قلنا ان جل الهم الرسمي العربي في دوربان انحصر في قضية واحدة هي إسرائيل والعنصرية. وبغض الطرف عن الموضوعات التي لا تمس الدول العربية مساً مباشراً ـ أو هكذا تحسب ـ مثل قضايا التبت والروما بل حتى تعويضات أخلاف الأفارقة الأمريكيين إلا أن هناك موضوعات أخرى أولاها المنتدى اهتماماً كبيراً، وقطع فيها برأي كان أجدى بالدول العربية ومنظمات المجتمع المدني فيه أن لا تتجاهلها. من ذلك قضايا المرأة التي لم تحرم فحسب من حقوقها في بعض الدول بل نزعت عنها إنسانيتها في بعض الدول، التعذيب الذي ما أنفكت تمارسه دول بعينها ضد مواطنيها، الصراعات الأثنية، المفاهيم الثقافية التي انحدرت من تجربة الرق عبر الصحراء إلى آخر ذلك. كل هذه القضايا طرحت جانباً إلا قميص عثمان، ويا لذلك من تعبير منهوك. ما كنت لأختاره لولا أنني لم أجد أبلغ منه في التعبير عما يعتمل في النفس. رافعو ذلك القميص أصبحوا ملكيين أكثر من الملك إذ لله دره نبيل شعث عندما قال: «نحن لا نريد إثارة قضية إيديولوجية ضد إسرائيل»، ومع أن الإدانة الإيديولوجية لإسرائيل جاءت بصورة لا لبس فيها إلا أن هذا لا يغير من طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي كصراع ضد احتلال استعماري ينطبق عليه كل ما ينطبق على صراعات التحرر من ربقة الاستعمار. من شاشة الوفود العربية أيضاً سقطت أكثر القضايا التهاباً في المؤتمر بالنسبة لأفريقيا، وأشدها إيلاماً لنفوسهم وجرحاً لآدميتهم: قضية الرق. لا أعرف منظمة واحدة من المنظمات الحقوقية العالمية التي كانت تعمل للإعداد للمؤتمر لم تجعل تلك القضية واحدة من كبريات القضايا التي تناولتها بالاستقصاء والتحليل. فأفريقيا فيما نرى لا تساوي على المستوى الرسمي العربي الا رصيداً يسحب منه التأييد الدبلوماسي والسياسي متى ما دعا الحال بعض أهل السياسة في الوطن العربي يظن أن في الدعم التنموي الذي تقدمه الدول العربية لبعض الدول الأفريقية غنية عن الدعم المعنوي لما يحسبه الأفارقة قضية وجود، وهذا خطأ قاتل. لهذا سعدت كثيراً لما قاله حسن جبارين مدير مركز عدالة، المركز القانوني لحقوق المؤتمر: لم يكن لنا حديث مع الأقليات أو حولها، لم نجر حواراً مع التنظيمات النسوية، لم نقم بخطوة تضامنية مع الشعوب المضطهدة. لم نكترث إلا بوجودنا (الحياة 4 أكتوبر 2001) سعادتي إزدادت بما أفضى به عزمي بشارة العضو العربي الفلسطيني في الكنيسيت لتلفزيون الجزيرة في معرض حواراتها حول مؤتمر دوربان عن ضعف التفاعل العربي الأفريقي في دوربان حول قضايا القارة وعدم الاهتمام التام بهذه القضايا في مداولات منظمات المجتمع المدني العربي. إن إدانة المنتدى لإسرائيل بصورة غير مسبوقة هي بلا مراء أكبر انتصار أدبي لفلسطين، خاصة وقد ظلت أغلب المنظمات التي ضمها المنتدى تتعامل في الماضي مع إسرائيل بحسبانها داود المستضعف أمام جولياث المارد. ولكن شكراً لشارون فقد أزال بجرائمه آخر ورقة خصفها العُريان على بدنه. مع هذا، لانحسب تلك الإدانة هي نهاية المطاف إذ أن المنتدى الذي تستذكر الحكومات العربية حكمه على إسرائيل باستحسان بالغ تناول أيضاً ممارسات أخرى