في الحوار الذي أجرته جريدة «البيان» بتاريخ 29/12/2001 مع ابراهيم السنوسي أحد أقطاب حزب المؤتمر الشعبي بدأ الرجل وكأنه المدافع الأول عن الديمقراطية والعدالة والسلام وعن حق الشعب السوداني في نظام حكم ديمقراطي، ووعد بأن يقدم اسقاط نظام البشير هدية للشعب السوداني!! قدم الرجل نفسه باعتباره المنقذ المنتظر الذي يترقب الشعب السوداني قدومه لخلاصه من نظام قمعي أحادي النظرة كان ابراهيم السنوسي واحدا من أهم صناعه. قبل أن نلج في الرد على هذا الرجل والذي فتح الله عليه أخيراً باكتشاف قيمة الديمقراطية بعد ان لفظها تلاميذه الذين يتربعون على دفة الحكم الآن، نقول له قطعاً بأن الشعب السوداني لا يرغب في هديتكم فهذا الشعب العظيم يملك وسائله وأدواته اللازمة لاسقاط أي نظام ديكتاتوري غاشم مهما طال أمده ومهما أمعنت آلته القهرية والقمعية في تعذيبه واذلاله، والتاريخ يثبت بأن الشعب السوداني صاحب مدرسة خاصة في اسقاط مثل هكذا أنظمة، كل ما يطلبه منكم الشعب السوداني ومن الحركة الاسلامية عموما وعلى رأسها الجبهة الاسلامية الاعتذار له وبصورة واضحة وصريحة وعلى رؤوس الأشهاد على ما ارتكبتموه في حقه من جرائم طيلة الاعوام التي ظللتم فيها جسدا واحدا مع هذا النظام القائم، ولاشك بأن القائمة طويلة بدءا من اسقاطكم لنظامه الديمقراطي في عام 1989 وقتلكم لعدد 64 ضابطا وجنديا في ليلة عيد الفطر المبارك عام 90 في محاكمة لم تستغرق سوى ساعة ونصف، واعدامكم للشاب مجدي محمد أحمد لا لجرم ارتكبه سوى ان والده أورثه مبلغ 100 ألف دولار كان من الممكن مصادرتها منه بدل ازهاق روح انسان كرمها الله، ثم قتلكم لتلاميذ الخدمة الوطنية بمعسكر العيلفون عام 1994 ولم تأخذكم بهم شفقة أو رحمة ولم يشفع لهم صغر سنهم، لا لذنب ارتكبوه سوى انهم تمردوا على حالة المعسكر اللا انسانية، القائمة طويلة ولكنها حفرت عميقاً في ذاكرة الشعب السوداني وانا لا اعتقد بأن مثل تلك الجرائم سوف تسقط بالتقادم، المؤتمر الوطني الحاكم والمؤتمر الشعبي الذي يقف معارضاً الآن كلاهما وجهان لعملة واحدة وكلاهما وليدان شرعيان للجبهة الاسلامية وكلاهما يمثلان حركة الاسلام السياسي في السودان فالخلاف الذي حدث بينهما لم يكن خلافا مبدئياً ولا خلافاً فكرياً فكلاهما ينهلان من نفس النبع، ولكنه كان خلافا حول السلطة والثروة ومراكز النفوذ، والتلاميذ الذين انتفضوا على شيخهم وجدوا انفسهم مهمشين ووجدوا شيخهم قد شكل من حوله بطانة خصها بكل شيء. الحركة الاسلامية منذ نشأتها في أواسط أربعينيات القرن الماضي والى تاريخ هذا اليوم غيرت جلدها عشرات المرات ولكنها لم تغير مفاهيمها، ولا تفكيرها الأحادي الذي يقوم على الغاء الآخرين فهي لم تستطع قراءة مفردات الواقع السوداني المتعدد الأعراق والثقافات والأديان قراءة دقيقة، بل انها لم تستوعب تاريخ السودان العظيم ولم تنظر اليه بنظرة ثاقبة ومبصرة، ولكنها نظرت اليه بنظرة عنصرية واستعلائية متجاهلة بذلك حضارة سودانية تمتد الى 7000 سنة قبل الميلاد حسب فرضيات علماء الآثار الألمان والفرنسيين والتي استندوا فيها