استبعد الدكتور بهيج طبارة، وزير الدولة في لبنان، الوزير السابق للعدل احتمال تعرض منظمات في لبنان تتهمها الولايات المتحدة بالإرهاب لأية عمليات عسكرية امريكية أو دولية، مؤكداً ان استبعاده لذلك الاحتمال يرجع للسمعة الجيدة التي يتمتع بها لبنان دولياً حيال مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال. وأوضح الوزير في حوار شامل في «البيان» ان لبنان لم ينتظر احداث 11 سبتمبر ليتخذ الاجراءات ويستن التشريعات اللازمة لمحاربة هاتين الظاهرتين، اذ اتخذ منذ السبعينيات وحتى الآن سلسلة من التدابير حددت مفهومه للإرهاب وفصله عن حق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة الاحتلال. ـ ما هي المضامين الاساسية للدراسة القانونية التي اعدتها ووزعتها على الوزراء والنواب، وهي تتعلق بقمع الإرهاب؟ ـ ذكر القرار الدولي الرقم 1373 كل الاتفاقيات الدولية الصادرة سابقاً، ولها علاقة بالإرهاب. وتوقف خاصة وبدقة عند قمع تمييز الإرهاب هذه الاتفاقية وضعت في اواخر العام 1999. لكن من انضم اليها لغاية الآن؟ هناك خمس دول منها بريطانيا كدولة كبرى، اما الدول الاخرى فليست بحجمها منها سريلانكا وباكستان، وغيرهما. حتى أمريكا وقعت الاتفاقية، ولكنها لم تنضم اليها. لكن عدد الدول الموقعة ارتفع لاحقاً إلى 72 دولة. لكن توقيع الاتفاقية شيء، والانضمام اليها شيء آخر. فالموقع يعتبر عضواً في الاتفاقية. ولكي تصبح تلك الاتفاقية نافذة يجب ان تصادق عليها أيضاً 22 دولة حسب القرار 1373. مقاومة الاحتلال ليست إرهاباً ـ اشرت في دراستك إلى ان القانون اللبناني يعاقب جرائم الإرهاب. لكن هل مفهوم لبنان للإرهاب هو نفسه السائد دولياً حياله؟ اين يتناغم المفهومان اللبناني والدولي بشأن الإرهاب؟ واين يختلفان؟ ـ لا يعطي قرار مجلس الامن 1373 وصفاً للإرهاب ولا يتناول موضوع تعريفه. بل يتكلم عن الإرهاب وعن الأعمال الإرهابية. فما هو مفهوم الإرهاب في قرار مجلس الأمن. ـ اذا رجعنا إلى نصوص صدرت عن الأمم المتحدة من قبل الجمعية العامة، او من غيرها من المنظمات الدولية نرى ان هنالك تعريفات للإرهاب بين وقت واخر.؟ ـ اذكر انني كنت امثل لبنان في العديد الخمسين لهيئة الأمم المتحدة، وقد صدر عن الجمعية العامة في هذه المناسبة قرار تناول كل الأمور التي تعني الأمم المتحدة، ومنها موضوع الإرهاب. ومن خلاله، فان هناك نصاً صريحاً وواضحاً يفصل الإرهاب عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومنه الحق في مواجهة الاحتلال. هذا الحق مكرس في قرارات الجمعية العامة، فهناك قرارات عديدة في هذا المعنى نفسه، واذا ما رجعنا إلى الاتفاقية التي تناولتها دراستي القانونية تلك لجهة تمييز الإرهاب، لوجدنا ان فيها تعريفاً للإرهاب لا يختلف عن التعريف الذي سبق لتلك القرارات ان تضمنته. وبالمقارنة ما بين هذا التعريف من جهة والقانون اللبناني من جهة أخرى، لوجدنا اننا في لبنان لم ننتظر حتى الآن حتى نضع نصوصاً تعرف الإرهاب، وتعاقب عليه. فمنذ العام 1958، وحتى الآن، فان اية عملية إرهابية تصل، أو تؤدي إلى قتل انسان، أو إلى هدم مبنى بداخله اشخاص تصل عقوبة منفذها، أو منفذيها إلى الاعدام. هذا لا يحدث حتى في أوروبا. فلا تصل العقوبة فيها إلى الاعدام. اذن، عقوباتنا ضد الإرهاب اكثر شدة من الدول