النظر إلى احتقان العلاقات الهندية الباكستانية دائما يؤخذ في الاعتبار نظرا لأهمية البلدين الجارين ودورهما في تشكيل سياسة ومستقبل منطقة قد شهدت لتوها قبل أن يسدل العام 2001 أستاره حربا في أفغانستان أعتقد أنه لم ينته أوارها بعد!! كما أن الهند وباكستان عضوان في النادي النووي مما يعني أن الحسابات في النزاع الهندي الباكستاني الذي يتمحور بشكل أساسي حول إقليم كشمير تتسم بالحساسية الشديدة وفي الوقت نفسه لايمكن أن نعزل هذا الإحتقان المشار إليه عن منظومة الأوضاع الدولية التي إنقلبت رأسا على عقب بعد صدمة زلزال الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 فمن الطبيعي أن يلقي بتداعياته على مسار الأحداث الإقليمية والدولية ! ومن هنا ليس غريبا أن تولد الجولة الجديدة فيما يمكن تسميته بالصراع المزمن بين الهند وباكستان من رحم الأوضاع الدولية المترتبة على ما بعد الحادي عشر من سبتمبر!! وفي ضوء هذه الأوضاع يمكن رصد عدد من المتغيرات نحصرها في الآتي: أولا: أحداث سبتمبر خلفت الحملة الأمريكية على الإرهاب واعتبرت الولايات المتحدة أن كل من يخالف توجهاتها السياسية والعسكرية بشأن هذه الحملة يقف في الصف المعادي لها وفي تقديري أن كلا من الهند وباكستان رتبتا أوضاعهما وفقا لهذا المتغير خاصة وأن الحملة الأمريكية قد وجهت مباشرة إلى بلد مجاور هو أفغانستان الأمر الذي أدى إلى توتر المنطقة بأكملها !! ثانيا: نتائج الحرب في أفغانستان جاءت مخالفة لكثير من التوقعات التي حذرت من طول أمدها وان واشنطن سوف تغرق في المستنقع الأفغاني على نحو أو آخر ومن ثم نتائج هذه الحرب جعلت الولايات المتحدة تفكر في ضربتها القادمة ضد ما تعتقد أنه بؤرا للإرهاب وحسب اللائحة الأمريكية يأتي إقليم كشمير في موقع متقدم وهذا الإقليم كما أوضحنا محور الصراع الهندي الباكستاني ! ثالثا: إنهيار نظام طالبان في أفغانستان شجع أطرافا أخرى على إمكانية الحديث عن تكرار سيناريو ما حدث حتى ولو كان بأيد غير أمريكية في مناطق أخرى من العالم ويعتقد كثير من المراقبين أن توقيت تفجير الصراع الكامن بين البلدين الجارين جاء متوافقا مع رغبة الولايات المتحدة في التصدي لما تعتبره منظمات إرهابية في كشمير وإن كانت واشنطن تريد الفصل بين التصدي لثوار كشمير وتصاعد احتمالات المواجهة بين الهند وباكستان. وهو أمر مستحيل من الناحية العملية! رابعا: في فترة من الفترات كان الحديث عن إستخدام السلاح النووي في حل المنازعات الدولية أو الاقليمية أمرا غير مقبول أو غير قابل للتحقيق خاصة في حقبة الحرب الباردة التي اقترنت بما اتفق على تسميته في العلاقات السياسية الدولية بـ (توازن الرعب النووي) حيث يعتبر صمام الأمان الذي يجعل من المواجهة النووية فعلا مستبعدا لأن الخيار النووي أصبح قابلا للجوء إليه من قبل الولايات المتحدة التي ضربت في عقر دارها وخلال الفترة اللاحقة مباشرة لهذه الاحداث ذكرت وكالات الأنباء أن تنظيم القاعدة لديه إمكانية إستخدام السلاح النووي وأن كانت هذه الخطوة لم تتم ! وعليه عندما تنشب جولة جديدة من جولات الصراع بين دولتين نوويتين في منطقة مهدده بإستخدام السلاح النووي مهما كان صدق أو عدم صدق هذا التهديد نصبح أمام حالة خطيرة تبرز معها أهمية وضرورة تهدئة الموقف ودعوة الجانبين إلى حل المشكلات المعلقة بينهما بالطرق الدبلوماسية. إذن أثرت هذه المتغيرات الأربعة على أي توتر قد يشوب العلاقات بين الهند وباكستان فنلاحظ أن حادث إطلاق الرصاص خارج البرلمان الهندي كان يمكن أن يمر دون تصعيد في ظل الظروف العادية التي تشهد حالات من المد والجزر في العلاقات بين البلدين الجارين !! ولكن ما حدث أتى في أعقاب حرب أمريكية شنتها على أفغانستان لضرب ما تعتقد أنه المسئول عن أحداث سبتمبر وهو تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامه بن لادن وهكذا يبدو أن الولايات المتحدة إعتبرت هذا الحادث فرصة ذهبية لضرب المنظمات التي تعتقد أنها إرهابية في كشمير وحددتها بتنظيم جيش محمد ومنظمة المجاهدين. ومن منطلق ما سبق قامت الولايات المتحدة بدور تحريضي لنيودلهي فلم يكن أمام الهند غير إتهام باكستان بأنها وراء الحادث وإندلعت حرب التصريحات لدرجة أن رئيس الوزراء الهندي أتال بيهاري فاجبايي صرح بأن باكستان ستلقى في حرب الهند ضد الإرهاب نفس المصير الذي لقيته افغانستان وتزامن مع حرب التصريحات حشد القوات العسكرية من الجانبين وحدوث مناوشات حدودية تهدد بين لحظة وأخرى بإنفجار الموقف. وهنا لابد من التحذير من أن خروج الموقف العسكري عن السيطرة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة بين البلدين النوويين!! وفي اعتقادي أن الولايات المتحدة قد أوقعت نفسها في تناقض يتمثل في أن الموقف الباكستاني كان مؤيدا للموقف الأمريكي المتعلق بالقضاء على نظام طالبان وحدث تحول من النقيض إلى النقيض في السياسة الباكستانية أدى إلى ما يشبه الصدام بين الحكومة الباكستانية والشارع الباكستاني ، حيث قرر برويز مشرف تجنب البطش الأمريكي المتحرك بدافع الإنتقام وكان من المفترض أن يحصل الرئيس مشرف من واشنطن على مقابل مجز لموقفه المؤيد لها في حملتها ضد الإرهاب. ورغم أن الموقف الرسمي الأمريكي المتمثل في تصريحات المتحدث بإسم وزارة الخارجية يدعو إلى ضبط النفس وتجنب الطرفين جر المنطقة إلى حالة الحرب إلا أنه لايمكن إغفال تحريض الولايات المتحدة الهند على التشدد واعتبار باكستان راعية للإرهاب في كشمير.. وهو أمر متناقض مع السياسة الباكستانية تجاه أمريكا في حربها ضد أفغانستان !! ومن المفارقات التي يجب الإشارة إليها أن الهند عارضت ضرب أفغانستان ولكنها بعد ذلك إستثمرت شعار الحرب ضد الإرهاب لمواجهة الدعوات الانفصالية في إقليم كشمير ومن الناحية العملية نجحت الولايات المتحدة في تحييد الموقف الهندي من مسألة الحرب في أفغانستان وفي الوقت نفسه أقنعت نيودلهي بضرورة مواجهة بؤر الإرهاب في كشمير وذلك من خلال إتفاق (جنتلمان) غير معلن بين الجانبين وعليه تصبح كشمير حسب تسلسل الأحداث من المناطق المرشحة للضربات القادمة سواء بأيد هندية أو أمريكية. ولا أظن أن الولايات المتحدة من السذاجة أن تظن أن ذلك يمكن أن يتم بدون حدوث مواجهة مع باكستان على اعتبار أن إسلام اباد أيدت الحملة الأمريكية ضد ما يسمى بالإرهاب وهنا مكمن الخطأ الذي وقعت فيه واشنطن لأن إقليم كشمير له وضع خاص بالنسبة لباكستان يختلف عن علاقة باكستان بنظام طالبان في أفغانستان ، كما أن النزاع حول كشمير بين الهند وباكستان هو جزء من صراع تاريخي طويل كان سببا في مواجهة عسكرية سابقة بين الطرفين. ومن هنا يمكن القول. إن التعاطي مع المسألة الكشميرية لايمكن أن يحيد الطرف الباكستاني وذلك بمجرد وقوع حادث البرلمان الهندي كالت الحكومة الهندية الإتهامات لباكستان بأنها متعاطفة مع ثوار كشمير وفي الواقع هذا ليس جديدا. وفي كل مرة تتجدد المواجهة بين الدولتين الجارين تثور تساؤلات حول مخاطر إستخدام السلاح النووي الذي تمتلكه كل منهما في حسم الصراع؟! يتفق كثير من المحللين والمهتمين بشئون شبه القارة الهندية على أن السلاح النووي الذي تمتلكه الهند وباكستان رغم مخاطر استخدامه ولو بنسبة قليلة إلا أنه يشكل نوعا من (الردع) لكلا الجانبين أي أن ثمة توازنا للدرع النووية يوجد في اعتبار صناع القرار في البلدين لأنه إذا تم قياس