تجافتها المواقف الرسمية. تلك المواقف استحضرها معلقون ناصحون نذكر منهم (وضاح شرارة الحياة 9 سبتمبر 2001، عدنان حسين الشرق الأوسط 10 سبتمبر 2000، راغدة درغام الحياة 7 سبتمبر 2001). استحضر هؤلاء مأساة الأكراد في حلبجه، ومطالبة أهل جنوب السودان باحترام هويتهم الدينية والثقافية، وملاحقة الأنظمة العربية لمنظمات المجتمع المدني في بلادها رغم سرورها وابتهاجها بما قامت به المنظمات النظيرة خارج بلادها. قميص عثمان كان هو المهماز الذي دفع بتلك الأنظمة للهروب الى الامام من كل تلك القضايا. ونحسب أن هذا هو ما عناه القس جيسي جاكسون عندما قال للعرب ـ وهو الصديق للفلسطينيين ـ أن تَلَبث المؤتمر عند نقطة واحدة يكاد يغطي على اهداف المؤتمر والتي هي كشف وتعرية كل الممارسات الشاذة ضد حقوق الإنسان من انحياز النظام القضائي في أمريكا ضد السود إلى وضع المرأة في أفغانستان إلى جرائم الرق المعاصر في السودان (الهيرالد تربيون (31/8/2001). من تلك الغابة الكثيفة من القضايا المشتجرات نتناول موضوعين: الأول هو الرق في السودان والثاني الموروثات الثقافية التي كانت تجربة الرق عبر الصحراء حاضناً طبيعياً لها. منطلقنا في تناول الموضوع الأول هو ما ورد في الفقرة 67 من الإعلان حول استمرار ممارسات الرق في موريتانيا والكاميرون والنيجر والسودان. كمواطن سوداني ترتعد فرائصي عندما استمع لتلك التهمة الغليظة تلحق ببلدي، ولهذا أسعى للتثبت من تلك التهمة لأن هذا هو أدنى ما يفعله حادب على وطن يلمس له النجاة. على مدى سنوات عديدة ظلت المنظمات الدولية (اليونسيف ومراقبو لجنة حقوق الإنسان)، والمنظمات الإنسانية الأجنبية (ويرلد فيشن، أفريكا ووتش)، والبرلمانية (الكونجرس ومجلس اللوردات)، والصحافة (بلتمور سن، الجارديان)، بل والمنظمات الحقوقية السودانية (المنظمة السودانية لحقوق الإنسان)، تتحدث باستفاضة عن ظاهرة الاسترقاق الجديد والتي كانت نتاجاً مباشراً للحرب. فمنذ بضع سنوات تسبق قيام النظام الراهن أخذت أنظمة الحكم في الخرطوم في تجييش قبائل الشمال التي تقطن فيما يسمى بمناطق التماس للالتحام بقبائل الجنوب المحازية لها بهدف خلق حالة من الرعب بين الجنوبيين في تلك المناطق باعتبار أن أهلها يمثلون رصيداً بشرياً استراتيجياً للحركة الشعبية. وبما أن هؤلاء المجيشين ليسوا جنوداً نظاميين يخضعون لأحكام عسكرية صارمة ويتقاضون رواتب على أعمالهم العسكرية كانت الجائزة الوحيدة لهم في تلك الحرب هي نهب ابقار الجنوبيين واسترقاق نسائهم وأطفالهم أما لاستخدامهم قسراً أو لبيعهم للراغبين من ذويهم، فالأنظمة، إذن، وإن كانت لا تمارس الرق بصورته التقليدية اقتناص الرقيق عبر النخاسين، بيعهم في أسواق معترف بها، تحديد أسعار لهم إلا أنها أولاً خلقت الظروف لبروز هذه الظاهرة السيئة، وثانياً سعت للالتفاف حول الظاهرة بالإدعاء بأن تلك الممارسات قد عرفتها القبائل من قديم الزمان. هذه هي نصف الحقيقة، إذ صحيح أن تلك القبائل الرعوية ظلت تصطدم ببعضها البعض في صراعها الحيوي من أجل البقاء: من أجل الماء والمرعى. صحيح أيضاً أن القبائل في إطار ذلك الصراع