الدكتور فرانسيس دينق مفكر سوداني له اسهامات عديدة في مجالات الفكر والسياسة والثقافة وله رؤية عن مفهوم السيادة الوطنية يمكن اجمالها في الآتي: السيادة الوطنية لا يمكن رؤيتها كحاجز ضد التدخل الدولي لمساعدة البلاد لتتعامل مع المشاكل الانسانية وحقوق الإنسان، فالسيادة في نظره لا تعني انه مهما حدث داخل حدودك ومهما تفعل بمواطنيك فالعالم سيقف ليتفرج عليك فقط!! السيادة الوطنية هي مبدأ المسئولية في ترتيب منزلك اولاً، تهتم بشعبك، تساعدهم وتحميهم واذا احتجت لتعاون دولي فعليك ان تطلبه او على الاقل ان ترحب بمبادرته لمساعدة شعبك وتابع د. فرانسيس بالقول «انا اؤمن بأن أسباب التدخل الانساني وحماية حقوق الانسان قد تطورت وان كل من يحاول ان يعطل سير المسيرة الدولية للتقدم الانساني سيقبع خارج التاريخ. التدخل في الشأن الداخلي للدول اصبح امراً طبيعياً وان تنوعت الأساليب واللافتات تحت مظلة الشرعية الدولية كما حدث في العراق، الحلف الاقليمي في كوسوفو وتحالف الراغبين في تيمور الشرقية فان اللاعب الاساسي والمحرك الفعلي واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الاعظم في العالم احادى القطبية والولايات المتحدة كأي دولة كبرى تحركها مصالحها المتناقضة. اصلاح مع مصالح الشعوب المغلوبة على امرها، وهي اي امريكا ليست محايدة في أي صراعات محلية أو اقليمية. أمريكا والخوف من المجهول يقال ان انتهاء الحرب الباردة اوقع أمريكا في هاجس الخوف من المجهول، عبر عن هذا الموقف كل من كولن باول وزير خارجيتها اذ قال: ان العدو ذلك المجهول بالنسبة للمقبل الأمريكي، والمفكر الاستراتيجي كولن جراي وهو احد اكبر المخططين للسياسات الأمريكية العليا ورئيس المعهد القومي للسياسات العامة في واشنطن له نظرية جديدة عن المستقبل على أساس الفكرة الشائعة التي ترى ان الولايات المتحدة فقدت بانتهاء الحرب الباردة البوصلة المحددة لمصادر التهديدات المحتملة وانها بالتالي أصبحت تحارب المجهول وربما اوقعها ذلك في التخبط في أكثر من اتجاه، تساءل جراي عن سياسة الأمن القومي الأمريكي بعد عشر سنوات من انهيار مقولة التوازن بين الجبارين وعن القوى التي ستؤيد هذه السياسة واسلوب تحليل طبيعة وأهداف القوات المسلحة للولايات المتحدة في بدايات القرن. اختلاط مبدأ صراع الحضارات بحواراتها وأهمية الشعوب العربية والاسلامية بالنسبة لأمريكا وهي التي وظفتها ببراعة لخدمة مصالحها في مواجهة التمدد الشيوعي في الماضي وضمان تدفق البترول من الخليج وتطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل للوصول لهذه المعادلة غير العادلة غيرت الولايات المتحدة من أساليبها وتكتيكاتها مستخدمة أسلوب «العصا والجزرة» أما استراتيجيتها تجاه المنطقة فهي ثابتة فالعربي في نظر الغرب عموما متعصب ـ كسول ـ جبان ـ شهواني ـ كذاب.. الخ مؤخراً صدر تقرير أمني عن مركز الدراسات الأمنية والدولية الأمريكي يحمل عنوان «من اجل ان نسود» يدعو التقرير إلى ما يسميه تغير العقول والقلوب في العالم الإسلامي يوصي التقرير بمعالجة بذور الكراهية لأمريكا في العالم الإسلامي عبرالمساعدات الأمريكية واتباع اسلوب التهدئة في التعامل مع العرب والمسلمين. العرب قوم لا ذاكرة لهم يمكن التحكم في أمرهم بسهولة ان استطاع اللاعب الماهر استيعاب واقعهم وصراعاتهم واستثمارها للتحكم في حركاتهم وسكناتهم. الجماعات الاسلامية المتطرفة كمثال