الأوروبية نفسها. كما ان قانوننا متقدم بالنسبة إلى تعريف الإرهاب كما تبين منذ العام 1999. ونحن منضمون إلى اتفاقية مكافحة الإرهاب، وهي عربية ولا تختلف في تعريفها للإرهاب عما هو سائد دوليا. اضافة إلى انها تركز على التمييز فيما بينه، وبين حق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة الاحتلال. ذلك يعني ان قوانيننا المطلوبة قديمة، ووضعناها سابقاً، ولم ننتظر وقوع تفجيرات 11 سبتمبر «الماضي في الولايات المتحدة» حتى نضع تشريعاتنا. اذ ان كافة قضايا الإرهاب، تحال تلقائياً الى المحكمة العسكرية منذ العام 1958، خلافا للقواعد المألوفة عند غيرنا، وذلك الوضع مازال قائماً حتى الآن. ـ ماذا يعني ذلك عملياً؟ وإلى ماذا يشير ربطاً بما يجري في العالم بعد 11 سبتمبر؟ ـ انه يشير إلى ان كل ما يتعلق بالإرهاب أمر يعنينا تشريعياً، سواء من ناحية القوانين أو لجهة الواقع. فمنذ حوالي 45 عاماً اقررنا الاعدام للإرهاب، ومازال الأمر ساري المفعول حتى الآن. رغم القوانين فالتعديل وارد ـ لكن رئيس لجنة تحديث القوانين في مجلس النواب النائب السابق اوجست باخوس أعلن ان اللجنة تنتظر الاشارة اللازمة للبدء بالبحث في تعديل التشريعات اللبنانية بما يتوافق مع مضامين القرار 1373، وتوجهاته. لماذا احتمال هذا التعديل وارد طالما ان القوانين اللبنانية واضحة وموجودة منذ فترة في مكافحة الإرهاب؟ ـ لا مشكلة في الأمر، فالمندوب البريطاني في المنظمة الدولية قال مثلاً، بعد صدور ذلك القرار ان القوانين في بلاده متطورة، ورغم ذلك فانها ستدرس احتمال تطويرها وتعديلها بما يتلاءم مع المرحلة القائمة، والقرار 1373، حتى تأتي متكيفة معه. ومن حديثه ندرك ان الامور نسبية بين دولة واخرى. من جهتي حاولت ان ادرس القوانين اللبنانية التي يمكن الدخول في نقاش حول وجوب تعديلها. فلاحظت ان تعريف الإرهاب موجود لدينا من الناحية القانونية. كما ان اتفاقية قمع الإرهاب تتحدث عن تمويله، وتعطي تعريفاً معيناً لذلك. انما رغم ذلك اعتقد انه قد يكون من المفيد ان يعدل التشريع لدينا لجهة تضمنه عقوبات صريحة لعملية التمويل «مكافحة تبييض الأموال» وبالتالي وجوب اعفاء التمويل هذا ما يلزم من تعريف يتفق مع مضمون تلك الانتفاضة. ان عقوبة تمويل الإرهاب تصل إلى حد الاعدام أيضاً في لبنان. فمن يمول عملية من هذا النوع يعتبر متدخلاً في جريمة الإرهاب، أي انه شريك للفاعل «المنفذ» نفسه ليصل إلى نتيجة «أو أكثر» يبتغيها. من هنا فان عقوبتنا للمتدخل تتساوى معها ضد الفاعل أو المنفذ. الجريمة المنظمة في «نابولي» ـ يركز العالم بوضوح على الموضوع المالي في اطار مكافحة الإرهاب، لجهة الانشطة التمويلية سواء من قبل منظمات أو أفراد. وثمة اجتهادات واستنسابات مختلفة، واحياناً متضاربة تبرز من هنا أو من هناك، كيف يتأثر لبنان بذلك؟ وهل توقيعه على اتفاقية «شبكة الامان المصرفية» مؤخراً يهدد مكانة ومناعة «السرية المصرفية» التي تعتبر عصب الاقتصاد اللبناني وعموده الفقري. أم ان التوقيع عليها لم يؤثر على هذه السرية، وانها مازالت بالتالي في دائرة الامان؟ ـ الأمر حساس بالنسبة لنا وكل ما يتعلق بالسرية المصرفية يعنينا مباشرة، ويمسنا، وهو مهم جداً للبنان كله بالتالي. لكن يهمني هنا ان اذكر واقعة قديمة نسبياً، تصب في الوضع الراهن، ومازالت طرية في الاذهان. ففي اواخر العام 1994، كنت قد مثلت لبنان في مؤتمر للجريمة المنظمة اقامته الأمم المتحدة في نابولي، وهي المدينة التي تكثر في وسط مناطقها المافيات التي تنفذ الجرائم المنظمة. لذلك احاطتنا قوى الامن هناك بتدابير احترازية متشددة جداً، وشملت اعضاء كل الوفود المشاركة من دون استثناء. ما يهمني التذكير به، هو انه عندما عدت من نابولي إلى بيروت واطلعت رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء على أعمال المؤتمر ونتائجه، ومناقشاته، أعلنت بصوت عال آنذاك ان على لبنان ان يتوقع من الان فصاعداً ممارسة ضغوط خارجية عليه بهدف الحد من «السرية المصرفية»، بشكل يحول دون تشبع الأموال الناجمة عن جرائم المخدرات. اضافة إلى ذلك ربطت التحذير بوجوب قيامنا بتحرك في اتجاهين: ـ الأول: وضع قانون لبناني خاص يتعلق بمسألة تبييض الأموال. ـ والثاني يقضي بالعمل مع مصرف لبنان «البنك المركزي» بهدف دفع المصارف نحو اتخاذ ما يلزم للتحسب والتنبه من عمليات تبييض أموال لأفراد أو منظمات، وذلك على الرغم من ادراكنا بأن العالم واثق تماماً بأنه لا تحصل في لبنان مثل هذه العمليات، وانه يعلم في أية بلدان تجري فعلياً. على ضوء ذلك اعددنا مشروع قانون لمكافحة تبييض الأموال، وقد كنت وزيراً للعدل آنذاك، وهو لا يقتصر على المخدرات فقط، بل يشمل كل الجرائم الكبيرة التي تعني العالم. وينطلق من مبدأين اساسيين اولهما الحفاظ على السرية المصرفية وثانيهما الاخذ بعين الاعتبار ان هذه السرية لم توضع على الاطلاق بهدف حماية الأموال القذرة. طرحت مشروع القانون على الرئيس الياس الهراوي، وكان رئيساً للجمهورية في ذلك الوقت، فوافق على ان اطرحه رسمياً، دون ان يخفي تخوفه من ان يثير ذلك حساسيات وقلقاً على تلك السرية. فطرح فكرة التريث في طرح ذلك. لكن رأيي كان بعكسه، اذ انني اعتبر ان مشروع القانون المعد يحمي هذه السرية، ولا يجب ان يكون مدعاة للقلق عليها. لكننا طوينا الفكرة في حينه، اكتفينا بالتنسيق مع المصارف في الاتجاه نفسه عبر «البنك المركزي»، وقد وضعت فيما بينها ما يسمى بـ «اتفاقية الحيطة والحذر» حتى تحول دون اية امكانية لحصول عملية تبييض أموال في لبنان. السرية المهنية في سويسرا ـ كانت قضية مكافحة المخدرات المحور الأساسي للاهتمام العالمي في ذلك الوقت. كيف عزز لبنان امام العالم قدراته في هذه المكافحة؟ ـ من جهتي، لم اتوقف عند «اتفاقية الحيطة والحذر» تلك، بل تابعت العمل في اتجاهات عدة، فعندما وصل البحث في البلد إلى قانون المخدرات ادخلت عليه نصاً يتعلق بمكافحة تبييض الأموال الناتجة عنها، وهو يوازي العقوبة في حالة التبييض مع العقوبات الشديدة التي تفرض على الاتجار بالمخدرات مثلاً وبالفعل مر مشروع القانون في مجلس النواب بعد ان وافق عليه، وبديء العمل فيه كقانون ساري التنفيذ. لكن بعد مرور حوالي اربع إلى خمس سنوات، أي حتى اواخر السنة الماضية بدأ لبنان يتعرض لضغوط جديدة لجهة مسألتي تبييض الأموال والسرية المصرفية. وتمارسها عليه مجموعة من الدول الكبرى النامية عددها 29 دولة، منها البلدان الأوروبية واليابان وغيرها، وقد شكلت فيما بينها تكتلاً دولياً يعرف باسم: «مجموعة جافي». بدت الضغوط على لبنان واضحة من جراء ذلك. فتمت سلسلة من اللقاءات والاتصالات، بينه