يؤكد الوزير اللبناني ميشال اده انه ليس للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اية امكانيات للضغط على انتفاضة الشعب في فلسطين، وايقافها، وهي التي انطلقت من دونه، وتستطيع ان تستمر بدونه. ووصف الوزير السابق، الاخصائي السياسي بالشئون اليهودية والإسرائيلية، المستقبل في المنطقة بأنه: «قاتم جداً بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون»، مضيفاً ان هذا الأخير لا يملك أي «حل سياسي»، ومحذراً من السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى الترحيل الجماعي «ترانسفير» للفلسطينيين: «بسبب وقف هجرة اليهود إلى فلسطين، وتزايد رحيل الصهاينة منها». وهو يعتبر انه لا يوجد هناك مخرج إسرائيلي الا بضرب الانتفاضة «لكن ضربها ووقفها مستحيلان» لافتاً إلى ان: «المفاوضات في حروب التحرر الوطني، والكفاح للتحرير، واسترجاع الأراضي المحتلة والسيادة المنتهكة، لا تبدأ بعد وقف الانتفاضات الشعبية بل خلالها». الضغوط على عرفات يبدأ الوزير اده كلامه بالاشارة إلى أبرز ما حققته الانتفاضة، فيقول: بالدرجة الاولى، ومنذ ان اندلعت، ادت إلى نوع من توازن الرعب، بعد ان كان قد استشرى الخلل الناجم عن مراوغة إسرائيل وتسويفها ومماطلتها في مفاوضاتها العقيمة. منذ اتمام مباديء اوسلو، وعلى مدى حوالي ست الى سبع سنوات، ونحن امام مراوغة إسرائيلية، ولان الشعب الفلسطيني وثق من انه لا جدوى من مثل تلك المباديء ولا الوعود، فقد خاض انتفاضته دون ان يرأسها شخص أو منظمة أو حزب. انها انتفاضة شعب بأكمله. والملاحظ انها تزداد ضراوة كلما يندفع «ارييل» شارون في محاولة قضائه عليها، مجدداً التأكيد على انه لا يملك أي حل أو مشروع سياسي. وبعد 11 سبتمبر وتفجيراته، بدأ الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يتعرض لضغوط هائلة لحمله على المشاركة في وقف الانتفاضة، وفي القيام بأعمال قذرة كتلك التي يقوم بها الصهاينة من اجل وقف اندفاع الشعب الفلسطيني لتحرير ارضه المحتلة، ومقاومة الاحتلال. فاسرائيل هي التي تقوم بالإرهاب لا هذا الشعب. لقد كبرت العملية الآن، وبرأيي ان أي أمر يتطور في هذا المجال مفيد. لانه اسقط كل الرهان الإسرائيلي على نجاح المعادلة الصهيونية القائلة: «كلما قتلنا المزيد من الفلسطينيين كلما لجمنا انتفاضتهم».والآن، بعد حوالي 16 شهراً من الانتفاضة، ونحو عشرة اشهر من تسلم شارون الحكم، وسقوط الابرياء الفلسطينيين من المدنيين وبعض أبطال الانتفاضة والمقاومة مثل اغتيال يحيي عياش ومحيي الدين الشريف، وسواهما من الأبطال ومنهم أبو علي مصطفى ومحمود أبوهنود، لم ينقصم ظهر الانتفاضة بل حصل العكس تماماً، اذ ازدادت ضراوة واستبسالاً وجهاداً وتضحية. «ترانسفير» للفلسطينيين ـ إلى أين يمكن ان تسير الأمور اذن بعد تفاقمها، وحصول بعض التطورات عليها، ومنها المبادرة الأخيرة للرئيس عرفات بوقف كل أنواع العمليات؟ ـ سوف تسير الأمور أولاً وأخيراً، وبشكل أساسي نحو محاولة شارون تنفيذ مشروعه القاضي بترحيل الفلسطينيين، أي ما يصطلح على توصيفه بمفهوم ال: «ترانسفير». لان النمو السكاني الفلسطيني بات بنظر إسرائيل خطراً عليها، خاصة في ظل واقعين خطيرين بدورهما بالنسبة لها وهما: توقف «أو على الأقل تراجع» هجرة اليهود إلى فلسطين، والثاني رحيل الصهاينة إلى خارج إسرائيل. اذن المستقبل قاتم جداً بالنسبة لشارون ولم يعد لديه أي مشروع سياسي سوى ضرب الانتفاضة والقضاء عليها والتضييق على الفلسطينيين وطردهم من ارض فلسطين، وبذلك وصلت الأمور إلى حد لا يمكن معه، ولا يجوز للمجموعة الدولية، كما للأمم المتحدة ان تقبل بذلك، ولا بما يحصل، ولا بما يخطط له. ولاشك ان العملية وصلت إلى مفترق طرق، بحيث لا يمكن للعالم ان يبقى صامتاً حيال التحركات والاعمال الوحشية والعنصرية والإرهابية لشارون والجيش الإسرائيلي والمستوطنين كذلك. سيناريو وقف الانتفاضة ـ ماذا يمكن ان يحصل في حال توقفت الانتفاضة برأيك؟ ـ سأجري سيناريو صغيراً. فماذا يمكن ان يحصل لو توقفت الانتفاضة أو تراجعت العمليات الفدائية والاستشهادية؟ هل المطلوب تجدد المفاوضات آنذاك؟لكن هذه عملية سخيفة جداً. والأمر كله لا يدعو كونه، بالنسبة لإسرائيل، أكثر من تمثيل بتمثيل، لانه في حروب التحرر الوطني، كما حصل في فيتنام أو الجزائر مثلاً، خاصة على الساحة الجزائرية التي بلغت العمليات ذروتها في حينه، تبدأ المفاوضات، وتتم خلالها، أي ليس بعد ان تتوقف. ولدينا مثال فلسطيني على هذا الصعيد، وهو واحد من امثلة كثيرة. ففي اثناء الانتفاضة الأولى سنة 1993 وقع عرفات على «مباديء اوسلو» بعد اندلاع الانتفاضة الأولى سنة 1987. ومنذ العام 1993 حتى 2000، عندما اندلعت الانتفاضة الثانية، كانت هناك مفاوضات عقيمة، ومراوغة وتسويف ومماطلة، ولم يصل الفلسطينيون من خلالها إلى أي حل. وبمرور الوقت، وفي هذه المرحلة، يحاول شارون ان يعيد التجربة السابقة، أي ان يبقى التفاوض مجرد كلام بلا نتيجة، انما هذا لم يعد وارداً حالياً على الاطلاق، وبالتالي وصل شارون إلى لحظة الحقيقة. ومعه وصل الإسرائيليون اليها، فهل يستطيع رئيس الوزراء الإسرائيلي ان يطرد من فلسطين، داخل الكيان الصهيوني، مليون و180 ألف فلسطيني، و300 ألف فلسطيني في الضفة والقطاع؟ هل يمكن لذلك ان يحصل؟ وهل يمكن طرد حوالي أربعة ملايين ونصف المليون فلسطيني. فيما نتذكر كيف تحول ميلوسيفيتش إلى مجرم حرب عندما حاول طرد 400 ألف مواطن من كوسوفو. وبالتالي يستحيل على شارون تحقيق مشروع الترحيل «الـ «ترانسفير». التعامل الدولي ـ إلى أي مدى يتصرف الموقف الدولي حيال تلك المعطيات من المنظور المشار إليه؟ ـ للأسف فان المجموعة الدولية مازالت واقعة تحت إرهاب إسرائيل وفكرها السياسي. لكنني اعتقد جازماً انه لا يصح الا الصحيح في نهاية الأمر. لذلك لاحظنا ان شارون الذي عودنا على سياسة القتل والتدمير، قد اختصر زيارته الأخيرة إلى واشنطن، بتوعد الانتفاضة والشعب الفلسطيني. والتهديد بتقويض السلطة الفلسطينية، يقال ان شارون اتخذ مع الذين اجتمع بهم ما وصف بأنه قرارات سرية. أي سر هذا في سياسة شارون؟ اليس هو نفسه الذي لا يمكن ان يؤدي إلا إلى المزيد من القتل والاغتيال واعادة الاحتلال الاجرامي إلى بعض المناطق مثل رام الله، وبيت لحم، والجليل، أي على غرار ما يحصل في كل المدن والمناطق الفلسطينية، وربما يكون من الأمور السرية المطروحة اغتيال عرفات. لكن كل ذلك لن يؤدي إلى النتيجة التي تتوخاها إسرائيل. تماماً كما حصل مع النازحين مثلاً، عندما اتخذوا، اجراءات مماثلة ضد شعب يكافح من أجل تحريره، والأمر نفسه تكرر، كما نتذكر في الجزائر وفيتنام وغيرها من مناطق العالم التي كانت تقدم النموذج تلو الآخر على انه لا يمكن لأي جيش ممثل ان ينتصر، وانه اذا ما حقق بعض الجرائم، فان الأمور لابد من ان ترتد عليه عاجلاً أم آجلاً. اضافة إلى ذلك فان وجود السلطة الفلسطينية يبقى عاملاً اساسياً للوصول إلى حل. فاذا ما قضت إسرائيل عليها، فان كل الحلول تسقط. ومعها يحصل المزيد من السقوط الإسرائيلي بأكمله مهما عمل المحتل، واستخدم آلته العسكرية والأمنية والحزبية بصواريخه وطائراته وبوارجه، وغاراته القاتلة، وقنابله، حتى الذرية منها: فعندما يثور الشعب، فان استعمال كل هذه الأسلحة لا يشكل أكثر من سخافة لا طائل منها ولا جدوى. وضع عرفات ـ وماذا حول الوضع السياسي والعام الذي يمر به الرئيس الفلسطيني: ـ وضع عرفات صعب، ولكن ليس له طريق اخر ولا امكانية للضغط على الانتفاضة التي اندلعت أساساً من دونه، ويمكن ان تستمر بدونه أيضاً. فكل ما يقوم به هو محاولة احتوائه لما يتعرض له من ضغوطات ليس أكثر. من جهتنا نتمنى ان يبقى على رأس السلطة الفلسطينية، لكن لا أحد يظن انه اذا غاب أي زعيم أو أي قائد فلسطيني، وبالتالي ستتوقف انتفاضته دون بلوغ الحقوق المنشودة. فهذا الشعب هو الذي سينتصر، وقد سقط له قادة كثيرون عبر التاريخ. وهو الذي سيحقق ما قاده كثيرون عبر التاريخ. وهو الذي سيحقق ما ننشده من سلام عادل وشامل لجميع شعوب المنطقة، بما فيها الشعب اليهودي في فلسطين. ونأمل للجهود الدولية ان تثمر عدلاً وعدالة، وان يتمكن الموفدون الأمريكيون الذين يتلاحق مجيئهم إلى المنطقة في هذه المرحلة من تحقيق انجازات على صعيد استئناف المفاوضات على قاعدة البحث بتنفيذ القرارات الدولية. لقد اهتم الكثيرون من الموفدين والزائرين الأمريكيين بقضية الشرق الأوسط، خاصة منذ أيام الرئيس رونالد ريجان عبر موفده دنيس روس، ولاحقاً عبر وارين كريستوفر، ووزيرة الخارجية مادلين اولبرايت، وسواهم وصولاً مؤخراً، وليس أخيراً إلى زينين وبيرنز. ان المنشود ان تثمر الجهود الدولية سلاماً عادلاً وشاملاً، يمكن هل يجوز لنا ان نطالب أصحاب هذه الجهود بمساعدتنا ونصرتنا في وقت يستمر فيه بعض الاشقاء العرب، ورغم كل ما حصل ويحصل في فلسطين وغيرها، في سياسة التطبيع مع إسرائيل؟ فكيف يمكن ان نقنع العالم بان إسرائيل على خطأ وضدنا وتقاتلنا وبعضنا يعزز مبادلاته وعلاقاته معها وبها؟ بيروت ـ وليد زهر الدين: