كشمير تمثل اغراء يمكن مغازلته ومهرباً يمكن اللجوء اليه حين يضيق الخناق الداخلي حول عنق حكومة في الهند أو باكستان لكن الحكومات المتعاقبة في البلدين تدرك انه اغراء حرام ومهرب مستحيل خاصة اذا كان الاندفاع نحوه سيقضي إلى حرب يمكن الاكتفاء بقرع طبولها ولكن دون خوضها. لهذا تتعدد المنعطفات التي يصل التوتر ذروته بين الجارتين لأسباب تبدو مبررة احياناً وغير منطقية احياناً كثيرة غير ان هذا التوتر لا يبلغ درجة الانفجار، بل هو ينحسر على نحو فجائي ولاسباب غير مرئية. انها عملية مخاض داخلي من الحمل إلى الاجهاض ألفها البلدان الجاران في مواسم التأزم والانفراج السياسي وتعاقب الصيف والشتاء. الهند وباكستان تواجها في ثلاث حروب ويدركان حجم الخسائر المادية والمعنوية التي ستصيبهما في حالة الحرب الرابعة ولذلك ثمة قناعة لدى كل طرف بضرورة تفادي هذه الجولة او على الاقل تأجيلها. لعل القدرات النووية لدى الطرفين زادت عناصر الكبح اكثر مما ساهمت قوى الاندفاع لجهة فتح جهات القتال. أي استعادة مبسطة لفصول تأزم علاقات الهند وباكستان على محور كشمير ستثبت هذه الخلاصة. ربما ثمة ظروف وقوى اقليمية تعين على بقاء الأزمة بين الجارتين تراوح مكانها دون حسمها ـ على الاقل ـ بالوسائط العسكرية. قد يكون في مصلحة القوى الدولية ابقاء الوضع على ما هو عليه باعتبار ان هناك حرباً مؤجلة يمكن اشعالها في الوقت المناسب وفقاً لأجندة تلك القوى وليس وفقاً لرؤى أي من الدولتين المتخاصمتين. من الواضح ان سيناريو التصعيد الاخير بين الهند وباكستان استند إلى سيناريو حملة الإرهاب غير ان المنفذين لم يكونوا يدركون انهم يملكون فقط اطلاق الرصاص وليس في وسعهم ادارة المعركة. من المؤكد ان حكومة الجنرال مشرف لم تكن وراء العملية اذ انها لا تزال تعاني من تداعيات الحملة الامريكية في افغانستان وليس في وسعها فتح جهة اخرى. قد يكون منطقياً ان هناك طرفاً اخر يسعى لتوريط نظام مشرف أكثر في المستنقع الذي وجد نفسه فيه. قد يكون مقبولاً كذلك ان هناك طرفاً رأى في حالة النظام الباكستاني فرصة لفتح جبهة حملة اخرى للقضاء على جيوب المتشددين الكشميريين غل غرار تصفية نظام طالبان. أو ربما على يد الجنرال الباكستاني لكيلا يطالب بتعويضات مجزية مقابل الخدمات التي قدمها إلى أمريكا والا سيواجه مزيداً من المطالب. قد يحق لبعض الكشميريين تنفيذ العملية في سبيل الرهان على دفع قضيتهم إلى الواجهة من منطلق قناعة خاطئة بأن الظروف مواتية لتحرك تحت غطاء منظمة الأمم المتحدة وعقد مؤتمر مماثل لما حدث ازاء الأزمة الافغانية ومن ثم التوصل إلى مخرج لقضية كشمير المعلقة عقوداً. هذا المنطلق يؤكد ان المنفذين كانوا انتحاريين بالفعل. ربما تكون المبادرة التي وعد بها مشرف وسيلة مطلوبة لتفريغ الاحتقان الذي بدأ في الانحسار لكنها لن ترقى مطلقاً لانهاء الأزمة فهذه خطوة لم يحن أوانها بعد. عمر العمر