الأمر بمعيار الخطورة المترتبة على إستخدام الخيار النووي في تصوري أن القيادة السياسية والأحزاب ومراكز صنع القرار في البلدين على وعي كامل بتلك الخطورة لأن قرار استخدام السلاح النووي ليس بالأمر السهل أو الهين مهما كانت الظروف والمتغيرات الدولية والإقليمية المحيطة. ففي ظل الحالة الهندية الباكستانية تبرز أسباب خمسة تفرض التهدئة والبحث عن الحلول السياسية والدبلوماسية للنزاع بدلا من التصعيد والتهديد بإنفجار الموقف: أولا: أن كلا من الدولتين امتداد جغرافي طبيعي لكل منهما الآخر بعبارة ثانية لو حدث أي هجوم نووي مهما كان صغيرا أو محدودا سوف تتأثر به الدولتان بغض النظر عن صاحب الضربة النووية. وفي تصوري أن هذا السبب جعل الإدارة الأمريكية تحاول تهدئة الموقف ونزع فتيل الإنفجار وحث الطرفين على ضبط النفس. ثانيا: يعتبر الشعبان الهندي والباكستاني شعبا واحدا من الناحية التاريخية بدون النظر إلى الخلفيات الدينية والعرقية وهذا يفرض نوعا من المراجعة لبيان أوجه الترابط لا التنافر قبل تقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتين. ويمكن أن نجد هذه الأوجه في الشارع الهندي والباكستاني على السواء مما يجعل البعض هذا العامل سببا ربما يمثل عامل ضغط على متخذ القرار في كلا البلدين للحيلولة دون اللجوء إلى الخيار النووي! ثالثا: من الثابت أن اللجوء إلى إستخدام السلاح النووي يتم بعد حدوث مواجهة شاملة تستنفد فيها قدرات الأسلحة التقليدية ويكون الرد بمثابة عملية انتحارية ويلجأ له في الأغلب الطرف المهزوم في الحرب وفي تقديري أن الدولتين لن تقبلا الوصول إلى هذه النقطة من التصعيد. رابعا: مازالت القوى الإقليمية مثل إيران والصين وروسيا الإتحادية مرشحة لأداء دور فعال في ضبط حالة التوتر في شبه القارة الهندية من خلال القيام بمساع حميدة ووساطة تحقق تقاربا بين الجانبين وتعمل على تصفية الموقف الحالي بالطرق السلمية دون الحاجة للمواجهة العسكرية. خامسا: إحتمالات حدوث مواجهة نووية أمر لايمكن أن يترك لعامل الصدفة فلاشك أن هناك إرادة دولية ممثلة في الأمم المتحدة مهما كانت هذه الإرادة هشة أو ضعيفة إلا أنها عند الضرورة وفي لحظات الخطر أتصور أنها لن تترك الأمور تتدهور إلى حد المواجهة النووية خاصة أنه ليس هناك أي طرف إقليمي من مصلحته تدمير هذه المنطقة من العالم لأن إستخدام السلاح النووي في حسم الصراعات الإقليمية سيظل خيارا مستبعدا في إطار الظروف الطبيعية للعلاقات بين الدول خاصة وأن العالم اليوم أصبح قرية صغيرة يفترض أن تسوده أجواء السلام لا الحرب لأن هذا هو منطق التعايش الطبيعي بين بني البشر. وما حدث في الحادي عشر من سبتمبر كان ظرفا غير طبيعي أملته أوضاع ليس هنا المجال لشرحها. خلاصة القول.. إن الصراع الباكستاني بقدر ما فيه من تعقيدات إلا أنه قابل للحل بالطرق السلمية طالما توافرت إرادة مشتركة للطرفين وفي هذا المقام لابد أن نشير إلى أن حكومتي البلدين أبدتا من قبل إستعدادهما لتحسين العلاقات ورغم فشل لقاء القمة الذي عقد العام الماضي بين قيادتي البلدتين إلا أنه كان محاولة قد تتلوها محاولات أخرى وما تم مؤخرا في (كاتمندو) خلال مؤتمر دول جنوب آسيا من مبادرة الرئيس الباكستاني برويز مشرف بمصافحة رئيس الوزراء الهندي فاجبايي الذي أثنى بدوره على هذه الخطوة.. يعتبر دليلا على إمكانية نبذ التشدد. وربما يصل البلدان إلى أرضية تجمعهما هي في التحليل الأخير مصلحة الشعبين المرتبطين تاريخيا وجغرافيا وحضاريا! وهكذا كل ما سبق يفرض ضرورات التهدئة ويدعو إلى تجنب مخاطر التصعيد.. والمهم ألا يصبح النزاع جزءا من حسابات أطراف أخرى! بقلم: ابراهيم الصياد ـ كاتب مصري