على شواهد عديدة ومن ضمنها بأن الأهرامات السودانية وهي أقدم من الأهرامات المصرية وحضارة كرمة السودانية أقدم حضارة في العالم، وحكم الملك السوداني العظيم بعانخي لمصر والذي امتد الى قرابة الـ 200 عام، والعرب عندما دخلوا السودان لم يجدوه أرض خلاء وبدون سكان ولكنهم وجدوا هناك شعوباً راقية ومتحضرة انتجت حضارتها العظيمة والتي ما زالت آثارها ماثلة للعيان، بل لقد حدث العكس اذ ان السودان بعبقرية الزمان والمكان قد سودن العرب الذين وفدوا اليه من أعماق الصحراء ولهذا تمدد الاسلام في تلك البلاد القارة بكل يسر وسهولة لانه كان اسلام حوار وتسامح ولانه تقبل أهل السودان كما هم بعاداتهم وتقاليدهم، ولم يقض على تلك الشعوب ليقضي على تلك العادات والتقاليد وامتزج العرب مع تلك الشعوب وشكلوا معها نسيجاً اجتماعياً فريداً كان نتاجه الانسان السوداني الحالي بما يحمل من تميز وتفرد. الحركة الاسلامية وبنظرتها الاستعلائية على السودانيين بين الاثنيات الأخرى يساعدها بعض الذين لا يعرفون كيفية تشكل ذلك النسيج الاجتماعي الفريد في السودان عبر التاريخ يودون ان يجعلوا من السودان جسرا ولكن على جماجم النوبة والفور والبجا والانقسنا وأهل الجنوب السوداني وبلا شك بأن مثل هذا الجسر لن يقام أبداً ما بقي سوداني واحد على هذه الأرض ولكن مثل هذه النظرة الشوفينية سوف تضر أكثر مما تنفع وعندما قوضت الحركة الاسلامية النظام الديمقراطي عام 1989 لم يكن السودان يتعرض لخطر كما يدعي ابراهيم السنوسي فقد كان هناك وقف شامل لاطلاق النار بين ذلك النظام والحركة الشعبية وكانت عملية شريان الحياة تسير على أكمل وجه ولأول مرة في تاريخ السودان تتوصل جميع القوى السياسية السودانية «عدا الجبهة الاسلامية» لاتفاق مع الحركة الشعبية على خلفية اتفاق الميرغني قرنق وحدد يوم 4/7/89 للتوقيع عليه ومن ثم عقد المؤتمر الدستوري في أوائل شهر 9 لعام 1989، لقد جاء انقلاب البشير في 30 يونيو لقطع الطريق على هذا الاتفاق لانه لو قدر له ان يتم سوف يقضي تماماً على مصالح الحركة الاسلامية ورأسمالها الطفيلي الذي حققته من خلال تحالفها مع نظام نميري. الآن وبعد 12 عاما من استيلاء الحركة الاسلامية على السلطة في السودان ما هو الحال الذي آل اليه السودان؟ وما هي النتائج التي أوصلتنا اليها بعد ان سيرت كتائب «المجاهدين» من صغار الطلاب لمحرقة الجنوب لمقاتلة أهل الجنوب الكفرة؟! يتعرض السودان الآن لخطر بقائه بلدا موحداً بعد ان امتدت رقعة الحرب لتشكل كل السودان غربه وشرقه وشماله ويتعرض الانسان السوداني للموت حربا أو جوعاً أو مرضاً أو تشريداً في أصقاع الدنيا الأربعة. هل هذه هي حكمة الحركة الاسلامية لأهل السودان؟ أم ان هذا مشروعها الحضاري الذي ظلت تبشر به منذ وصولها للسلطة؟ أم ضيق أفقها ونظرتها الأحادية الاستعلائية للواقع السوداني المتعدد الثقافات والأعراق والأديان؟ ابراهيم السنوسي مطلوب منه الاجابة على اسئلتنا المشروعة، لانه أسهم مع رفاقه في الحركة الاسلامية في صنع هذا الواقع المظلم للسودان وللشعب السوداني. عثمان الحبر الطيب