في نهاية الندوة التي عقدها المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية حول تداعيات أحداث سبتمبر وما تلاها من حرب أفغانستان تحدث عدد من المعقبين حول ما جاء بالأوراق التي قدمها الدكتور محمد رضا العدل، والدكتور محمد السعيد ادريس والباحث أحمد إبراهيم محمود، وكنا قد نشرنا الجزء الأول من الندوة في العدد الماضي.. وهذا هو الجزء الثاني منها. وكان الدكتور حسن أبوطالب هو أول المعقبين على الأوراق الثلاث بقوله انها تلقي الضوء على أهم ثلاثة جوانب لما تعرضت له منطقة الخليج العربي بعد التفجيرات التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر الماضي، وهنا أصر على استخدام تعبير «التفجيرات» ولا أتحدث عن «هجوم إرهابي» لأنه حتى هذه اللحظة من الصعب تأكيد هذا الحدث، فأنا على الصعيد الشخصي ليس لدي يقين أن هذا العمل الهجومي قد تم بواسطة تنظيم القاعدة، فحتى هذه اللحظة لست مقتنعًا بما قيل من أدلة أو قرائن أو براهين تحدثت عنها الولايات المتحدة أو الغرب. وبالتالي استخدام هذا التعبير المحايد يعطينا فرصة أن نشكك في بعض المقولات الأمريكية في هذا الأمر، هذا التشكيك لا يؤثر على حقيقة أن ما حدث أثر على العالم وعلى التفاعلات الدولية، فالتفاعلات الدولية جزء كبير من النظام الدولي. ومفهوم النظام الدولي له عدة مكونات أساسية، المكون الأول: الأطراف، المكون الثاني: طبيعة التفاعلات بين الأطراف، المكون الثالث: قائمة أو أجندة القضايا التي تكون عادة محورا لهذه التفاعلات في المراحل المختلفة. ونحن الآن نواجه قائمة قضايا دولية جديدة تحمل عنوان «مواجهة الإرهاب الدولي» هو التعبير الذي صاغته الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأت من خلاله تطبيق مجموعة من السياسات على باقي الأطراف الدولية، ومن هنا فإن هذا يشكل أحد جوانب التغيير التي حدثت في النظام الدولي وهو «تغيير قائمة القضايا» ولذا أصبحت كل التفاعلات مرتبطة بالموقف مما تعتبره الولايات المتحدة أعمالا إرهابية، منظمات إرهابية، وطبعًا نظرًا لسيطرة الولايات المتحدة على المنظمة الدولية والغرب استطاعت أن تحصل على تأييد هام من هذه الأطراف، وبالتالي أصبحنا نرى أن الولايات عندما تمارس ضغطًا في هذه المنطقة أو تلك يكون وراءها سند أوروبي وغربي هائل وكذا سند بدرجات مختلفة من باقي دول العالم. وعقب د. أبو طالب على نتائج هجوم سبتمبر فقال انه مثل علاقة فارقة في السياسة الأمريكية وفي العلاقات الدولية معاً، مشيراً إلى أن «العمل جاء غير مسبوق وتجاوز حدود الخيال. وهو الأكثر دقة في نطاق الأعمال التي تقوم بها جماعة أو جماعات سرية، من حيث التخطيط والتنفيذ والقدرة على النفاذ في ثنايا المجتمع الأمريكي دون أن تشعر بها أياً من المؤسسات الأمنية الأمريكية في الداخل أو في الخارج، الأمر الذي كشف فراغات أمنية كثيرة في عمل هذه المؤسسات بالرغم مما لديها من قدرات مادية هائلة والأكثر تقدماً تقنياً على مستوى العالم بأسره». اجتهادات وقال د. أبو طالب ان أمريكا منذ الوهلة الأولى اعتبرته «استهدافاً» لنظام الحياة الأمريكي بما فيه من قيم الحرية والديمقراطية، وأنه عمل من أعمال الحرب، ويستدعي رداً عسكرياً قوياً وفورياً على كل من شارك فيه أو أوى أحد أفراده، أو ساهم في الإعداد له بأي صورة. ثم ركز الموقف الرسمي ـ بعد الإعلامي الذي كان قد بادر بذلك بعد أقل من ساعتين على حدوث الهجوم ـ على أن الجهة الفاعلة هي جهة أصولية إسلامية، وتحديداً تنظيم القاعدة الذي أسسه السعودي أسامة بن لادن، والمتمركز في أفغانستان تحت حماية نظام حركة «طالبان». بيد أن دقة العمل تخطيطاً وتنفيذاً، وعدم إعلان أي جهة مسئولياتها عن الهجوم،وعدم توافر رسالة معينة توضح الأهداف الحقيقية للخاطفين، وسرعة توجيه الاتهام الأمريكي لجهة أصولية إسلامية حتى قبل البدء في تحقيقات قانونية، جعلت كثيرين خارج الولايات المتحدة لاسيما في أوروبا والعالمين العربي والإسلامي يتشككون في التفسير الأمريكي، خاصة وان واشنطن لم تقدم دليلا مقنعاً، واكتفت بأن أعلنت قائمة من 19 شخصاً من أصول عربية كانوا على متن الطائرات الأربعة، ظهر أن خمسة منهم من السعوديين على قيد الحياة، ومنهم لم يدخل الولايات المتحدة منذ أكثر من عامين، مما زاد الشكوك في تماسك التحقيقات الأمريكية ونزاهتها، وساهم ذلك في تردد كثيرين في الالتحاق بالجهود الأمريكية الرامية لتشكيل تحالف دولي عريض لمواجهة ما تعتبره إرهاباً دولياً، يبدأ بالإجهاز على تنظيم القاعدة وحكومة طالبان الأفغانية، ثم يتطور لاحقاً إلى أهداف أخرى لم تحددها الإدارة الأمريكية علانية، ولكن يفهم من بعض التحليلات والإشارات شبه الرسمية إلى أن هناك مراحل