بالرغم من أن جميع الحضارات وفي مختلف الحقب التاريخية عرفت بشكل أو بآخر أنواعا من العنف غير الحرب الكلاسيكية، إلا أنه لا توجد حضارة أنجبت من نَظر للعنف بمفهومه «الإرهابي» اليوم مثل الحضارة الغربية. ومن مفارقات التاريخ: أن أول ثورة وُصفت بالديمقراطية ومن أجل الجمهورية في العالم، أي الثورة الفرنسية، هي التي أنجبت في قمة ذروتها أول تقنين وترسيم دولي للإرهاب، وأن السلوك الأمريكي تجاهه اليوم إنما يتبع حتى من غير أن يدري الوصية النابليونية للجنرال «لوفيبر» سنة 1813: ينبغي أن تتصرف كمتمرد حيث يوجد متمردون». فيتصرف قادة الحرب الأمريكية اليوم: كإرهابيين حيث يوجد إرهابيون!!. في 10 يونيو 1794، في قمة تداعيات الثورة الفرنسية، صدر «قانون الإرهاب الكبير». وكان تكريسًا لمرسوم «سان جوست» الصادر في 10 أكتوبر 1793 الذي اعتبر أول مرسوم يصدر عن رجل سياسي يقنن للإرهاب. ولم يكن «سان جوست» اليعقوبي الثوري البالغ من العمر 27 سنة يتصرف من نفسه في مثل هذه المسائل التي سيترتب عنها مقتل الآلاف من الفرنسيين إنما كان مستندا إلى معاهدة 5 سبتمبر 1793 التي قبلت بإدراج «الإرهاب» ضمن القوانين الرسمية باعتباره أمرا مشروعا أثناء الثورة . وهكذا كان هذا القانون ويمكن ترجمته بقانون الإرهاب الكبيرس أول وثيقة رسمية في التاريخ تنص على كون أحكام العدالة ينبغي ألا تخرج على أمرين: الموت أو البراءة ومن غير حق في الدفاع!!. و«نجح» «كوتون» الرجل الذي اعد وصاغ القانون، في مهمته بأن تم في أقل من 10 شهور قتل 40 ألفا باسم القانون من بينهم 17000 أعدموا بالمقصلة. ولعل أشهرهم من غير السياسيين العالم الكيميائي «لافوازييه» الذي رفضت المحكمة رجاءه بتأخير حكم الإعدام 15 يوما حتى يتمم تجاربه العلمية بحجة أن الجمهورية ليست في حاجة إلى علماء!!. ومن غير تحامل على قادة الثورة الفرنسية اليعقوبيين خاصة واتباع «روبسبيير» بالدرجة الأولى الذين صدرت مثل هذه القوانين أثناء قياداتهم، ومن غير التقليل من شأن أثر الثورة الفرنسية في التاريخ المعاصر، فإنه علينا أن نسجل المفارقة التاريخية الأخرى التي حدثت بعد تلك الثورة: أن الذين أصدروا أولى القوانين المقننة للإرهاب الداعية إلى عدالة تحكم إما بالموت أو البراءة، أُعدموا بالمقصلة طبقا لنفس القوانين بدءا بالقائد الثوري الشهير: «ماكسيماليان دي روبسبيير» الذي نفذت البورجوازية في حقه الحكم يوم 27 من يوليو سنة 1794. وكان ذلك بداية انتصارها على الرعب باسم الرعب. وبداية ما تسميه المصادر الغربية بمرحلة ما بعد الثورة الفرنسية. أول وثيقة تقنن الارهاب هكذا،إذن،أنتجت الثورة التي كان شعارها: «الحرية الإخاء والمساواة» أول وثيقة في العالم تقنن للإرهاب. وبالرغم من أن التاريخ لفها بطي النسيان حتى كدنا لا نعرف من ثورة 1789 الشهيرة سوى أنها ألغت المَلكية والإقطاع وأسست القواعد الأولى للجمهورية، إلا أنه لم يمزقها، وتركها لنا إلى اليوم ننظر من خلالها لما يحدث في العالم من تجديد لها باسم الحرب الأمريكية ضد الإرهاب. ألم تصنف الولايات المتحدة الأفراد والمؤسسات والشعوب والدول والحضارات و حتى الأديان إلى أبرياء وغير أبرياء؟ ألم تضعهم ضمن خانة إما مع أمريكا ضد الإرهاب أو ضد أمريكا مع الإرهاب؟. أليس في هذا تجديد لأحكام قانون «كوتون» إما البراءة أو الموت ومن غير حق في الدفاع عن النفس!؟ أليس هذا هو جوهر عدم تجاوب واشنطن مع دعوات المجتمع الدولي اليوم لعقد مؤتمر يتم فيه تعريف الإرهاب وتحديد مفهومه وأشكاله وطرق ردعه؟. ألا يسمح لنا هذا بتصور وجود من يؤمن ـ من بين الأمريكيين وغيرهم ـ بأن مكافحة الإرهاب ينبغي أن تتم عن طريق الإرهاب، وألا قانون ينبغي أن يحكم ذلك. أليس في هذا رجوع إلى المذاهب العدمية الرافضة لأي نظام و تلك المبررة للعنف الأعمى والممجدة له الممتدة في أعماق التفكير الغربي الحديث والمعاصر؟ يبدو أن الأمر كذلك، إننا نحس اليوم وكأن مذاهب «العدمية» الروسية التي دافع عنها «ناتشاييف» الرافضة لكل معتقد والداعية إلى التحطيم الجذري للبنيات الاجتماعية دون الاكتراث بتعويضها ببنيات أخرى، أو مذاهب «العنف المنقذ» من النظم الاجتماعية السائدة التي كان يدعو لها «جورج سورال»، أو الاتجاهات الفوضوية النقابية التي عرفتها أوروبا في القرن الـ 19 القائمة على مبدأ «الدعاية عن طريق الفعل» وليس عن طريق القول، وكأنها تعود من جديد لتحرك في عقول الغربيين ما كادت المدنية المعاصرة تصدق أنها أنهته إلى غير رجعة: أي النظر للآخرين كشعوب دون مستوى الحضارة والتعامل معهم على هذا الأساس، من غير حاجة إلى قانون أو عدالة أو حديث عن حقوق إنسان. فهم إما أبرياء ما داموا معنا، أو إرهابيون إذا كانوا ضدنا. إرهاب الدولة ألم تعد شعوبنا ودولنا وحضارتنا ذاتها اليوم تعيش هذا الإحساس. ومَن من دولنا أو شعوبنا أو حتى أفراد أمتنا من لا يشعر اليوم بأنه بالفعل يمكن أن يجد نفسه في خانة الصادر في حقهم حكم بالإعدام أو البراءة ومن غير حق الدفاع عن النفس. أو ليس الحديث جاريا الآن على إمكانية قصف هذا البلد أو ذاك، مهاجمة هذا الزعيم أو ذاك، بل أوليس الواقع يؤكده بلا مجال للشك، اليوم في السلوك الإرهابي الإسرائيلي تجاه الرئيس عرفات وتجاه مؤسسات مشروع الدولة الفلسطينية وغدا تجاه هذا القائد أو ذاك هذه الدولة أو تلك؟ إن الأمر يبدو أكثر من مهدد لوجودنا كأمة وحضارة ودين في القرن الواحد والعشرين، وإذا ما كان من اعتقاد باحتمال تمييز الغربيين في تعاملهم بيننا فإنه الوهم بعينه، ذلك أن حجم الحملة اليوم على الإرهاب والدعوة الصريحة لجعلها دائمة ومستمرة، إنما فيه نية أكيدة بتقديم الجميع، إن اليوم أو غدا، إلى محكمة الأقوياء بتهمة أو بغير تهمة وبحكم معروف مسبقا: الإدانة من غير أي سؤال. نتاج غربي ولو لم يكن الهدف هو ذلك لما تم التعامل بطريقة مختلفة، ومازال، مع المنظمات والدول الإرهابية التي مازال البعض منها موجودا إلى اليوم. لقد عرفت هذه الدول، وخاصة إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وإنجلترا، الجماعات الإرهابية قبل غيرها، «جماعة العمل المباشر» الفرنسية، و«الإتا» الباسكية، و«الغال» المضادة لها، وجبهة تحرير جزيرة كورسيكا، والإيرا الأيرلندية، و«النازيون الجدد» الألمانية، والخ.. وكانت الألوية الحمراء الإيطالية أول التنظيمات الإرهابية التي قامت باختطاف السياسيين ورجال الاعمال والعسكريين وقتلهم (ألدومورو، بورتو مانغيرا، ساكوسي، جورج