بقدر ماكان عام 2001 عاما عصيبا بالنسبة لباكستان، فإن عام 2002 يبدو أنه سيكون أكثر صعوبة.. العام المنصرم كان حافلا بالتقلبات الدرامية الحادة منذ بدايته حتى نهايته.. والمحصلة النهائية: مكاسب محدودة وخسائر استراتيجية وشبح الحرب يطل على آخر ايام العام في ظروف اقليمية ودولية اقل ما تكون مواتية لاسلام آباد، وأكثر ما تكون ملائمة لجارتها اللدود وعدوتها التقليدية.. نيودلهي. بدأ عام 2001 بآمال عريضة في تحقيق تقدم في حل الخلافات المزمنة المستعصية مع الهند. وفشلت قمة «آجرا» في الوصول الى اتفاق بين مشرف وفاجبايي لكنها قدمت الرئيس الباكستاني الى الشعب الهندي كزعيم راغب في صنع السلام. وحسنت صورة باكستان بدرجة لا بأس بها امام المجتمع الدولي. وظل الأمل معقودا على تحقيق تقدم أكبر في قمم لاحقة. لكن أحداث سبتمبر الدامية جاءت بعد أقل من شهرين من قمة «آجرا» لتضع باكستان امام أوضاع جديدة بالغة الصعوبة، وخيارات جد محدودة. فقد قررت الولايات المتحدة اسناد التهمة الى ابن لادن. وكان لابد، بالتالي، من ضرب افغانستان لاسترداد الهيبة الأمريكية الضائعة أولا.. ثم الزحف على اسيا الوسطى لتحقيق أهداف استراتيجية أخرى لا علاقة لها بابن لادن ولا بالارهاب، وانما استكمال السيطرة الأمريكية على العالم. لكن الولايات المتحدة طرحت القضية على نحو لم يترك للقيادة الباكستانية مجالا للاختيار: «اما معنا.. أو مع الارهاب»! ولم يكن امام الجنرال مشرف مفر من فتح أراضي البلاد وأجوائها ومياهها للقوات الأمريكية لتضرب افغانستان، وتطيح «بطالبان» وتجئ بخصوم اسلام آباد الى السلطة في كابول، وتجرد باكستان من عمقها الاستراتيجي، وتجبر الجنرال مشرف على تطهير قيادة الجيش والمخابرات من أصدقاء «طالبان» وصناعها وحماتها، وتضعف شعبية الجنرال امام مواطنيه، وخاصة المتعاطفين منهم مع الجماعات الدينية الباكستانية ومع «طالبان» وابن لادن. وفوق هذا كله اتضح ان الولايات المتحدة تجري تدريبات سرية لقواتها الخاصة بالاشتراك مع نظيرتها الاسرائيلية للاستيلاء على الرؤوس النووية الباكستانية ونقلها خارج البلاد، وتخريب المنشآت النووية في حالة حدوث انقلاب عسكري على مشرف، يجيء بجنرالات اسلاميين الى السلطة. وفي المقابل حصلت باكستان على ثمن هزيل تمثل في بضع ملايين من الدولارات كمنح وقروض ميسرة، واعادة جدولة ديونها البالغة 38 مليار دولار، ورفع عقوبات اقتصادية غير مؤثرة كانت قد فرضت عليها هي والهند بسبب اقتحامهما ابواب النادي النووي بدون استئذان ورفضت الولايات المتحدة حتى امداد باكستان بطائرات «اف - 16» حديثة، لانها يمكن ان تحمل رؤوسا نووية.. بينما وافقت على قيام اسرائيل بامداد الهند بطائرات فالكون ذات التجهيزات التقنية الأمريكية بالغة التطور.. وهي الطائرات التي كانت واشنطن قد رفضت السماح لاسرائيل بتزويد الصين بها. ورغم هزال المكاسب المذكورة فإن المراقبين يدركون ـ واسلام آباد تخشى ـ ان تنال باكستان «جزءا سنمار» من الولايات المتحدة، بعد انتهاء الحرب الأفغانية الثانية، وان تدير لها أمريكا ظهرها. فثمة شواهد كثيرة تشير الى أن واشنطن تضع رهانها الاساسي على الهند منذ نهاية الحرب الباردة لاسباب استراتيجية واقتصادية وسياسية كثيرة، سنتناولها في موضعها المناسب. ولهذه الاسباب نفسها فإن رهان باكستان على قيام الولايات المتحدة بدور فاعل في حل القضية الكشميرية بصورة عادلة، من