أخرى في هذه المواجهة الطويلة قد تضم بعض دول عربية وفي مقدمتها العراق والصومال ومنظمات إسلامية من قبيل منظمة حزب الله اللبنانية ومنظمتي حماس والجهاد الفلسطينيتين. وغاية ما فعلته الإدارة الأمريكية في نهاية سبتمبر الماضي أنها أعلنت عن تقديم أدلة قوية ولكن لها صفة الحساسية، وذلك لعدد من الدول من بينها بريطانيا وباكستان، واللتان أعلنتا اقتناعهما بقوة الأدلة الأمريكية. إلى جانب التفسير الأمريكي، ظهرت اجتهادات أخرى لتفسير ما حدث، والجامع بين هذه الاجتهادات أنها تنفي العمل عن تنظيم القاعدة باعتباره عملا يتجاوز قدرات هذا التنظيم، خاصة في جوانبه التقنية والتخطيطية، وتلقي به على عاتق جهات أخرى سواء من داخل الولايات المتحدة كالجماعات الفوضوية أو المناهضة للدولة الفيدرالية والتي تناهز المئتين منظمة، أو حتى جماعات الجريمة المنظمة المنتشرة في الداخل ولها امتدادات قوية في الخارج. اجتهاد (2) ويصل اجتهاد ثان إلى حد اعتبار ما حدث محاولة انقلاب من داخل المؤسسة الأمريكية نفسها، باعتبار أن انتخاب الرئيس بوش الابن قبل ما يقرب من عام قد ارتبط بانقسام سياسي حاد في المجتمع الأمريكي، بما يعني أن هناك من هم داخل المؤسسات الأمريكية غير راضين على الطريقة التي فاز بها بوش وعملوا على التخلص منه من خلال عمل درامي كبير. كما أن العمل نفسه تطلب قدرات تقنية عالية للتشويش على كل أجهزة المراقبة الأرضية الخاصة بحركة الطائرات المدنية الأمريكية وبما يجعلها غير قادرة على اكتشاف عمليات الاختطاف وخروج الطائرات عن طريقها الأصلي لمدد تقترب من الساعة الكاملة، وإعادة توجيهها إلى غير أهدافها الأصلية، وهو ما لا يأتي إلا من خلال تدخل من داخل هذه الأجهزة نفسها وليس من خارجها. فضلاً عن أن العمل نفسه لا سيما في الشق المتعلق بقيادة طائرات حديثة وكبيرة الحجم يتطلب طيارين ذوي خبرة طويلة في قيادة هذا النوع، ثم أن دقة التصويب ناحية الأهداف، خاصة السقوط فوق أحد قطاعات وزارة الدفاع الأمريكية بواشنطن، يعني أن هؤلاء الطيارين محترفون وليسوا مجرد طيارين حاصلين فقط على برامج تدريبية محدودة لطائرات شراعية صغيرة تختلف قيادتها جملة وتفصيلاً عن قيادة طائرات «البوينج» الأكثر تعقيدًا. اجتهاد (3) ويذهب تفسير ثالث إلى اعتبار أن ما حدث جاء من ناحية قوة أو جهة أضيرت كثيرًا من العنجهية والسطوة الأمريكية، وأنها أرادت بهذا العمل تحقيق قدر من الانتقام، وأن هذه الجهة ليست مرصودة أمنيًا باعتبارها جهة إرهابية كما هو الحال مع تنظيم القاعدة وبن لادن شخصيًا، وأن الهجوم فيه الكثير من الانضباط المخابراتي والعسكري، وهو ما ينطبق على الصرب الذين تعرضوا لهزيمة عسكرية كبيرة قبل عامين على يد الولايات المتحدة التي تدخلت عسكريًا آنذاك لوقف الحرب في كوسوفو، ودمرت الكثير من البنية الأساسية للصرب وكشفت قدراتهم العسكرية، بل وأهانت قياداتهم ورموزهم القومية. فالصرب لديهم الدافع ولديهم العسكريون المنضبطون والمؤهلون لقيادة الطائرات الكبيرة، فضلاً عن أنهم غير مرصودين من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية أو الأوروبية، مما أتاح لهم العمل بسرية وبحرية معًا. ومما يعيب على مثل هذا التفسير عدم شيوع الانتحار لدى الصرب من أجل أهداف جماعية. وأيًا كان التفسير والاجتهاد المطروح من هذه الجهة أو تلك سواء من حيث حبكته المنطقية أو دلائله العقلية، يظل معرضًا للنقض نظرًا لغياب القدرة على توفير معلومات موثقة تثبت أو تنفي هذا الاجتهاد أو ذاك. والمهم هنا أن إدارة الرئيس بوش ـ حسب ما جاء في خطابه أمام الكونجرس 20سبتمبر الماضي ـ مدعومة بتأييد قوي من الكونجرس الأمريكي، قد انتهت إلى أن الهجوم يندرج تحت باب الإرهاب الدولي، وأن عمل امن أعمال الحرب التي تستدعي ردًا عسكريًا قويًا وسريعًا، وأن استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة تقوم على أساس مواجهة شاملة لكل ما تعتبره تنظيمات «الإرهاب»، وأن باقي العالم ليس أمامه سوى الوقوف إما مع الولايات المتحدة في هذه الحرب، أو الوقوف مع الإرهاب في الجهة المقابلة، الأمر الذي نال قسطًا كبيرًا من النقد، باعتبار أن هذا الموقف يدفع إلى تقسيم العالم وفق معايير غير واضحة وغير متفق عليها دوليًا، وتعكس فقط المصالح والرؤى الأمريكية وحسب، الأمر الذي يقود إلى نزاعات وصدامات لا حدود لها، خاصة فيما يتعلق بالهوية الحضارية لهذا الطرف أو ذاك. اتفاق ثمة اتفاق على أن الهجوم على الرموز الأمريكية بات يفرق بين مرحلتين سواء في التاريخ الأمريكي أو في تاريخ العلاقات الدولية، فإلى جانب الانكشاف الأمني الأمريكي، هناك تغيرات حدثت بالفعل على الصعيد الدولي، بدءًا من تغير أولويات واشنطن الدولية ومرورًا بنسج تحالفات عالمية جديدة ونهاية بغموض الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها. ويمكن تلخيص أبرز النتائج فيما يلي: أولا: تهديد نمط الحياة الأمريكي القائم على الحريات المطلقة في الداخل، والأمن المطلق من التهديدات الخارجية. إذ بدا أن الأمرين متعارضين ومن غير الممكن الحفاظ عليهما. وقد وضع الهجوم على نيويورك وواشنطن نمط الحياة الأمريكية أمام اختبار صعب، حيث بدت المعادلة وكأنها إما حرية مطلقة وإما أمن شخصي وقومي. وأوضح استطلاع للرأي على شبكة الإنترنت قبول نسبة 65%من الأمريكيين بعض القيود الأمنية وإتاحة المجال أمام المؤسسات الأمنية للعمل دون معوقات قانونية نظير توفير درجة أكبر من الأمن الشخصي ومحاصرة المنظمات الإرهابية. وفي استطلاع آخر أكثر تفصيلاً أجرته محطة التايم ومحطة CNN ، أيد 69% صدور تشريع يتضمن التنصت على المحادثات التليفونية للمشتبه فيهم دون الحصول على إذن مسبق، وأيد 59% وضع المشتبه فيهم في السجن دون توجيه اتهام ولمدة غير محددة، وأيد 55% اعتراض الرسائل الإلكترونية لأي شخص في الولايات المتحدة لاكتشاف الكلمات أو الجمل المشبوهة. ويمثل ذلك مؤشرًا على أن المجتمع الأمريكي، وفي حالة إقرار تشريعات ـ تحت ضغط الأزمة ـ تتيح حرية العمل أمام الجهات الأمنية دون رادع قانوني أو تمسك بحقوق الإنسان، قد يعاد صياغة توازنه الداخلي على نحو يحول الدولة إلى وحش أمني قد يتماثل مع ما هو حادث في كثير من دول العالم الثالث، ولن يقف الأمر على الداخل الأمريكي فحسب، والذي سيفقد فيه بريقه باعتباره «أرض الأحلام والحريات والفرص»، وبوتقة الانصهار بين العرقيات والقوميات المختلفة. إذ من المرجح أن يكون له تأثيرات على حالة الحريات المدنية في العالم كله، خاصة في حال تجاهل هذه الحريات نظير التعاون الأمني مع الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها العالمية الجديدة. ومن يتأمل بعض ردود الفعل التي انتابت «المجتمع الأمريكي بشقيه السياسي والمدني» فيما بعد عاصفة انفجارات سبتمبر يمكن أن يضع يده على بعض تغييرات أساسية في جوهر النموذج الأمريكي المُراد له أن يكون كونيًا شاملاً غير مُعترض عليه، ولاسيما في جانبي القيم والممارسة السياسية. فهناك المحاولة التي قامت بها إدارة الرئيس بوش بشأن حظر مد أعضاء الكونجرس فيما عدا رئيسي الأغلبية والمعارضة ببعض البيانات الخاصة بالعمليات العسكرية أو بالمواجهة الجارية في أفغانستان بحجة «أنها سرية» وتضر بالأمن الوطني في حال نشرها، فيما يشير إلى من لا يعبأ بتجاوز «حالة التوازن الدقيق بين السلطة التنفيذية وبين التشريعية والرقابية»، لاعتبارات أمنية مؤكدة أو مفترضة. وفي مواجهة اعتراضات أعضاء الكونجرس الذين رأوا أن هذا الحظر فيه تغييب للدور الرقابي الذي يمارسه الكونجرس وفيه تجاوز للدستور، تم التراجع عن هذا الحظر، لكن تبقى الدلالة واضحة، حيث تغير النموذج أو هو في طور التغيير وإلى الأسوأ، وبما يحاكي نماذج العالم الثالث. ولننظر مثلاً إلى التنبيه أو التحذير الذي أرسلته كونديلزا رايس مستشارة الرئيس الأمريكي للأمن القومي، إلى المؤسسات الإعلامية الأمريكية لتوخي الحذر حين نشر المواد المسجلة مسبقًا، من قبيل بيان بن لادن ورفاقه، وهو تحذير يخرج عن السياق العام للإعلام الأمريكي وعلاقته بالإدارة، من حيث تدخل الثانية في عمل الأولى، وبما يضرب أسس الشفافية وعدم حظر المعلومات عن المواطن. وتمتد مساحة التغيير في النموذج الأمريكي إلى عناصر أخرى تتعلق بالحريات المدنية فالتشريعات التي قدمتها الإدارة للكونجرس بشأن توسيع مجالات الحركة أمام المؤسسات والجهات الأمنية في توسيع دائرة الاشتباه والقبض بدون إذن قانوني مسبق على أفراد بحجج أمنية وإيداعهم السجون دون محاكمة ولمدة غير محددة، تعني أننا أمام بداية تحول خطير، إذ ينزلق النموذج الأمريكي في مجال الحريات إلى مصاف ما هو قائم من نماذج تتضح بالظلم وانتهاك أبسط الحريات في العالم الثالث، فاقدًا بذلك بريقه الإنساني. ووجه الخطر هنا، من منظور النموذج الأمريكي، أن هذا الجانب من التغيير يمتد إلى مشاعر الناس وبحيث يمكن القول إننا أمام مجتمع مدني أمريكي جديد، يضحي بحريته وينزع إلى تعال عنصري تجاه الآخرين. أشير هنا إلى بعض نتائج استطلاع الرأي الذي نشرته مجلة «تايم» في عددها 8أكتوبر الماضي، ففي الشق الخاص بتغير الاتجاهات أيد 65% السماح بتشريع يسمح بالتنصت على المحادثات التليفونية للمشتبه بهم دون إذن مسبق من المحاكم، وأيد 59% السماح بتشريع يسمح بالقبض على أفراد يشتبه أن لهم صلات مع الإرهابيين ووضعهم في السجون دون محاكمة ولمدة غير محددة. وفي سؤال صيغ بطريقة تضج بالعنصرية الكامنة، أيد 31% السماح للحكومة الفيدرالية بتجميع المواطنين الأمريكيين من أصول عربية ووضعهم في معسكرات حتى يتقرر مدى صلاتهم مع الإرهابيين في حين عارض 65% هذا الأمر. وكأن ما يقرب من ثلث المجتمع الأمريكي لديه توجهات عنصرية تجاه المواطنين العرب الأمريكيين، كما أن موقف الأمريكيين تجاه الحرب وتجاه وقوع ضحايا لم تسلم من التغيير، وربما إلى الأسوأ، حيث أيد 56% في الاستطلاع المذكور حربًا طويلة وضحايا كثيرين على أن تنتهي بانتصار. وليس هناك شك في أن عاصفة 11 سبتمبر قد فتحت باب التغيير في توجهات المواطن الأمريكي تجاه مسألة الأمن الذاتي ومسألة علاقته بالآخرين الأجانب الذين باتوا يحملون الجنسية الأمريكية، وفي الخلفية إعلام قومي ونافذ يعمل على تغذية هذه التغييرات بطرق ووسائل شتى، الأمر الذي يطيح بأي جهد رسمي يحاول أن يحصر الأمر في نطاق ضيق. وفي المحصلة فنحن أمام تحول جذري في نمط الحياة الأمريكية الذي تميز به المواطن العادي، فحالة الخوف والقلق باتت امرًا طبيعيًا، وانتظار المجهول بات سمة شائعة. السؤال الكبير لقد أدت عاصفة سبتمبر إلى إثارة السؤال الكبير المتعلق بالأسباب التي تدعو مجتمعات أخرى تتركز في عالمنا العربي والإسلامي إلى كراهية الولايات المتحدة، وهو سؤال لم يكن مسموحًا بالتفكير فيه أو حتى إثارته، ولعل الجدل العام الذي سيفرض نفسه رويدًا رويدًا على المؤسسات الأمريكية وعلى المواطن العادي من شأنه أن يجلي الكثير من الحقائق الغائبة عن التفكير الأمريكي. ثانيًا: تحول الأداء الأمريكي الخارجي من الشفافية إلى السرية، حيث تقوم الاستراتيجية الجديدة في مواجهة الإرهاب على العمل الاستخباراتي، وعدم التقيد بالتقاليد التي بات ينظر إليها من أسباب فشل المخابرات الأمريكية في اكتشاف الهجوم قبل وقوعه، والتي كان معمولاً بها وتنص على عدم استخدام الأساليب القذرة كقتل الشخصيات المشتبه فيهم، والتخلص من نظم حكم غير موالية للسياسة الأمريكية، وتجاوز القواعد القانونية. ويمثل ذلك أحد أخطر الجوانب سلبية، إذ تؤسس مثل هذه التحولات لحقبة جديدة من التدخلات الأمريكية المباشرة في كثير من الدول بحجة التخلص من نظم حكم تؤوي منظمات إرهابية، الأمر الذي سيكون بمثابة سيف مسلط على رقاب الدول جميعها، خاصة التي لا تشترك مع الولايات المتحدة في نظم قيمها بشأن الحياة والتطور الإنساني والعلاقات الدولية. ثالثًا: غلبة الطابع العسكري والأمني للمواجهة الأمريكية مع العدو غير محدد بدقة أي الإرهاب الدولي وبما يسمح بمرونة هائلة في التعريف وتضارب أكبر في وسائل المواجهة، وذلك على حساب باقي الوسائل الأخرى من سياسية وقانونية، فضلاً عن تجاوز دعوات العمل تحت مظلة الأمم المتحدة. فمسألة مواجهة الإرهاب دون تحديد عناصره، ودون التعرف على أسبابه، ودون التفرقة بينه وبين ظواهر أخرى قد تتداخل معه في بعض الآليات من الناحية الشكلية، من شأنه أن يفتح الباب أمام صراعات دولية غير مسبوقة. والواضح أن الولايات المتحدة، وتركيزًا على حقها في الرد والانتقام، لم تعر الجوانب القانونية حقها، حيث لم يظهر أي ميل رسمي أمريكي لتوجيه اتهام محكم الأدلة والبراهين على الجهة الفاعلة، وأن تكون الأولوية هي القبض على الفاعلين وتقديمهم لمحاكمة قانونية عادلة. إن أحد اوجه الخطر هنا أن الضغوط الأمريكية التي مورست على الكثير من الدول، ساهمت في القبول العام ـ ربما بسبب قلة الحيلة وضعف التأثير على القرار الأمريكي ـ بمبدأ حق الولايات المتحدة في الرد ليس فقط إشباعًا لرغبتها في الانتقام ولكن حتى تستعيد الثقة بنفسها، وذلك حتى ولو لم تحصل على تفويض دولي بذلك، الأمر الذي يعني إقرارًا عامًا بحق واشنطن بتجاوز المؤسسات الدولية. رابعًا: مخاطر الوقوع في مواجهة دولية ذات طابع حضاري بين الإسلام والغرب، تختلط فيها الحقائق بالأكاذيب، والأهداف المشروعة بالأهداف الجزئية التي تحقق مصالح الولايات المتحدة والغرب المتحالف معها، على حساب باقي الشعوب والحضارات الأخرى. وهنا تلعب وسائل الإعلام الأمريكية دورًا خطيرا في إذكاء روح الصراع ضد الإسلام والمسلمين، الأمر الذي يحفز وقوع هجمات جماعية على الجاليات العربية والإسلامية التي تعيش في الولايات المتحدة أو البلدان الغربية عامة، تستدعى ردًا عفويًا على الجاليات الغربية في البلدان الإسلامية، ومن ثم يذهب تأثير التصريحات الرسمية الأمريكية والأوروبية التي تفرق بين الإسلام كدين وبين معتنقيه من المسلمين داخل الغرب أو خارجه، يذهب أدراج الرياح. مداخلات كما شهدت الندوة مداخلات شارك فيها: ـ د. سيد عوض عثمان كاتب بصحيفة الأهرام: أود الإشارة إلى ملاحظة أولية في الجزء الاقتصادي، فيما يتعلق بسعر النفط، العرف أنه في فترات