وبين «جافي»، واستهدفت مكافحة تبييض الأموال والسرية المصرفية، إلى ان تم وضع مشروع قانون بشأن ذلك في ابريل الماضي، جاء شبيها بذلك الذي كان مفروضاً ان يوضع في العالم 1995، أي اننا تأخر ست سنوات عن وضعه، وكان التأخير خطأ واضحاً من قبلنا، اذ ان على لبنان ان يبقى دائماً السباق في اتخاذ كل ما يمكن ان يطلب منه لاحقاً من قبل العالم والمجموعات الدولية التي يتعاون معها. ـ كيف تعامل قانون ابريل 2001 ذاك مع السرية المصرفية وتبييض الأموال؟ ـ قلنا فيه انه يجب ان نحافظ على السرية المصرفية وانه يجب ان نحافظ عليها، وقلنا أيضاً ان هذه السرية لم توضع كي تحمي عمليات تبييض أموال. وعلى هذا الأساس شكلت هيئة قضائية مستقلة يرأسها حاكم مصرف لبنان «البنك المركزي»، تضم قاض، وبعض القانونين المعنيين وهي تتولى درس أي طلب تتلقاه بالاشتباه بحدوث عملية «أو أكثر» في تبييض أموال. فاذا تبين لها ان هذا الطلب غير صحيح، وان اية عملية من هذا النوع لم تحدث انتهى الأمر عند هذا الحد. اما اذا ثبت لها انه صحيح، والتبييض قد حدث، فانها ترفع السرية المصرفية عن الحساب المصرفي المعني ويتم تحويل القضية إلى النيابة العامة لاتخاذ المقتضيات القانونية. وبذلك حافظنا على سريتنا المصرفية من جهة، واثبتنا «لمجموعة جافي» وللعالم من جهة اخرى، ان لبنان بات متجاوباً في تشريعاته وقوانينه مع التوجهات الدولية. لكن تلك الدول انتظرت وتريثت لترى كيف سيتعامل لبنان مع ذلك من ناحية التطبيق العملي. لكننا تصرفنا كعادتنا مع الأسف، أي اننا نضع في كل مرة تشريعاً، ثم نقوم بتصرفات تسيء إليه هو نفسه. فمثلاً، جاءتنا لائحة أمريكية تضم اسماء لاشخاص وهيئات ومنظمات، يشتبه الأمريكيون انهم قاموا، أو يقومون، بعمليات تبييض للأموال في لبنان. لكن بدلا من ان نترك الأمور تأخذ مجراها القانوني الذي قررناه نحن بأنفسنا، بدأت تطلق التصريحات المسيئة للبنان من قبل هذا لمسئول أو ذاك. وقد اضر هذا كثيراً بنا على الصعيد الدولي. اذ لا يجب ان ننسى ان لبنان مازال موضوعاً على لائحة الاختبار والتجربة في مكافحة التبييض. اضافة إلى ان عيون العالم «مفتوحة» أكثر فأكثر على الدول التي مازالت تعمل بمبدأ السرية المصرفية كلبنان. وسويسرا مثلاً. وقد انتهت التجربة السويسرية بهدم هذه السرية، إلى ان اعيد انتاجها باسم «السرية المهنية» القائمة على أساس محافظة المصارف على خصوصيات حسابات وايداعات زبائنها، ولا يتم نشر أية معلومات عنها وعنهم، هذه هي فقط حدود السرية المهنية. ـ ثمة تخوف من ان تتمادى الضغوط الدولية، بخاصة الأمريكية منها، على لبنان، إلى درجة توجيه ضربات عسكرية لمنظمات اصولية «مثل «حزب الله»، ادخلتها اللوائح الأمريكية في خانة المنظمات الإرهابية في العالم. هل ترى ان مخاوف من ذلك النوع في محلها؟ هل مثل تلك الضربات العسكرية محتملة فعلاً؟ ـ انني مطمئن انه من هذه الناحية فان الضربات العسكرية على لبنان غير واردة ـ فهو لم يضع التشريعات اللازمة، ولم يتخذ التدابير لمحاربة الإرهاب ومكافحته فحسب، بل سبق الكثير من دول العالم في القيام بذلك، ومنها البلدان الأوروبية نفسها، كما سبق ان أشرت، عندما اتخذ التشريعات اللازمة وطبقها قبل عقود من الآن، أي قبل حصول تفجيرات 11 سبتمبر الماضي بكثير. حاوره في بيروت: وليد زهر الدين