باس).. وسجلت الإحصائيات أن بهذه الدولة وحدها في منتصف الثمانينيات ما لا يقل عن 400 جماعة إرهابية، وفي سنتي 79 و80 كان بها 3000 سجين من الإرهابيين،800 منهم ينتمون للألوية الحمراء. أما على المستوى العالمي فسجلت في أقل من 12 سنة ما لا يقل عن3336 عملا إرهابيا أودى بحياة أكثر من 10 آلاف شخص. والدول الغربية تعرف بدقة وضعية الجماعات الإرهابية في الغرب اليوم أكثر مما تعرف عن وضعيتها في بقية العالم، ولديها المعلومات الكافية والصور والشواهد على ضلوعها في الأعمال الإرهابية أو على الأقل الإشادة بها ـ مثلما فعل النازيون الجدد عندما هنئوا أنفسهم لما حدث يوم 11 سبتمبر للولايات المتحدة باعتباره انتقاما لهزيمة ألمانيا الهتلرية ـ، فلمَ لا نسمع حديثا عنها أو تهديدا للحكومات التي تؤويها أو ضغطا عليها من اجل تسليمها بل ولا حتى دعوة صريحة للقضاء عليها. بالعكس تماما فإن الحديث جار عن مساع حثيثة للعفو عنها والدخول معها في مصالحات ومفاوضات سياسية، مثلما حدث مع «الإيرا» أو «الأولوية الحمراء»، وهناك إجماع لدى السياسيين الغربيين بأنه لا حل معها سوى الحل السياسي، باعتبار أن المواجهة العنيفة لا تؤدي إلا إلى مزيد من العنف، بل أن من أهداف الإرهاب هو إقحام المجتمع برمته في حالة من الذعر والخوف، يخدم تحقيق أهداف سياسية. وعلى مستوى إرهاب الدولة يتكرر السيناريو ذاته. كل الإعلام العالمي منصب على ما أسمته الولايات المتحدة بالدول المارقة أو الدول المثيرة للقلق التي في معظمها دول إسلامية وهي دول عربية ليبيا وسوريا والعراق، في حين ليس هناك أي حديث عن إرهاب الدولة الإسرائيلية المؤكد والعلني والصريح، الرافض للشرعية الدولية والمتسبب يوميا في مقتل وتشريد العشرات من الأبرياء وأحيانا بشهادات حية لمختلف قنوات العالم التلفزيونية مثلما تبين في حادثة استشهاد الطفل أحمد الدرة. أما على المستوى الفكري فليست هناك إشارات مرجعية بشأن العنف والإرهاب إلا الإشارات الإسلامية، ولا عودة في هذا الموضوع إلا للمصادر الإسلامية، وكأن الحضارات الأخرى لم تُنَظر للعنف ولا كانت هي أول من قَنن للإرهاب في العصور الحديثة. لعل كل العالم يكرر مقولة «أندريه مالرو» أن القرن الواحد والعشرين سيكون روحيا أو لا يكون «ولكن القليل من أفراده يعلمون أنه أيضا قال: «ينبغي أن نعطي معنى مباشرا للفرد الفاقد للأمل وأن نضاعف العمليات، ليس عن طريق منظمة، لكن عن طريق فكرة، ينبغي إعادة إحياء الشهيد» و«أن يأخذ الإرهاب طابعا روحيا». كما أن القليل منهم تمكنهم الآلة الإعلامية من قراءة ما قاله «ستابنياك» «الإرهاب جميل، مرعب، لا يقاوم، لأنه يجمع بين نوعين من العظمة الإنسانية: الشهيد والبطل». فمثل هذه العبارات في نظر العالم اليوم لا يكتبها ولا يقولها إلا المسلمون!! حقيقة إن الإرهاب ممقوت وعمل دنيء لابد من محاربته، ولكن العالم ينبغي أن يفعل ذلك تحت أي لون كان هذا الإرهاب، باسم أي دين تمت ممارسته، في أي بقعة من الكرة الأرضية وٌجد، حتى ولو كان في أمريكا أو باسم الحضارة الأمريكية والدين الأمريكي الجديد، وليس فقط حيث نحن.. وأمثالنا.. بقلم: د. سليم قلالة ـ أستاذ الفكر السياسي والدراسات المستقبلية ـ جامعة الجزائر