كانت تأخذ الرهائن من بعضها البعض ريثما تحل المشاكل عبر حكماء القبائل المتصارعة. بيد أن الظاهرة الجديدة هي سبي الحرب. وفي واقع الأمر فإن تعامل حكماء القبائل مع هذه الصراعات في الماضي قد بنى أرضية للتعاون الخلاق بين القبائل مما جعل من مناطق التماس المزعومة مناطق تمازج. فقياس ما يدور اليوم من صراع قبلي مفتعل لأسباب سياسية انتهازية، وما كان يدور بالأمس من صراع وجودي، قياس مخدوش وباطل. لهذا يخلد بمن أفتعل ذلك الصراع أن يتحمل النتائج التي ترتبت عليه. محاولات الالتفاف هذه وجدت أذناً صاغية من كل الدول العربية، كما قوبلت بصمت مريب من أكثر المعلقين. ولهذا سُعد السودانيون الذين تؤرقهم تلك التهم الغلاظ ضد بلادهم عندما كتب عبد الرحمن الراشد (الشرق الأوسط 11 أبريل 2001) تحت عنوان الرق في السودان حقيقة أم دعاية؟ يقول: «قبل أن يتسرع أحد من المسئولين السودانيين ليكرر القول ان روايات استرقاق البشر في السودان ليست إلا أكاذيب معادية، علينا أن نراجعها في وقفة صدق. فهناك دخان وهناك نار». ذهب من بعد للقول: «معالجة الرق مسألة سهلة سواء أكان صحيحاً أم مكذوباً من خلال محاربته أو التحقيق فيه. فروايات شهود العيان حول اصطياد البشر واسترقاقهم دقيقة في تفاصيلها. بدلاً من الاقبال الجاد على ذلك الأمر السهل التحقيق فيه عبر مؤسسات دولية موثوق بمصداقيتها، آثر النظام أن يردد تلك الأسطوانية المشروخة حول الهجمات الكنسية على السودان وكأن ليس للكنيسة هذه ما يشغلها في هذا العالم العريض غير متابعة نظام السودان وتقويض مشروعه الحضاري. هذه البارانويا يعاني منها النظام كما يعاني مسوقوه في الوطن العربي. وكما قال الاستاذ محمد ابراهيم خليل وزير الخارجية السوداني الأسبق ورئيس آخر برلمان شرعي منتخب في السودان ليس صحيحاً أن كل الذين يتحدثون عن الرق صليبيون وصهاينة (الشرق الأوسط 17/1/2001)، حقاً لقد فتحت قرارات منتدى دوربان ـ التي أشاد بها نظام السودان بين من أشاد ـ صندوق باندورا ولا سبيل لأحد أن يغلقه. ذلك أمر لا يقدم عليه إلا الشاردون من الواقع إلى الأوهام. الرق عبر الصحراء موضوعنا الثاني هو الرق عبر الصحراء. تلك صفحة من التأريخ لا نملك أن نسقطها من الذاكرة أو نهرب منها ـ هي الأخرى ـ إلى الأمام. فالثقافة العربية مرهقة بالأفكار التي قد تعيق سعي الإنسانية المعاصرة للاصطلاح على فهم جديد لحضارة الإنسان يرتكز على التعايش الخلاق بين مكوناتها. كثيراً ما يجئ الرد على من يشير الى موضوع الرق عبر الصحراء بأن الوضع الاجتماعي للرقيق المسلم لا يقارن بأي وجه من الوجوه مع وضع الأرقاء الذين حُملوا قسراً عبر الأطلسي. كما يتوسل أهلنا المسلمون العرب بأن الإسلام ـ دون غيره من الأديان ـ قد حد من ظاهرة الاسترقاق. المقولة الأولى صحيحة بقدر لأن أغلب من استرقهم العرب من البيض والسود على حد سواء، اتجه بهم آسروهم الى القطاع الخدمي لا الإنتاجي (التجنيد الحربي، الاعمال المنزلية). وقد بلغ بعض الذين اتجهوا إلى العمل الحربي شأواً رفيعاً مثل المملوك الأبيض بيبرس الذي أصبح رابع سلاطين المماليك البحريين وهازم الصليبين