صنيعة امريكية والتحولات في افغانستان تصاعدت وتيرتها بعد ان وجه بريجنسكي من بيشاور على الحدود الباكستانية الافغانية فوهة بندقيته تجاه الاراضي الافغانية موجها المجاهدين الذين وجدوا الرعاية من امريكا للجهاد ضد الوجود السوفييتي في افغانستان حماية للعقيدة وهو الشعار الذي تجمعت حوله اعداد من العرب والمسلمين «العرب الافغان» والان بعد ان تبدلت المواقف والتحالفات شكلت الجماعات الاسلامية حلفاء الامس خطراً على الحكومات المعتدلة وعلى مصالح أمريكا فهي العدو الجديد اما موسكو مصدر التهديد في الماضي الان حليف ضد الإرهاب وضد ما قد يرشح من تنظيم القاعدة وطالبان عبر الحدود المشتركة لدول اسيا الوسطى. اسلوب التهدئة لم يقتصر على المجال السياسي فقط ومفكري الغرب مشهود لهم باتباع الاسلوب الهاديء والنفس الطويل في معالجة القضايا الكبرى هنتجنتون صاحب النظرية الشهيرة صدام الحضارات في محاضرة له بدبي بدأ يتحدث بلغة تميل إلى التفاهم بدل التصادم وينطوي على تنصل تكتيكي من مسلماته التي طرحها كحتميات تاريخية ربما كان التراجع المنهجي عن معادلة صدام الحضارات إلى معادلة حوار الحضارات له علاقة بالتراجع التكتيكي في اطار الطرح الدبلوماسي الأمريكي الذي يهدف إلى تهدئة مع العرب والمسلمين وتعميتهم عن ما تخفيه السياسات الامريكية وراء حربها ضد الإرهاب وهي التي بدأت في افغانستان وفي القائمة دول اخرى معظمها عربية ـ العراق ـ السودان ـ الصومال ـ سوريا ـ لبنان ـ حزب الله ـ حماس ـ الجهاد... الخ تأكيداً لهذا المعنى تطرق هنتجنتون في محاضرته في دبي إلى وجود عناصر بن لادن وهي عناصر متطرفة وارهابية وبن لادن كمثال في نظر الغرب يعمل من اجل صدام الحضارات بينما المطلوب حوار الحضارات محذراً بأن صدام الحضارات سيقع اذا نجح بن لادن في اقناع المسلمين بأن ما يجرى هو حرب ضد الإسلام!! الحرب ضد الإرهاب كما وصفها الرئيس بوش حرب طويلة في بعدها الزماني وتغطي مساحة واسعة في بعدها المكاني. حرب الهدف من ورائها تجفيف منابع الإرهاب «الجماعات الإسلامية» واحتواء الدول التي صنعت من سنين راعية وداعمة له لتحقيق اهدافها. اتبعت الولايات المتحدة اسلوباً مرناً «اسلوب التهدئة» لضرب الدول والحركات الإسلامية المستهدفة واحدة واحدة لهذا تحدث الرئيس دبليو بوش عن وجوب قيام دولة فلسطينية وان اشترط على قيامها ان يتم التفاوض بين طرفيها السلطة الفلسطينية وإسرائيل على حدودها دون أي ذكر للمرجعية الدولية وقراراتها. وجوب قيام دولة فلسطينية فرضتها حاجة الولايات المتحدة لتشكيل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب واسلوب ملتوي الهدف من ورائه شراء سكوت الدول العربية والإسلامية هذا ما أكدته الوقائع فيما بعد عندما تمكنت امريكا من فرض سيطرتها عسكرياً وسياسياً على افغانستان بدأت التصريحات تتواتر على انتقال الحملة التأديبية إلى دول عربية. أما القضية الفلسطينية فقد تغيرت لغة الخطاب الاولوية الان لأمن إسرائيل ولضرب البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية «الجهاد وحماس» فهي منظمات إرهابية وعلى السلطة الوطنية ان ارادت ان تستمر ان تختار بين موقفين يصعب الجمع بينهما. مع من تقف السلطة؟ مع المقاومة المشروعة والشعب المهدد في وجوده ام مع الصلف والغطرسة الإسرائيلية؟ أمريكا ومشروع التدخل الانساني في السودان اهتمام الولايات المتحدة بالسودان في الاسابيع الأخيرة وتعيينها للسيد جون دانفورث مبعوثاً خاصاً لها في السودان اثار اسئلة كثيرة خاصة بعد ان صاحبت زيارات الوفد الأمريكي حوارات مهمة بين النظام الحاكم في السودان مع وفد من الاتحاد الأوروبي ولكن تصريحات الجانب الأوروبي والأمريكي عن محتوى الحوارات وثيقة اتهام ضد النظام في السودان. السفير البريطاني في الخرطوم في تعليق له على الحوار السوداني الأوروبي قال: حقق الحوار على مدى عامين نتائج ايجابية في عدد من المحاور مثل الإرهاب وعلاقة السودان مع جيرانه موضحاً ان المرحلة المقبلة ستتركز على قضايا السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان اما الوفد الأوروبي فقد أعلن عن رغبته في التعاون لاحراز تقدم في مجالات السلام ـ الديمقراطية ـ حقوق الانسان للوصول إلى تطبيع علاقات الطرفين في نهاية فترة الحوار الذي تقرر ان يمتد إلى عام آخر!! السؤال الواجب طرحه هل حكم الاتحاد الأوروبي على السودان بحسن السير والسلوك لمدة عام؟ الاجابة كانت واضحة فيما طرحه وزير العدل السوداني اذ جاء في تصريح له ما يؤكد حرص الحكومة واهتمامها بحقوق الانسان وقدم الوزير للوفد شرحاً لقانون النظام العام والاصلاحات التي ادخلت عليه وجهود الحكومة للقضاء على اختطاف النساء والأطفال وارجاعهم إلى ذويهم واقامة مشاريع تنموية للقضاء على هذه الظاهرة مستقبلاً وانشاء محاكم خاصة للذين يرتكبون مثل هذه الجرائم. صاحب الحضور الوفد الأمريكي تحرك غير عادي للجماعات المعادية للنظام الحاكم في السودان وحديث عن اعادة مشروع قانون سلام السودان للكونجرس حتى النشرة التي صدرت من السفارة الأمريكية في الخرطوم ففيها اتهام صريح ولغة مغلفة بأن لأمريكا تصور ما مختلف عن كل ما طرحته المبادرات السابقة جاء في النشرة ان الافعال الإرهابية ضد المدنيين في جنوب السودان قد زادت وتيرتها بصورة ملحوظة منذ ان رفع مجلس الأمن الدولي في 28 سبتمبر العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة في عام 1995 رداً على دور السودان في محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس حسني مبارك في اديس ابابا وتصف النشرة.. قامت الحكومة الأمريكية بتخفيف الضغط على الحكومة السودانية بعد الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر مستجيبة للمعلومات التي ادلى بها السودان عن شبكة تنظيم القاعدة وموقف الحياد تجاه الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد بن لادن وطالبان. وتقول النشرة... يضع المبعوث الأمريكي الخاص للسلام في السودان السيناتور جون دانفورث اولوية قصوى عن انهاء الاختطاف الذي تقوم به وحدات المجاهدين التي تتبع لحكومة السودان في جنوب البلاد. الاتهام الصادر من أوروبا وأمريكا اضاف له جيرهارد بوم المقرر الخاص لحقوق الإنسان في السودان بعدا جديداً اذ جاء في آخر تقرير اصدره عن المليشيات التي تتلقى دعماً من حكومة السودان ما يلي: انها تقوم بعمليات قتل جماعي وترويع واغتصاب واختطاف وأعلن ان حكومة السودان تشارك المليشيات المسئولية في تلك الافعال. أما دان فورث برغم لغته الدبلوماسية وحديثه المبطن عن ان السلام يحققه السودانيون انفسهم وليس غيرهم وان أمريكا لا يمكن ان تحقق شيئاً في السودان دون توافر الارادة السودانية الراغبة في ذلك. قدم مشروعاً للسلام الاولوية فيه لمنطقة جبال النوبة سوف نتعرض إلى تفاصيله في المقال القادم. بقلم: د. ابراهيم الأمين