خلال الضغط على الهند، يبدو رهانا تكتنفه الشكوك من الاساس، وتبدو فرصته أضعف بكثير بعد العملية الانتحارية الاخيرة التي قام بها المسلحون الكشميريون في البرلمان الهندي. حلفاء جدد والواقع ان الولايات المتحدة تتجه بصورة واضحة لتطوير علاقاتها مع الهند على كافة الاصعدة خلال السنوات القليلة الماضية. فمع بروز القوة الصينية وتناميها السريع خلال العقدين الماضيين واعلانها المستمر عن رفضها للهيمنة الأمريكية على العالم، وتوقع المراقبين أن يصبح التنين الصيني خلال العقود القليلة المقبلة مرشحا لمنافسة الولايات المتحدة على وضع القوة العظمى الأولى، أو على الأقل بروزها كقطب ثان في النظام العالمي.. مع بروز هذه الأوضاع أخذت تبرز أيضا الحاجة الأمريكية «لاحتواء الصين» بأشكال شتى، من بينها دعم قوى قادرة على منافستها وتشكيل ثقل مضاد لها في اسيا وفي مقدمة هذه القوى طرحت القوة الهندية، المتنامية بسرعة، نفسها بإلحاح. فالهند تملك مقومات بارزة للتحول الى دولة كبرى خلال عقد أو عقدين من الزمان. ولا ترجع التوقعات في هذا الصدد اساسا الى عدد سكانها الهائل «مليار نسمة» ولا الى قوتها العسكرية الضخمة والمتنامية بسرعة، بقدر ما ترجع، قبل كل شئ، الى التقدم الاقتصادي الكبير الذي تحققه منذ بدء تطبيق برنامجها للاصلاح الاقتصادي عام 1991 والذي قفز بمعدل النمو فيها الى «7% منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي حتى عام 1999، لينخفض الى 5% عام 2000، وتوقعات بنفس النسبة عام 2001، فيما يضع الهند بين أعلى الدول نموا. كما تستند التوقعات بشأن نمو القوة الهندية الى التقدم العلمي والتكنولوجي المذهل الذي حققته الهند خلال العقد الاخير من القرن العشرين في مجالات حاكمة لا تقتصر على الصناعات الهندسية والكهربائية، بل تمتد الى الصناعات الفضائية والنووية والالكترونية، بما في ذلك صناعة أجهزة الكمبيوتر والبرمجيات وتنمو صناعة المعلومات الهندية بنسبة هائلة تبلغ 50% سنويا. وتحتل الهند المكانة الثانية عالميا في اعداد برامج الكمبيوتر «بنسبة 25% مقابل 68% للولايات المتحدة» وقفزت صادرت الهند من برامج الكمبيوتر من 200 مليون دولار عام 1991 الى 600 مليون عام 1996 ونحو مليار دولار عام 1998. ومن المتوقع ان تبلغ 5.3 مليارات دولار عام 2001 الجاري. وبالاضافة الى تلك المعطيات الهامة التي ترشح الهند للتحول الى قوة كبرى قادرة على لعب دور مهم في موازنة ثقل العملاق الصيني، فإن السوق الهندية الضخمة «مليار نسمة» تمثل اغراء كبيرا للولايات المتحدة، علما بأن لدى الهند ماتقدمه لأمريكا ايضا، اذ ان اغلب صادراتها من برامج الكمبيوتر تذهب الى السوق الأمريكية. وعلاوة على كل ماسبق تطمح واشنطن الى فك ارتباط الهند الوثيق بروسيا، وخاصة في مجال الصناعات العسكرية، الأمر الذي يحقق تقليص ماتبقى من نفوذ روسيا الدولي من ناحية، ويفتح سوقا جديدة مهمة امام صادرات السلاح الأمريكية من ناحية أخرى «يبلغ الانفاق العسكري الهندي أكثر من 10 مليارات دولار سنويا خلال الاعوام القليلة الماضية». ولعل كل ماذكرناه يكفي لتفسير الاهتمام الأمريكي الكبير بالهند، وسعيها الحثيث الى التقارب معها. وتجلى هذا في مواقف أمريكية أقرب الى مواقف نيودلهي في قضية النزاع الهندي - الباكستاني حول كشمير، وخاصة فيما يتصل برفض تدويل النزاع أو «فرض حلول من الخارج» على الدولتين، الأمر الذي