الأزمات ترتفع أسعار النفط كما هو الحال عام 1973، ولكن د. العدل لم يشر إلى تدخل دول مجلس التعاون وخاصة المملكة العربية السعودية للعمل على استقرار أسعار النفط، وعدم إحداث نوع من التوتر بحيث بدلاً من أن يرتفع سعر النفط انخفض؛ فمثلاً سعر نفط خام برنت كان 27 دولار يوم 11سبتمبر انخفض إلى 20 دولار في نوفمبر، إذًن كانت هناك ترتيبات سياسية لعبت دول مجلس التعاون الخليجي دورًا كبيرًا فيها ولم تترك المسألة لتفاعلات العرض والطلب وهذا جزء مما أسميه «المشاركة الصامتة» لدول مجلس التعاون في الحرب الأمريكية ضد أفغانستان. الملاحظة الثانية، متعلقة بمسألة إشكاليات «الشرعية» في دول مجلس التعاون الخليجي، كما أشار د. محمد إدريس في كلمته، فهناك نقطة نود طرحها للنقاش وهي مسألة القضية الفلسطينية، وهي قضية نشير إليها على خلفية ما تقرره الولايات المتحدة بشكل فردي في تحديد منظمات مثل الجهاد وحماس كمنظمات إرهابية بل إن الولايات المتحدة الأمريكية اعتبرت دعم هذه المنظمات نوعا من دعم الإرهاب، وطبقًا للإجراءات الأمريكية، فإن أي دولة تدعم الإرهاب سوف تأخذ منها الولايات المتحدة الأمريكية موقفًا معاديًا. الحقيقة أن هذا الموقف يمس دول الخليج مباشرة خاصة أن هذه الدول بها العديد من الجمعيات الخيرية التي تدعم المنظمات الفلسطينية، وتدعم القضية الفلسطينية مما يثير تساؤل مؤداه: كيف يمكن للدول الخليجية دعم القضية الفلسطينية في ضوء هذه المحاذير الأمريكية؟ الملاحظة الثالثة؛ متعلقة بمسألة مستقبل الوجود الأمريكي في منطقة الخليج، فالولايات المتحدة استشعرت في الفترة الأخيرة أن هذا الوجود له أهمية كبيرة، رغم وجود مناطق أخرى لها وزن استراتيجي مهم في هذه المرحلة. هذه القضية تحتم مناقشة تحديات هذا الوجود الأجنبي في منطقة الخليج كأحد إشكاليات الشرعية في المستقبل لاسيما في ظل تزايد حالة الكراهية للولايات المتحدة الأمريكية على ضوء تداعيات موقفها من القضية الفلسطينية وموقفها المنحاز لإسرائيل، فأنا أتصور أن الولايات المتحدة سترضخ لمزيد من الوجود في منطقة الخليج لأهمية هذه المنطقة من الناحية الاستراتيجية. الملاحظة الأخيرة؛ متعلقة بإيران وعلاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية على ضوء خبرة الحرب الأفغانية. وفي الحقيقة فإن تقارب الولايات المتحدة الأمريكية مع إيران بالصورة التي توحي للبعض بوجود انفراجة كبيرة في العلاقات بين الدولتين أمر لم يحسم نهائيًا، فهناك ضغوط داخلية في إيران تتمثل في تباين مواقف الأطراف الداخلية وانتهى الأمر إلى أن المسألة غير مطروحة الآن على الساحة، كذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، لا تزال إيران يُنظر إليها باعتبارها دولة مارقة، ترعى الإرهاب. وفي إطار الأزمة الأفغانية، فإن إيران طرف إقليمي فاعل في هذه الأزمة ولا يمكن أن تقف في موقف المتفرج مما يجري وما سيجري من ترتيبات لإعادة الاستقرار السياسي داخل أفغانستان، وبالتالي فإن مسألة العلاقات بين الدوليتين لم تحسم بشكل نهائي يمكننا من بناء نتائج نهائية، بل أن إيران مرشحة لتكون هدفا للضربات الأمريكية. ـ د. حسن أبو طالب: موضوع العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية لم يحسم بالفعل بصورة نهائية ولكن ما حدث في أفغانستان ـ سواء على الصعيد العسكري او السياسي ـ، يفتح الباب أمام وجود مرحلة جديدة في العلاقات بين طهران وواشنطن ولكن طبيعة هذه العلاقة، وكيفية التحاور حول القضايا المختلفة عليها سيكون هو الأمر محل السؤال. ولكن ما نتفق عليه الآن هو أهمية إيران والدور الإيراني في القضية الأفغانية وهو أمر تدركه الولايات المتحدة جيدًا وبالتالي وحتى إذا لم يحسم التقارب فنحن في بداية مرحلة جديدة في علاقات البلدين حتى إن لم تعلن طبيعة هذه المرحلة. ـ د. أحمد ثابت (أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد ـ بجامعة القاهرة): ملاحظتي تصب في إطار تداعيات الهجمات الإرهابية في واشنطن ونيويورك على العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية فأنا اعتقد أننا نغفل دورا مهما وهو دور إسرائيل في المرحلة المقبلة في العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية خاصة وأن إسرائيل في ظل قيادة شارون لها تصور معين لدوائر الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي تمتد إلى أفغانستان، الجانب المهم في هذا الإطار أنه كان هناك موقف لحظي لإيران بحكم عدائها الهام مع حركة طالبان بسبب التناقض الأيديولوجي والعداء الديني ومقتل الدبلوماسيين الإيرانيين على يد حركة طالبان. النقطة الثانية أن إيران رأت أن الشيعة الأفغان لا يجب أن يشاركوا في التركيبة