والمغول. أو المملوك الأسود أبي المسك كافور عبد الأخشيد الذي انتهى إليه حكم مصر. لهذا من العسير أن نجد ترقياً اجتماعياً مثل هذا في حالة الرق عبر الأطلسي. فالزنوج في أمريكا مثلاً، لم يسمح لهم بالانخراط في العسكرية إلا في عهد ترومان. صحيح أيضاً أن الإسلام قد أستن قواعد للحد من الرق دون أن يلغيه كظاهرة اجتماعية. وما كان للدعوة الإسلامية وهي في بدايتها أن تجابه سادات قريش مجابهة مباشرة في مقتنياتهم بعد أن حرمتهم من آلهتهم. كان من بين هؤلاء السادات من قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذ شهده يدعو للعتق ويحتضن الأرقاء: «لقد ألبت علينا عبيدنا». سبيل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الحد من تلك الظاهرة كان هو التمييز الروحي لمن يحرر رقيقه (اعتبار العتق عملاً تعبدياً)، والترقي الاجتماعي للأرقاء المعتوقين باحتضانهم وتوليتهم أعلى المراتب. بل كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شديد القسوة مع الذين يُعيّرون الناس بألوانهم حتى وإن كانوا من أقرب صحبه. مثال ذلك قوله لأبي ذر يوم أن نادى أحدهم: يا ابن السوداء: يا أبا ذر، إن بك لوثة جاهلية. وكان في قسوته أشد مع الذين يمتهنون عبيدهم ومن ذلك حكمه بالقتل على عبد الله بن خطل الشاعر القرشي حتى وإن وجد متعلقاً بأستار الكعبة، قصاصاً لقتله عبده. بيد أننا في تناولنا لظاهرة الرق عبر الصحراء إلى البلاد العربية لا نحاكم الإسلام، وإنما نحاكم الممارسات. كما لا نسعى إلى اصطناع مقاربة بين الرق عبر الأطلسي والرق عبر الصحراء وما تبع الأول من مطالبات بالتعويض عنه لأسباب لم تعد خفية على أحد. يبقى أمران مهمان، الأول ذو طابع معنوي، والثاني طابعه فكري وتربوي. الاعتذار الأدبي الذي طالبت به أفريقيا وطالب به المنتدى يزيل من النفوس ما أغصها على مدى قرون طوال. من تلك الغصة لم يعان فحسب الفرد الأفريقي العادي، بل صفوة القوم الذين عبروا عن المرارة التي يحسون بها، أفراداً وجماعات. مثال ذلك قرار منظمة الوحدة الأفريقية بتشكيل لجنة من أميز رجال القارة للبحث عن سبل إزالة هذه الوصمة العالقة. وكان على رأس قرارات اللجنة وجوب الاعتذار عن الرق القديم أيا كان مصدره. واحد من أعضاء هذه اللجنة عربي الأصل (البروفيسور علي مزروعي) وثلاثتهم من أكثر الناس تمسكاً بإسلامهم وتقديراً لما قدمته الحضارة الإسلامية (مسعود أبيولا) من نيجيريا ومدير اليونسكو السابق (أحمد مختار أمبو). مع هذا فإن أكثر من يتحرج من الحديث عن هذا الموضوع هم المولعون بالحديث عن حقوق الإنسان والمثابرون عليه. لهذا أحمد للكاتب التونسي محمد الحداد الإشارة إلى موضوع الاعتذار عن الرق في أكثر من مقال له بجريدة «الحياة»، كما آسى لأن مقالاته تلك لم تستفز أحداً على الكتابة. أما الجانب الفكري فيدلف بنا إلى النظرة الشائعة والشائهة حول الرجل الأسود في الأدب العربي. لا تنحصر تلك النظرة النمطية في ذلك المخلوق آكل لحوم البشر التي غذتنا بها روايات مثل ألف ليلة وليلة، والتي كان أول من تصدى لها كاتب تونسي آخر المنصف بن حسن في كتابه العبيد والجواري في