يعني ترك الهند المفتوحة عسكريا تنفرد بباكستان والمقاومة الكشميرية. حماقة الأصدقاء وفي ظل هذه الظروف جاءت العملية الانتحارية الاخيرة في البرلمان الهندي لتزيد أوضاع باكستان والقضية الكشميرية نفسها تعقيدا على تعقيد. فقد أتاح الهجوم للهند تعزيز ادعاءاتها بانها ضحية «للارهاب الكشميري» في وقت يقف فيه العالم كله على قدم وساق للتصدى للارهاب، ويشتد الخلط بين مفهومي الارهاب والمقاومة الوطنية المشروعة. وقد انتهزت نيودلهي الفرصة الذهبية فسارعت بدق طبول الحرب وحشد قواتها وصواريخها على الحدود مع باكستان في الاقليم. وعلى الطريقة الأمريكية المعتمدة هذه الأيام تطالب الهند بتسليم زعماء جماعتي «العسكر الطيبة» و«جيش محمد» اليها ولا تقبل حتى بالتحقيق المشترك في القضية الذي اقترحته باكستان!! أما الولايات المتحدة فقد سارعت بادراج المنظمتين المذكورتين في قائمة المنظمات الارهابية، فيما يعد نكسة حقيقية للقضية الكشميرية. ومع قدوم العام الجديد تستمر الحشود في الازدياد على جانبي الحدود.. وتدق طبول الحرب بين دولتين نوويتين.. فهل يشهد عام 2002 نشوب الحرب الهندية - الباكستانية الرابعة؟ وهل تكون هذه الحرب نووية اذا ما نشبت؟ أم يستجيب الطرفان لنداء العقل، والدعوة الأمريكية «الفاترة» الى ضبط النفس؟ السيناريوهات المحتملة متعددة. ونستبعد من بينها سيناريو تسليم الزعماء الكشميريين الى الهند لحساسية القضية الفائقة في الشارع الباكستاني، ولأن الهند ليست الولايات المتحدة! وحتى هذه رفضت «طالبان» تسليمها ابن لادن. كما نستبعد وقوع حرب شاملة يمكن أن تنقلب الى حرب نووية فمثل هذا التطور الخطير يمكن «نظريا فقط» أن يكون اجراء باكستان الأخير لردع الهند المتفوقة عسكريا بدرجة كبيرة، ولتفادي هزيمة ساحقة في حرب شاملة لكن مصلحة الولايات المتحدة في المضي بحربها الافغانية الى نهايتها لن تجعلها تسمح بالتشويش وزعزعة الاستقرار الاقليمي، المهتز اصلا، بأكثر مماهو عليه. وفضلا عن ذلك فإن ظروف تخزين «وتهريب» الرؤوس النووية الباكستانية تفاديا لأية عملية «خطف» أمريكية - اسرائيلية، تجعل استخدام هذه الرؤوس شديد الصعوبة في الوقت الراهن. ويبدو السيناريو الأرجح هو قيام الهند بقصف مواقع ومعسكرات المنظمات الكشميرية داخل كشمير نفسها، وأن يؤدي هذا الى وقوع مواجهة واسعة نسبيا تسفر عن توجيه ضربات مؤثرة الى المواقع والمعسكرات المذكورة، مع تدخل الولايات المتحدة في الوقت المناسب للسيطرة على الموقف، بحيث يكون الطرفان قد حفظا ماء وجههما، وتكون المنظمات المذكورة قد تلقت ضربة موجعة تهدئ الرأي العام الهندي الثائر. لكن المؤكد انه حتى هذا السيناريو يترك باكستان والحركات الكشميرية في وضع أسوأ مما كان عليه قبل تلك العملية. كما أنه يطلق يد الهند أكثر في مواجهة الكشميريين في المنطقة الخاضعة لسيطرة نيودلهي. وللأسف فإن المجتمع الدولي لن يهب لنجدة الكشميريين، في ظل الأوضاع العالمية الحالية، وبصورة أخص في ظل التخاذل المعروف لأغلب الدول الاسلامية تجاه قضايا الاشقاء من فلسطين الى العراق وافغانستان.. الخ. وهكذا فإن باكستان قد ودعت عاما صعبا «2001» لتستقبل على الأرجح عاما أصعب وأكثر تعقيدا وأقل استقرارا «2002».. وكل ماتستطيع أن ترجوه هو الا يكون العام الجديد بالغ الصعوبة.. والا يحمل لشعبها مفاجآت أكثر كآبة مما تحدثنا عنه. بقلم: د. محمد فراج ابو النور ـ كاتب مصري