ذكر المفكر السياسي الفرنسي البروفيسور/ د. برتران بادي أن أغلب الكوكب الأرضي قد مسّه العنف، ولأول مرة نعي أنه لا يوجد مكان واحد في العالم محمي من مخاطر العنف والإرهاب، يُضاف لذلك أن العنف ظاهرة معولمة مثل سائر الظواهر الأخرى، لذا فالعالم مقبل على مستقبل مؤلم متخمٍ بالصراعات والحروب. واشار د. برتران وهو أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات السياسية في باريس،، إلى أن أحداث 11 سبتمبر 2001 ادت الى متغيرات جديدة على مستوى العالم تحت شعار محاربة الارهاب وقال ان العالم لم يعش حالة من الظلم من قبل مثلما هو حاصل الان. وانتقد برتران في حوار شامل خلال زيارة قام بها الى ابوظبي بدعوة من مركز زايد للتنسيق والمتابعة عملية تهميش الأمم المتحدة، والتي تمت بسرعة بعد التبني المستعجل لقرار مجلس الأمن رقم 1368 الذي منح الولايات المتحدة صكاً أبيض لتحديد دورها في تسيير النظام الأفغاني وبشكل جزئي في ما بعد الحرب، والقوة العسكرية لا يُمكن أن تؤدي لفرض أو إنشاء دول من الطرف الخارجي، لذلك فهناك استمرار للصراع في أفغانستان.. ولقد قامت الولايات المتحدة بردة فعل بسياستها الأحادية،على أساس خطة واضحة لاستخدام مجلس الأمن الدولي قراره المشكوك في شرعيته لأنه لا يتوافق مع فقه قوانين المجلس الدولي، الذي لا يعني إعطاء الحق لدولة في إقامة العدالة الدولية.. وأكدت العولمة أن هناك إحباطاً في فكرة الاندماج العالمي، فقبل العولمة لم يكن هناك شعور بالظلم أكثر حدة مما هو عليه الآن، وهي تنتج اليوم نوعاً جديداً من العنف هو العنف الاجتماعي سببه الشعور بالظلم، فتبادر إليه منظمات أخرى كتنظيم القاعدة. وبالتالي لا يمكن حل المأساة التي نعيشها اليوم بدون حل مشكلة الاندماج الاجتماعي، والتي تتم عبر احترام كرامة وحقوق الآخر، مهما كانت خلافاتنا معه، والحق المتساوي للجميع في أن يكونوا وأن يحترموا، كما هو احترام المواطن الأمريكي أو الإسرائيلي. يرى المفكر الفرنسي أن القوة الأمريكية كلها، قد تزعزعت جراء عمل إرهابي غير مسبوق، وإن فكرة بقاء قوة وحيدة، أحادية القطب، تدعو للشك. ففي مثل هذا الظرف تفقد القوة العظمى أية فرصة للشراكة، ولا تجد لها أي مُحاور أو مُتحدّ حقيقي يقبل بأن يتحداها فوق أرضها. ولقد حاولت الولايات المتحدة، ومنذ عشر سنوات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أن تصنع لنفسها عدواً من خلال التربص بالصين التي لم تلعب هذه اللعبة، ورفضت فكرة أن تكون عدواً، لأنها تدرك أنها تكون أكثر أهمية عندما تقوم بسياسة اندماج في العالم.. وإن فشل هذه الاستراتيجية الجديدة لـ القوة المنظمة، يكشف أن النظام الجديد ينظر إليه على أنه غير عادل بما يكفي لتكون القوة الأمريكية مقبولة كمنظم موثوق فيه. ومن هذا الدور الخاسر، خرجت الولايات المتحدة مصارعا أكثر منها حكماً، وتلك هي الطريقة التي ينظر بها إليها خاصة في العالم العربي والإسلامي، وأيضا في حقيقة عملها، ذلك أن كل فشل يلحق بمسار السلام في الشرق الأوسط، يؤدي بالولايات المتحدة آليا إلى تأكيد دعمها لإسرائيل. ونفس الملاحظة تنطبق على سياسة واشنطن حيال الصومال، وأيضاً إزاء المسألة العراقية التي حولت القاضي شيئا فشيئاً إلى خصم.. وإن هذه التحولات ليست بريئة، ذلك أنها كسرت الحماس الذي نشأ حول فكرة نظام عالمي جديد لتحل محلّه فكرة «السلام الأمريكي» ولقد ظهر أن القوة الأحادية المهيمنة قد وضعت تحت تصرف كل المحتجين على العولمة، أدوات اتصال وإنتاج للعنف، وفي الواقع، استطاع منفّذو الهجمات على واشنطن ونيويورك، وهم في أقوى انطلاقتهم الاستفادة من الحداثة والأشكال المتطورة للاتصال. إن خارطة الإرهاب تتجاوز ببعيد خارطة الدول، ذلك أن المؤسسة المشكلة من شبكات والتي أدت إلى تدمير البرجين التوأمين، مرت عبر أماكن عديدة في أوروبا والولايات المتحدة قبل أن تدخل فيها دول وأقاليم في عمومها، ويبدو أن نسيجا مشكلا من المنظمات غير الحكومية الإسلامية، ومن الشبكات الدينية التي تشبه الطوائف أو جمعيات الإخوان، يقود الجميع.. ولقد كان على الولايات المتحدة، من أجل أن تضفي الحد الأدنى من مظاهر الفعالية على ردها، تحويل ابن لادن إلى بريجنيف ومحاربته كدولة، وهو أسلوب أثبت فعاليته بسرعة، لكنه وعلى