائقا حقيقيا في طريق استمرار الانتاج والنمو، وبالتالي سببا من اسباب الغاء الوظائف. 4ـ تحديد معايير اقتصادية ـ اجتماعية واضحة واساسية لمراقبة تطور الاجور منها كلفة العيش، انتاجية العمل، وسواهما. 5ـ الاحتكام الى الحوار لمعالجة المشاكل الطارئة، ولتحديد الخطوات المقبلة. 6ـ ادخال زيادة فورية على الاجور بمستوياتها كافة. 7ـ اعتماد مبدأ التصحيح العقلاني والعادل للاجور. 8ـ تحديد الحد الادنى للاجور وفق معايير واضحة يتم الاتفاق عليها، بدل اللجوء الى تعيين مثل هذا المؤشر بطريقة عشوائية مؤذية. 9ـ اعادة الاعتبار ايضا للتعويضات الاجتماعية على ان لا يتحول التعويض الى سبب للهدر. 10 ـ تدعيم مؤسسات الانتاج ومساعدتها، خاصة عبر التسليف والتسويق. الهدر البشري وعلى ضوء ذلك يأمل الخبراء، كما المسئولون ايضا، انتاج سياسة استراتيجية تضع حدا للانهيارات الاقتصادية والمعيشية والحياتية، وتوقف الهدر الحاصل خاصة على المستوى البشري حيث البطالة والهجرة باتتا حلم كل شاب وفتاة وجامعي وطالب، وباحث عن عمل، ومعيل عائلة، فلا واقع حاصلا الآن سوى، «تكديس» البشر خاصة من ذوي الكفاءات والاختصاصات والحاجات، سواء في المنازل عاطلين عن اي عمل، او عبر وسائل النقل الى الخارج، حيث هجرة قد تصل الى مدى الحياة. وقد ازداد مثل ذلك الواقع ضغطا، خاصة خلال السنوات العشر الاخيرة وحتى الآن حيث شهد لبنان، ولايزال، تحولات واسعة ارتبطت بالعديد من المتغيرات السياسية والاقتصادية والامنية فيه، كما في منطقة الشرق الاوسط، وقد كان لكل من هذه التحولات تأثيرات سلبية بالمطلق على كل القطاعات الحياتية والاجتماعية، وبقي الشأن المعيشي عرضة للانعكاسات السيئة. وفي ظل المعاناة الحالية التي يشهدها الوضع الاقتصادي العام في لبنان من جمود في العديد من المؤسسات الانتاجية والتجارية نتيجة تدني القدرة الشرائية للاجور والمداخيل لدى العديد من الاسر والعائلات، اتى (حسب حنا وشلوق): «الانفاق المتزايد على بعض الابواب الرئيسية من تعليم وطبابة ونقل وسكن في سلم الاولويات لدى العائلات، وهذا ما ادى الى تراجع كبير لدى المواطن في تخصيص نسب معينة من دخله لشراء العديد من السلع الضرورية والكمالية الاخرى، وقد انعكس ذلك تراجعا موازيا ملحوظا في الطلب على العديد من السلع الاستهلاكية، وتفاقم البطالة والهجرة والصرف الفردي والجماعي من المؤسسات والشركات». وتعطي مديرة عامة الشئون صورة قائمة لمثل هذه الافات الضاغطة خاصة على مستوى البطالة، فتقول نعمة كنعان: يتميز عرض العمل في لبنان بوجود مليون ناشط و 150 الف عاطل عن العمل، مما يولد نسبة بطالة بحدود 14 بالمئة، وللبطالة هذه اسباب عديدة منها غياب المعلومات بالنسبة لطلاب العمل وغياب الكفاءة اللازمة، وعدم القدرة على الاقامة بالقرب من مركز العمل (حيث تبرز اشكالية صعوبة الانتقال)، وتراجع الطلب الداخلي الذي يسبب ركودا في الحركة الاقتصادية، وان توزع عمل الناشطين في لبنان هو بنسبة 16 بالمئة في القطاع العام والمصالح المستقلة والبلديات 83 بالمئة من القطاع الخاص، وواحد بالمئة من القطاعين الاهلي والمشترك. لكن لغة الارقام تعود الى التلعثم مرة اخرى، كما هي العادة والمعلومات المتناقضة والمتباينة في الشأن الاحصائي اللبناني. اذ ان نسبة البطالة في تقدير رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن تصل الى 40 بالمئة وليس 14 بالمئة كما قالت نعمة. بيروت ـ وليد زهر الدين