قصص ألف ليلة وليلة بل نتلقاها في أسفار الثقاة الذين أقاموا للفكر العربي في علوم التأريخ والجغرافيا والاجتماع صروحاً راكزة. مع ذلك فمن بين هؤلاء من أرهق المخيال الجمعي بأفكار حول أفريقيا تستعصي على المنطق. قرأت، فيما قرأت، مقالاً للاستاذ زين العابدين الركابي، وهو صاحب مقالات حسان. قال الاستاذ في تعليق له حول مؤتمر دوربان: ان التصور الغربي للإنسان غير الأبيض ملتاث وردئ ومبطل ليس في أذهان العامة والسوقة، بل في أذهان الصفوة منهم، الذين نهضوا لإيجاد فلسفة علمية للتمييز العنصري. كمثال لهذه الصفوة اشار الكاتب الأريب إلى ه.ج. ويلز وهيربرت سبنسر (الشرق الأوسط 1/9/2001) هذا التصور الملتاث والردئ والمبطل للرجل الأسود له أشباه ونظائر في التأريخ العربي قادت إلى تكريس مفاهيم خبيثة في العقل الجمعي العربي. في زمان الاعترافات هذا، واجبنا الأساسي هو العمل على تقويض دعائم هذا الفكر العنصري في كل الثقافات ومن بينها الثقافة العربية حتى وان دعا هذا إلى القراءة التحريفية لفصول من تاريخ نفخر به. فابن خلدون، مثلاً، يقول عن أخلاق السودان «السود» فى المقدمة الثالثة: «أخلاقهم.. قريبة من خلق الحيوانات العُجم ويبعدون عن الإنسانية بمقدار ذلك». موضوع تلك المقدمة هو أثر الطبيعة الهواء في ألوان البشر وأحوالهم، إلا أن ابن خلدون انطلق من تقويمه العلمي الصائب بأن العوامل البيئية (الهواء والحرارة) تؤثر في التكوين الجيني للإنسان إلى حكم لا يسنده دليل، ذلك هو زعمه بأن العوامل البيئية تؤثر أيضاً في الأخلاق والسلوك وهما صفتان مكتسبتان. بيد أن ابن خلدون يناقض نفسه عندما يقول في نفس المقدمة الثالثة باعتدال نفر من هؤلاء السودان وهو الأقل النادر ـ مثل الحبشة المجاورين لليمن الدائنين بالنصرانية فيما قبل الإسلام وما بعده لهذا العهد، ومثل أهالي مالي وكوكو والتكرور المجاورين لأرض المغرب الدائنين بالإسلام لهذا العهد.فابن خلدون يقر، إذن، بان العادات والأخلاق والأحوال الاجتماعية تكتسب بالتمثل أثر الإسلام والمسيحية، لا بالأصل العرقي الموروث. ذلك التناقض ورد أيضاً في حكم ابن خلدون في المقدمة الرابعة التي قال فيها أن خلق السودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب. والسبب الصحيح في ذلك أنه تقرر في موضعه من الحكمة أن طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه، في ذات الوقت أنكر ابن خلدون قول المسعودي (مروج الذهب ومعادن الجوهر) أن خفة السودان وطيشهم وكثرة الطرب فيهم «إنما هو لضعف أدمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم». قول المسعودي هذا يصفه ابن خلدون بأنه كلام لا محصل له ولا برهان فيه. على أن عنصرية المسعودي واستعلاءه العرقي لم يعرفا حداً إذ لم يجد البلداني الجغرافي الكبير موطناً من الفلك ينسب إليه الرجل الأسود غير زحل، كوكب النحس.