الحالية مؤقتًا حتى لا تثار نزاعات لكن المسألة باختصار أنه إذا دخلت إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية للحرب الممتدة على الإرهاب فإنها ـ أي إسرائيل ـ ستركز على إذابة الحدود الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بما يعني أن إسرائيل ومن خلال توسعة حلف الأطلنطي ستكون موجودة في جمهوريات آسيا الوسطى وخاصة تركمانستان، وطاجيكستان، وأذربيجان، وجورجيا.. الخ، وبهذه المسألة ستكون إسرائيل متصلة وملتصقة بإيران مما يجبر إيران على اتخاذ سياسات معينة تؤثر على الأمن في الخليج مما سيؤثر على أمن دول الخليج نفسها، وهذه القضية تحتاج إلى نقاش لاسيما وان الولايات المتحدة الآن أصبحت معاييرها الأساسية في الحرب القادمة معايير «أمنية» و«مخابراتية»، وهو ما دفع مسئولة الأمن القومي الأمريكي إلى الإعلان أن الخطوة القادمة ليست ضرب العراق وإنما تصفية بقايا تنظيم القاعدة على مستوى العالم، وبقايا تنظيم القاعدة بالمفهوم الأمريكى يمكن أن يكون جمعيات خيرية تعتبرها الولايات المتحدة ممولة لتنظيم القاعدة مما يطرح سؤالا مفاده: كيف تقوم دول الخليج باستيعاب الآثار الناتجة عن فرض الولايات المتحدة ضرورة التعاون الأمني والمخابراتي من أجل تصفية بقايا تنظيم القاعدة؟، وثمة قضيتين فرعيتين في هذا الإطار: ـ قضية الأفغان العرب.. فالسعودية هي الدولة العربية الوحيدة التي أعلنت استعدادها لاستقبال أبنائها من الأفغان العرب، بقية الدول رفضت ذلك، هذا الأمر يؤثر على جانبين أولهما: عودة الأفغان العرب أو استئصالهم ومحاكمتهم، وثانيهما: الجمعيات الخيرية التي يشتبه أنها تمول الإرهاب الدولي. ـ قضية الديمقراطية.. الأجندة الأمريكية، تغيرت تمامًا وأصبحت أجندة جديدة تركز على قضايا التعاون الأمني والمخابراتي وبالتالي الآثار على دول مجلس التعاون الخليجي تختلف عما حدث بعد حرب الخليج الثانية حيث كانت هناك قضايا عديدة من ضمنها التواجد العسكري الأمريكي الدائم، وأن يكون للأمريكيين الدور الرئيسي في حماية منابع النفط، وأن يكون هناك رؤية خاصة بضرورة التطور الديمقراطي، إلا أن اشتراط التعاون الأمني والمخابراتي في المرحلة الراهنة سوف يترك مساحة قليلة لمطالب أمريكية بتحسين الوضع الديمقراطي. ويتضح تناقض الموقف الأمريكي من خلال مطالبة كولن باول أوزبكستان بضرورة التخفيف من القيود على المعارضة، وفي نفس الوقت فإنه لم يطالب أيا من دول الخليج بذلك، بل إن التعاون الأمني والمخابراتي يمكن أن يقيد بعض جوانب «التحول الديمقراطي الذي تم أخيرًا في دول الخليج، وهي نقطة هامة، فقد يكون هناك تأثير على الاستقرار السياسي والاجتماعي وقد يكون هناك تأثير سلبي على التحول الديمقراطي». ـ د. حسن أبو طالب: إزاء هذا العدد الضخم من القضايا، يصعب القول بأن أي منها قد حُسم نهائيًا، فكل قضية لها اقتراب لمعالجتها واقتراب مضاد وكل اقتراب له حجج خاصة به. ـ د. مدحت حماد (أستاذ الدراسات الإيرانية ـ كلية الآداب ـ جامعة سوهاج) : أود الإشارة إلى ثلاثة أمور؛ الأمر الأول: التساؤل حول قدرة الدول العربية على استيعاب الأموال العائدة ينبغي أن يتحول إلى سؤال:هل هناك إرادة لإعادة الأموال العربية المهاجرة؟! إذا توفرت الإرادة فإن الاقتصاديات العربية سيكون في إمكانها استيعاب هذه الأموال. الأمر الثاني: ويتعلق بالفاتورة التي تتحملها دول الخليج، وفي هذا الإطار فإنه يكفي الوجود الأجنبي. الأمر الثالث: بخصوص إيران، اعتقد أن الدول الخليجية يجب عليها الفصل بين علاقتها مع إيران وعلاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وألا تربط الاثنين لأن هذا الربط يمكن أن يؤثر على دول الخليج، ففي العشر سنوات الأخيرة ثبت نجاح الفصل بين السياستين. وأخيرًا، فيما يتعلق بالتقارب الأمريكي ـ الإيراني فإن الرموز الحاكمة والقائمة منذ عشرين عامًا، تجعل إمكانية إحداث تغيير أيديولوجي لاسيما فيما يحكم العلاقات مع الولايات المتحدة أمر مستبعد. ـ مختار شعيب باحث وصحفي بصحيفة الأهرام الدولي: اتفق مع ما قاله د. حسن أبو طالب بخصوص مسألة الديمقراطية في دول الخليج. وفي السياق التاريخي الخاص بها منذ الحديث عن الموجة الثالثة، ثم أزمة الخليج الثانية وإمكانية إحداث تحول ديمقراطي حقيقي في دول الخليج، يمكن القول بأن ما حدث كان نوع من التكيف مع هذه الموجة الثالثة ومع الضغوط الدولية. وبالنظر إلى هذا السياق فإن نفس السيناريو ربما سيتكرر في المرحلة الحالية في دول الخليج التي ستتأثر بالعوامل المختلفة التي قد تساهم في ضرب البنى التقليدية التي تقوم عليها هذه الدول وإعطاء مجال أوسع لبنى المجتمع المدني، إلا أن هذا لا يعني إعطاء مشاركة سياسية للبني