المدى غير البعيد فاشل تماماً. ولقد بدت اتفاقات بيترسبورغ في ديسمبر 2001 و كأنها من قبيل السحر، وقد توجت إقصاء نظام مغضوب عليه تقريبا من طرف كل العالم، وسجّلت أيضا بداية المصالحة بين العديد من الفصائل الأفغانية. بيد أنها ومع ذلك، كرّست تحالفاً لأسياد الحرب أكثر مما جسّدت بناء أو إعادة بناء دولة أفغانية. ولقد تمّ حمل المتنازعين على القبول بالتعاون بدلا من المواجهة والتخاصم، إلا أنهم لم يتنازلوا عن سيادتهم الصغيرة، ذلك أنه من أجل خداع فصيل مؤلف حول الملا عمر، تم الاستعانة برافعة التضامن العرقي، إلى حد التعبير عن مسار المصالحة بالتوازن بين الباشتون، الأوزبك، الهزارا والطاجيك وآخرين أيضا.. ولقد استخدمت باكستان ودول آسيا الوسطى في هذه الأزمة، مثلما استخدمت مصر أو الأردن بصلافة في الشرق الأوسط، و تشير بعض المؤشرات إلى حدوث نفس الشيء مع دول أوروبا الغربية.. وإن للدول العربية دوراً كبيراً في عملية إعادة بناء مفهوم الدولة في العالم، ورغم تهميشها فإنه يُمكنها أن تلعب دوراً كبيراً باعتبارها وسيطاً بين الرأي العام والدبلوماسية متعدّدة الأوجه، وإعطاء مصر مثلاً دوراً في حلّ مشاكل حوض المتوسط شيء مهم وضروري. وحول ما يُقال عن وجود صراع حضارات بين المسلمين والغرب، بسبب دور الولايات المتحدة في صراعات في العديد من المناطق الإسلامية.. أعرب المحاضر عن عدم اعتقاده نهائياً بأطروحة صراع الحضارات أو الثقافات، فالصراعات التي تجري في العالم لا علاقة لها بالصراع الحضاري، إنما ما يحصل أن هناك استخداماً للثقافة والدين من أجل الهيمنة والمنافسة السياسية، ومن المهم إيضاح أنه لا يوجد تناقض بين الحضارات، لكنّ كثرة استخدام طرح صراع الحضارات والثقافات، يُمكن أن يُقنع البعض بأن ما يحدث في العالم هو نتيجة لهذا الصراع. وعن الموقف ألاوروبي والفرنسي تجاه هيمنة القطب الواحد.. قال إن هناك نقاشاً فكرياً وسياسياً حامي الوطيس في فرنسا حول انتقاد السياسة أحادية القطبية، بينما في بريطانيا وألمانيا لا يوجد نقاش مماثل، ومسألة التعايش بين اليمين واليسار في فرنسا خلقت نوعاً من التوازن السياسي، وهناك أيضاً البعد الأوروبي ومدى قدرة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي في فرض وجهة نظرها، ففرنسا محكومة بالاتفاق الأوروبي الذي هو بالطبع لصالح الولايات المتحدة، وهناك أيضاً نوع من الأسبقية والأفضلية لحلف الأطلسي لدى الدول الأوروبية على حساب الاتحاد الأوروبي. وأشار المفكر الفرنسي لوجود سيناريوهين، لما يمكن أن يحدث بعد انتهاء الحرب في أفغانستان، الأول سيناريو مرن مائع يرى أن ما نعيشه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر سيضمحل ويختفي تدريجياً، والرهان التجاري سيصبح الرهان الأكبر عبر التنافس ثلاثي الأقطاب بين الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. لكنه حذّر من السيناريو الآخر الأكثر احتمالاً، وهو أن ما ظهر سيتعزّز ويتركز، أي أن مصدر الصراع سيتم تنظيمه على أساس الصراع الاجتماعي، وسيصبح العالم عندئذٍ في وضعية عنف دائم لا مركزي، وتعمّه الفوضى بحيث لا تنجح الولايات المتحدة في السيطرة عليه. وعن تقييمه للحالة بين الهند وباكستان، وكيف سيؤثر تفجّر الوضع بينهما على النظام العالمي القائم.. أشار المفكر الفرنسي إلى إن فرضية قيام حرب بين باكستان والهند مهيأة، لكنها استراتيجياً غائبة، فلا يزال الخوف قائم من الرادع النووي، ولم يعد الوضع كما سبق بين الدولتين، حيث كان من الممكن أن تقوم بينهما حرب تقليدية صغيرة بمخاطر تدميرية قليلة، وبالتالي لا توجد الآن حرب هندية - باكستانية مبرمجة استراتيجياً. إنما هناك مسألة خطيرة، هي أنه توجد حكومة باكستانية يتوجب عليها تسيير علاقاتها مع مجموعات من القوى السياسية، فالحرب في كشمير هي دائماً حرب بالنيابة. وباكستان أصبحت الآن أضعف بعد حرب أفغانستان، لذلك فالصراعات بين الأجنحة ستكون مصيرية جداً، وما يخشى منه أن يحدث نوع من التحلّل الباكستاني، بأن يخرج اللاعبون الباكستانيون من اللعبة التقليدية، فيدخلهم ذلك بصراعات تؤثر على المنطقة ككل، وتكون عبثية تقسيم الهند قائمة، على أساس الثقة المبالغ فيها لإنشاء دول جديدة في العالم. حاوره في ابوظبي: د.جمال المجايدة