هيمن ملف الارهاب عقب أحداث 11 سبتمبر على كافة القضايا الاخرى من المشاكل الدولية التي تشغل اهتمامات العالم، ونجحت امريكا في ان تجعله يتصدر أجندة السياسة الدولية، فتتلاشى أمامه قضايا تمس مصائر الشعوب ومستقبلهم، وكأن الارهاب لم يكن موجودا في العالم قبل ان تعاني منه أمريكا، أو كأنه ولد مع انهيار البنى الممثلة لرموز القوى السياسية والاقتصادية في أمريكا، وكما نجحت أمريكا في الضغط على العالم لاعطاء الأولوية لملف الارهاب، نجحت ايضا في تعمية المجتمعات الدولية خاصة الغربية بالعموميات بخلط الأوراق صراحة بين المقاومة المشروعة للشعوب من أجل التحرر من براثن المستعمر والاستقلال، وبين الارهاب بقصد الارهاب واثارة القلق والتوتر والتهديد الأمني للشعوب والانظمة السياسية، وقد وجدت أمريكا في هذه المغالطات صدى وآذانا تسمعها وتسير خلفها، وتحقق من وراء هذا الخلط أهدافاً تخدمها على حساب مصلحة شعوب مقهورة. حول هذا الخلط الأمريكي.. أهدافه ومصالحه.. انعكاساته السلبية، حاور «الملف السياسي» في هولندا الدكتور مهدي عبدالحميد خبير شئون الأقليات وعضو منظمة حقوق الانسان، وتالياً نص الحوار: ـ هل استطاعت أحداث سبتمبر ايجاد مفهوم محدد للارهاب واتفاق دولي على هذا المفهوم؟ ـ من المؤسف له ان المجتمع الدولي لم يتفق حتى الآن وعلى ضوء الأحداث الأخيرة على مفهوم محدد للارهاب، وقد شاهدنا ان أمريكا توسع هذا المفهوم وتكاد تحيط به كل المنظمات والحركات الاسلامية في العالم بجانب تنظيمات اخرى، وكأن كل الاسلاميين أو المسلمين أصبحوا ارهابيين، ولم يتبق لدى أمريكا سوى ان تعترف بجملة مفادها «الإرهاب هو كل تصرف يقوم به شخص مسلم في أي بقعة في العالم» وهذا بلطجة أمريكية واضحة ضد الشعوب الاسلامية، بل أكاد أجزم انه ارهاب امريكي وبشكل سافر وفاضح ضد العالم الاسلامي، أما أوروبا فهي متمسكة على طول الخط بكل ما تعلنه امريكا من مفاهيم. ورغم ان دول الاتحاد الاوروبي الشهر الماضي أثناء اعدادها لبنود نصوص قانون الارهاب الجديد والمزمع تشريعه خلال الأشهر القليلة المقبلة قد قامت بتعريف الارهاب على انه كل عمل يهدف لتهديد أمن الاشخاص والانظمة السياسية، ولاثارة القلق والتوتر في المجتمعات ووضعها تحت الضغوط، وتم في هذا الاطار تحديد عدد 35 جريمة يتم تصنيفها على انها عمل ارهابي في مقدمتها: ممارسة العنف البدني ضد الأشخاص، التدمير أو التخريب، احتجاز الاشخاص أو اختطافهم، اختطاف الطائرات، اختطاف المراكب، تصنيع الأسلحة بصورة غير قانونية، امتلاك الاسلحة دون ترخيص، تسريب مواد سامة أو ملوثة، امتلاك أسلحة كيماوية أو بيولوجية دون تصريح وتوجيهها لأغراض غير سلمية، تدمير مرافق عامة للكهرباء والمياه، الجرائم التي تتم تحت ضغوط مثل تعطيل حركة المرور أو المواصلات وقطع الاتصالات. رغم ذلك لم يبد ان أوروبا استثنت المقاومة المشروعة للشعوب ضد الاحتلال أو الاستعمار من مفهومها للارهاب، بدليل ادراج تنظيمات تقود عمليات المقاومة لتحرير أراضيها ضمن قائمتها للتنظيمات الارهابية، كما تأكد انه لم يحدث للآن اتفاق عام بين أوروبا وبقية دول العالم على مفهوم الارهاب، ولاتزال واشنطن حتى الآن تسد آذانها لدعوات عقد مؤتمر دولي للخروج بمفهوم محدد واضح حول الارهاب، لأن في هذا التحديد، تهديداً للأهداف التي تحاول أمريكا ان تحققها من حربها الحالية، وهي امساكها بعصا التهديد في وجه الشعوب الاسلامية والعربية وامساكها بميزان القوى لصالحها. ـ وما هي الافرازات التي يمكن ان يوجدها هذا الخلط؟ ـ من المؤكد انه سيؤدي الى اهدار الحقوق المشروعة والتي يكفلها ميثاق حقوق الانسان للأمم المتحدة لحق الشعوب في الاستقلال والعيش في حرية وسلام، أي حقها في التخلص من الاستعمار ونيل الحريات المكفولة وفقاً للمواثيق الدولية، وكلنا يدرك مدى انعكاسات هذا الخلط على أهم قضية عربية، وهي قضية الشعب الفلسطيني وحق المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، وكيف استغلت اسرائيل هذا الخلط، ونجحت في الضغط على أمريكا واللعب بالأوراق الرابحة مع أوروبا، فتم ادراج أجنحة المقاومة العسكرية في حركتي حماس والجهاد، والمخابرات في حزب الله اللبناني ضمن التنظيمات الارهابية التي تضمنتها قوائم الارهاب في اوروبا وقبلها أمريكا، وهذا يوضح مدى دلالة الخطورة من عملية الخلط المتعمد من قبل امريكا وأوروبا. وفي هذا اهدار واضح وتحد للمواثيق الدولية لحقوق الانسان، فكيف يصبح الاحتلال مشروعا ومقاومة هذا الاحتلال ارهابا؟ وكيف تصبح عمليات القتل التي ترتكبها اسرائيل ضد الفلسطينيين مشروعة، والعمليات الاستشهادية من أجل التحرر ارهاباً؟.. وقس على هذا المنوال تقييم الغرب لكافة قضايا ومطالب الشعوب في التحرر والاستقلال، فيبدو ان المستعمر الغربي القديم وجد الآن ضالته في مسألة تعريف الارهاب ليكمم أفواه الشعوب ويقبع على نفوسها. ـ أشرتم لقضية فلسطين كأبرز ما يمثل انعكاسات هذا الخلط، فهل بدت انعكاسات اخرى عالمية سلبية؟ ـ يحضرني ما كشفه أحدث تقرير لمنظمة حقوق الانسان الدولية «فيدرالية هلسنكي» والتي أكدت ان أحداث سبتمبر وخلط أوراق الارهاب والمقاومة الى استغلال حكومات جمهوريات وسط آسيا الخمس: كازاخستان، كيرجزي، أوزبكستان، طاجيكستان وتركمانستان لضرب المعارضة الداخلية في بلادهم والزامهم بالصمت، حيث حولت قضايا الرأي الآخر وحوارات حقوق الانسان والديمقراطية الى موضوعات تتعلق بالارهاب، واستغلال هذا الخلط للقضاء على المعارضين السياسيين. وبدأت تحدث مذابح للديمقراطية في وسط آسيا، والمجتمع الدولي يغمض الآن عينيه ويتجاهل اهدار حقوق الانسان في الدول المتحالفة مع امريكا في مكافحة ما تسميه بالارهاب، ومنذ أحداث 11 سبتمبر اتجهت السياسات الداخلية بهذه الدول بشكل كبير لوصم الجماعات الدينية، والإعلام الحر ونشطاء حقوق الانسان بأنهم مصدر لتهديد الاستقرار الاجتماعي ومراكز للارهاب. لكن انعكاسات هذا الخلط من تجاوزات واهدار لحقوق الانسان بهذه الجمهوريات واستمرار تجاهل المجتمع الدولي له بالتغاضي سيتحول الى وحش ينخر في ثقة الشعوب بحكوماتها، ويفرغها من محتواها، وهذا ما أكده التقرير ايضا، وستدفع هذه التصرفات الأقليات الى التحول من النشاط السياسي الذي يعتمد على الحوار الى نشاط مسلح وحمل السلاح، وكذلك الحال مع الجماعات الدينية، حيث سيعتبرون حمل السلاح لمواجهة الضغوط الحكومية وسيلة شرعية للدفاع عن ايديولوجيتهم في وجه حكوماتهم وجيوشها المنظمة، كما سيدفعهم ايضا الخوف لممارسة العنف، وستنقلب الأمور رأسا على عقب، حيث سيرى هؤلاء ان حكوماتهم هي الارهابية، مما سيهدد منطقة وسط آسيا كلها بحالة من التوتر والقلق، وهذا قابل لأن يحدث في كافة الدول التي ستستغل الأحداث الجارية الآن في قتل الديمقراطية والعودة للوراء، فلا يجب ان يكون تعميم مفهوم الارهاب ذريعة أو ضوءا أخضر للقضاء على الحريات السياسية وتكميم الأفواه. هولندا ـ حوار: د. سعيد السبكي