وبذلك لم يكتف بل أردف مضيفاً قول الشاعر: والشيخ منهم زحل العلوي شيخ كبير ملك قوي وطبعه السواد والبروده أسود لون النفس في كموره أفعاله في الزنج والعبيد وفي الرصاص بعد والحديد لم ير المسعودي في السودان ما رآه صنوه البلداني ابن بطوطة الذي أورد ما استحسنه وما استقبحه من أفعالهم في مجموعة أخباره (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار). هذا بالطبع لا يغفر لابن بطوطة الرحالة المسلم قفوله راجعاً من مالي المسلمة وعلى رواحله ستمئه رقيق علماً بأن الإسلام قد رفع السبي عمن أسلم. ومن الغريب أن يذهب لذلك الرأي العنصري الضيق ابن سينا الحكيم (المعلم الثاني) عندما أفتى أن الحرارة تخلق طبيعة تؤهل المرء للاستعباد في أقصى طرفي التناسب (مناطق الحرارة القصوى والبرودة القصوى)، أي أن السود والبيض الشقر معدون بطبعهم للرضاء بالاسترقاق. ولئن كان المعلم الأول سقراط وصاحباه قد أباحا استرقاق غير أهلهم، إلا أن وراء المعلم الثاني ميراث ثر من كتاب الله حول توقير كرامة الإنسان لم يستلهمه رغم أنه صاحب الجمانة الالهية في التوحيد. برأي ابن سينا تأثر أيضاً القاضي سعيد الأندلسي (توفي في طليطله عام 1070) إذ جاء عنه أن السلاف والبلغار وجيرانهم لبعدهم عن الشمس يتصفون بالغباء وعدم وضوح الذهن. كما أن الذين يتعرضون للحرارة المفرطة يصبحون سوداً حادي الطبع لا يملكون القدرة على ضبط النفس واستقرار العقل كما يتصفون بالسخف والغباء. وهؤلاء هم النوبيون والأحباش والمتوحشون في غانا وحثالة البشر من الزنج (أورده شيخو في طبقات الامة، طبعة بيروت 1912). هؤلاء الثقاة من علماء المسلمين لا يمكن أن يكونوا بهذه الدرجة من السخف والغباء ودونهم كتاب الله وسنن رسوله القولية والفعلية. حقيقة الأمر أنهم ـ كمن تلاهم من مبرري إيديولوجية استعباد الشعوب ـ كانوا يصطنعون للاسترقاق إيديولوجية على طريقتهم الخاصة يبررون بها الاستغلال الاقتصادي الذي كان يمارس في زمانهم. بعد هذه المواريث الفكرية المريضة التي انحدرت من الإعلام الثقاة، لسنا بحاجة إلى ما حفل به ديوان العرب من أوصاف مستقبحة للرجل الأسود. وعسانا لا نذهب مذهب اليهود الذين سعوا ويسعون لتمزيق أوصال الأدب الكلاسيكي الموروث والرائع في آن، إما لأن نظرته النمطية لهم تُبغِضهم فيه، أو لارتباط صانعيه بتاريخ لا يُسعدهم استذكاره. فهم مثلاً لا يكتفون بالدعوة إلى الغاء إزرا باوند من خارطة الأدب والشعر لاتهامه باللاسامية، وإنما يتمنون في ذات الوقت أن تلغى رواية تاجر البندقية من مناهج التدريس لتكريسها لصورة نمطية للمرابي اليهودي، أو أن تطمس كل آثار فاجنر الموسيقية لأن الموسيقار العظيم كان، فيما يقولونه، هو الأقرب إلى قلب هتلر. لهذا لن ألوم أبا الطيب المتنبي شاعري المفضل أن ذهب به الحنق والغيظ من كافور لأن لا يجد ما يقول فيه ـ وهو حاكم مصر كلها ـ غير أنه عبد لا يشترى بفلسين. رغم انه غنى في رثائه لجدته وفي متداركيته على قدر أهل العزم، ووفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه. مع هذا تقضي الأمانة العلمية والصدق مع النفس والتصالح مع العالم من حولنا بأن نعيد قراءة التأريخ لا بهدف الغائه ـ فالتأريخ لا يلغى ـ بل بهدف تنقيته من كل لوث ولوثة حتى تربى الأجيال الجديدة على ثقافة إنسانية لا تستأصل أو تستهجن الآخر. هذا أمر يفيد الثقافة العربية نفسها كما يفيد غيرها.