الجديدة أو حدوث تحول ديمقراطي حقيقي، بل على العكس فهو يصب في النهاية في استراتيجية واشنطن الهادفة إلى مكافحة الإرهاب والتي تستند بشكل أساسي على أساليب استخباراتية وأمنية. ويقودنا هذا إلى مسألة الربط بين الشرعية وضرب العراق؛ ففي حالة ضرب العراق سيكون المواطن الخليجي في جانب المعارضة لهذا الضرب، وهذا قد يؤدي إلى بعض التوترات في دول الخليج في حال توجيه ضربات للعراق، إذًن الأمر الذي سيؤثر على موقف دول الخليج من ضرب العراق. ـ د. حسن أبو طالب: موضوع ضرب العراق موضوع معقد، وتأثيره سيكون مرهونًا بطبيعة الضربة نفسها، فهناك عمليات روتينية تحدث بالفعل (سواء في شمال العراق أو جنوبه)، وبالتالي فهناك احتمالان إما أن تحدث ضربة موجهة إلى عدة مواقع في يوم أو يومين وتنتهي وهذا سيرتب درجة معينة من ردود الفعل الخليجية، والاحتمال الثاني هو حدوث حملة متواصلة لإسقاط نظام الحكم في بغداد والأمر هنا سيكون مختلفًا. إذن لابد من تحديد درجات وصور الضربات المحتملة لأن كل حالة سيكون لها رد فعل يتفق مع حجم هذه الحالة. واختتمت الندوة أعمالها بأسئلة ومناقشات وتعقيبات من المتحدثين الثلاثة، وشارك في المناقشات: ـ علي راضي حسنين.. باحث بمجلس الشعب: في حالة ثبوت تورط لأشخاص خليجيين في تفجيرات الولايات المتحدة الأمريكية، هل ستطلب الولايات المتحدة تعويضات مالية من الدول الخليجية؟، وما هي الأبعاد الاقتصادية والأمنية والقانونية الدولية لفكرة التعويضات في حالة إثارتها من قِبَل واشنطن؟! ـ د. أبو الطالب: ربما لا تكون هناك مطالب مباشرة بخصوص التعويضات، ربما تطلب الولايات المتحدة تعويضات من السعودية، ولكن التعويضات قد تطلبها الولايات المتحدة بطريقة غير مباشرة في صورة مساهمات مباشرة من جانب الدول الخليجية. الفكرة التي أريد الإشارة إليها هي فكرة حق التدخل، فبعد عام 1991 وقيام نظام عالمي جديد ظهرت فكرة التدخل لأغراض إنسانية والولايات المتحدة الأمريكية تذرعت بذلك وتدخلت في العديد من المناطق والسؤال هو: هل هناك تطوير لفكرة التدخل؟! هناك مطالبة بإنشاء مبدأ جديد في العلاقات الدولية وقاعدة قانونية في القانون الدولي تُحمل الدولة التي تؤوي منظمات إرهابية مسئولية العمليات الإرهابية التي يقوم بها أبناؤها. وكان الغرض من تطوير هذه الفكرة إضفاء غطاء شرعي على ضرب المدنيين الأفغان باعتبار الشعب الأفغاني مسئولا عن أفعال الأفغانيين في الخارج، ويفتح هذا الفكر الباب للتدخل من قبل الدول الكبرى في شئون الدول الصغرى، وهو خطر كبير جدًا يهدد العلاقات الدولية، ويتجاوز خطره موضوع التعويضات. ـ محمد شعبان.. صحفي: هل تدفع الدول الخليجية فاتورة الحرب الأمريكية على الإرهاب بالكامل أم تكون مجرد مساهمة في تكاليف الحرب؟ وهل آن الأوان لعودة الأموال الخليجية المهاجرة في ظل محاصرة الأموال العربية وتجميدها في الخارج؟ وما هي العقبات؟ ـ د. حسن أبو طالب: ليست هناك معلومات مؤكدة في هذا الموضوع، ومن الصعب حسمه، بعض الإشارات الواردة في الصحافة الخليجية توحي بأن هناك مساهمات مالية من الدول الخليجية، وجهت لتمويل بعض مراحل العمليات. وبالنسبة للسؤال الثاني، فنحن ندعو إلى أن تكون هناك عودة للأموال العربية المهاجرة، ولكن المسألة فنية بحتة.. هل الاقتصاديات العربية لديها قدرات لاستيعاب الأحجام الكبيرة من الأموال العربية بحيث أنها تدخل في عمليات استثمار، وتصنيع، أنشطة تجارية.. وغيرها، هذا سؤال تحكمه القدرة الاستيعابية للاقتصادات العربية. وبالطبع فإن مخاطر التجميد في الخارج مخاطر واضحة ولا خلاف عليها بالنظر إلى ما حدث في بعض البنوك وبعض المؤسسات الاقتصادية. ثم انتهت الندوة بالتعقيبات الختامية للمتحدثين حيث قال الدكتور محمد السعيد ادريس: أود أن أركز في تعقيبي الختامي على مسألة القضية الفلسطينية، هناك تطورات خطيرة في القضية تمثلت في النموذج الأمريكي الموغل في القتل ـ القتل العنيف والبشع والعلني والضرب حتى النهاية ـ والذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، هذا النموذج يطبقه شارون بالحرف الواحد في الأراضي الفلسطينية. وانتقدت إسرائيل الولايات المتحدة بأنها دفعت بأبنائها لتحارب الإرهاب في أراض بعيدة، وإنما هي ـ أي إسرائيل ـ تحارب الإرهاب في عقر دارها. وبالتالي تعلن أنها أولى بمحاربة الإرهاب وأن الإرهاب الحقيقي هو الإرهاب الفلسطيني وليس هناك إرهاب أفغانستان. فما هو موقف الدول العربية والخليجية إزاء هذا الأمر، وما هو موقف الدول العربية إزاء ضربات موجهة إلى دول عربية سواء الصومال أو العراق أو غيرها؟ ـ أحمد إبراهيم محمود: أود طرح نقاط قصيرة؛ أولاً: الورقة لا توصي بتعاون أمني واستخباراتي بين الدول الخليجية والعربية والولايات المتحدة، وإنما ما قصدته الورقة الحديث عن الانعكاسات من وجهة النظر الأمريكية. صحيح أن الولايات المتحدة في حرب أفغانستان قامت بالحرب بالكامل بمساعدة محدودة جدًا من بريطانيا ولم تحتاج إلى المجتمع الدولي ومن ضمنه الدول العربية والخليجية، وإنما في مرحلة ما قبل الحرب مرحلة التحقيقات وجمع المعلومات الأمنية، فإن الولايات المتحدة احتاجت إلى مساعدة كبيرة من الدول العربية. وبطبيعة الحال لا نعرف حدود التعاون الأمني، ولكن هناك إشارات إلى وجود تعاون يومي ومستمر وكثيف جدًا وهو مسألة معقدة لأنه يتقاطع مع اعتبارات السيادة الوطنية. فكما ذكرت في مداخلتي أن هذا الأمر كان له انعكاسات داخل السعودية كان نتيجتها إبعاد الأمير تركي الفيصل مدير وكالة المخابرات السعودية. وبالتالي فمسألة التعاون الأمني تعتبر مسألة شائكة ومن ناحية أخرى فالتعاون الأمني أصبح مجالاً للتنافس بين دول كثيرة، فإسرائيل تنافس الدول العربية على التعاون الأمني مع الولايات المتحدة. وتحاول أن تثبت جدارتها في هذا المجال فحتى لو وجدت دول عربية تبدي امتعاضا من التعاون الأمني المكثف مع الولايات المتحدة فإن المنافسة الإسرائيلية تخلق نوعاً من السباق في هذا المجال لأن جميع الأطراف يهمها التأكيد على أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة وهي مسألة شائكة إلى حد كبير. النقطة الثانية: تتعلق بانعكاسات التقارب الأمريكي ـ الإيراني واحتمالات التقارب بينهما على تقارب إيراني ـ خليجي. فقد ذكر د. حسن أن التوتر الأمريكي ـ الإيراني كان سببًا في الحد من التقارب الإيراني ـ الخليجي وهو بالتأكيد عامل مهم، أضيف عليه عامل آخر شائك يحد من احتمالات التقارب الخليجي ـ الإيراني وهو يتعلق بالنزاع بين إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة حول الجزر الثلاث المتنازع عليها. وهي في تصوري معوق حقيقي للتقارب ليس فقط بين إيران والدول الخليجية ولكن بين إيران والدول العربية ومنها مصر، فالجزر قضية شائكة جدًا. وحتى إذا حدث تقارب أمريكي ـ إيراني فليس بالضرورة ان يتحول إلى تقارب خليجي ـ إيراني وما إلى ذلك. النقطة الثالثة: وهي دور إسرائيل في أزمة العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، فقد لعبت إسرائيل في الحقيقة دورا أساسيا في الأزمة الأخيرة. بل إن جزءاً كبيراً من الحملة المعادية للعرب والمسلمين في وسائل الإعلام الأمريكية والغربية كانت تحركه إسرائيل، واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة. وقد حرصت إسرائيل منذ بداية الأزمة على استغلال الأزمة إلى أبعد الحدود لخلق فجوة بين الغرب والإسلام لخدمة أهداف دولة إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية. وتسعى إسرائيل في الوقت الحالي لاستغلال الأزمة الراهنة لتكريس الفجوة بين الغرب والإسلام وهذا له تجليات كثيرة في كافة المجالات منها اتهام الحكومات العربية والإسلامية بالتطرف، وترديد كلام بين الحين والآخر بضرب دول عربية بما في ذلك السعودية ومصر. يصل التطرف في مواقف وسائل الإعلام الأمريكية إلى درجة القول بأن السعودية باعتبارها تدعم حركات متطرفة كان يجب أن تُضرب من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية بدلاً من أفغانستان. وبالنسبة لإعلان دمشق فقد مات الشق العسكري في الإعلان بعد حرب الخليج مباشرة ولم يستمر. وطوال السنوات الماضية كان الكلام عن تعاون سياسي واقتصادي وحتى التعاون الاقتصادي بالنسبة لصندوق التعاون الاقتصادي الذي كان قد اتفق عليه تقلصت ميزانيته. ولم يعد هناك كلام عن الإعلان. وأخيرًا؛ مسألة الديمقراطية وتأثير حرب أفغانستان وأزمة 11 سبتمبر على مسألة الديمقراطية، فقد وضحت في كلامي أن كل ما نطرحه هو مواقف النخبة الأكاديمية في الولايات المتحدة والغرب ووسائل الإعلام وليس السياسة الرسمية للولايات المتحدة فهناك فرق كبير جدًا. وعندما تحدثت قلت إذا حاولت الإدارة الأمريكية أن تحول هذه الآراء إلى سياسة عملية فسوف تحدث مشكلات. أما موقف الإدارة الأمريكية فهي التي كانت تختلق الذرائع للدول العربية حتى تستبعدها من مسألة التحول الديمقراطي، فالولايات المتحدة هي التي لها مصلحة أكثر من أي طرف آخر في استمرار الوضع الحالي لأنها تخشى أن تؤدي عمليات التحول الديمقراطي إلى إيصال الجماعات المتطرفة التي تناصبها العداء ـ إلى السلطة ـ، وبالتالي فالولايات المتحدة لها مصلحة أساسية في استمرار الوضع الحالي. ومن غير المتصور أن التوصيات التي تطلقها مراكز الأبحاث الأمريكية أن تتحول إلى سياسة رسمية للإدارة الأمريكية. القاهرة : المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية