فشل الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في اخفاء اخفاقه من التوصل إلى تحضير متكامل مع المسئولين اللبنانيين للقمة العربية في بيروت خلال مارس المقبل، ولم ينجح في تبديد التشاؤم بفشلها حتى قبل انعقادها، عندما حاور باقتضاب وانزعاج مودعيه في مطار بيروت الدولي بعد يوم من المباحثات التي اجراها بشأن ذلك مع كبار المسئولين اللبنانيين مؤخراً. ومن سياق الذي دار بين نبيه بري رئيس مجلس النواب وعمرو موسى أمين عام الجامعة العربية، يمكن فهم العقدة الأساسية التي تهدد القمة بالفشل. وتنقسم هذه العقدة إلى مشكلتين يمكن توصيف الأولى بالتوجس من عدم تحقيق حد أدنى من النجاح للقمة المقبلة التي افترض المسئولون العرب ألا تكون عادية وروتينية تخرج بنتائج غير استثنائية لا تتلاءم مع خطورة المرحلة اقليمياً وحساسية هذه المرحلة دولياً. وتتمثل المشكلة الثانية في انقسام اللبنانيين بمن فيهم اركان الحكم والدقلة بين مؤيد لدعوة ليبيا الى القمة ومشاركتها فيها وبين رافض حتى لمجرد توجيه الدعوة اليها ويطالب بفرض «فيتو عربي» على الجماهيرية بسبب استمرار اختفاء الامام موسى الصدر والشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين الذين يصر الرافضون على تحميل ليبيا، التي كانوا في زيارتها معاً بدعوة رسمية مسئولية اختفائهم في ظروف غامضة، او اخفائهم في غياهب سجونها. وقد طرح الرافضون وفي مقدمتهم رئيس مجلس النواب نبيه بري على موسى مخرجاً دبلوماسياً للفيتو، بارجاء موعد انعقاد القمة، بما يهدف عملياً إلى انتظار نتائج وساطة تقوم بها ايران وراء الكواليس مع ليبيا منذ اسابيع قليلة لجلاء ملابسات قضية الصدر ورفيقه. وابلغ بري امين عام الجامعة انه يقترح بصفته الشخصية وليس باسم الحكومة اللبنانية تأجيل القمة بحجة ان في ذلك: «مصلحة كبرى، مع المحافظة على عقدها دورياً كل سنة، والتمسك والترحيب، بأن يستضيف لبنان هذه القمة السنة المقبلة، أما في يونيو أو أحد الشهرين اللذين يلياه لان هناك مصلحة عربية في ذلك لكي يتمكن العرب من التقاط انفاسهم، فتصدر عن قمة لبنان المرتقبة قرارات تاريخية، لا تكون على طريقة «ماشي الحال»، كما قال بري معرباً عن اعتقاده أيضاً بأنه: «اذا انعقدت القمة في مارس «كما هو مقرر حتى الآن»، فلن تخرج بشيء يكون بالمستوى المطلوب وبالتالي فان البديل الافضل لها ضمن هذا التوقيت المقترح هو تكثيف اللقاءات العربية الثنائية أو الثلاثية، وكذلك الاتصالات بين المسئولين العرب قدر المستطاع، حتى تتغير بعض المعطيات الدولية». اصيب موسى باستفزاز من هذا الحديث فطرح سؤالاً على الرئيس بري: «الى أي مدى يمكن اعتبار موقفكم تبليغياً رسمياً لبنانياً لجامعة الدول العربية»؟ فسارع بري للاجابة: «انني اطرح الفكرة بدافع شخصي. فأنا غير مخول لبحث ذلك الموضوع رسمياً، الجهة المخولة هي السلطة التنفيذية وليس التشريعية واذا كانت هناك اية وساطة «بشأن قضية الصدر» فأنا لست الجهة المخولة ايضاً إذ ان هناك وساطة ايرانية يدور الحديث عنها». الجدير بالذكر على سبيل اتاحة المعلومات ان بري شريك اساسي في هذه الوساطة من موقعه كأحد أبرز زعماء الشيعة في لبنان، وهي الطائفة التي كان الامام الصدر مرجعها الديني والروحي وحتى السياسي قبل اختفائه أو اخفائه خاصة في بداية السبعينيات. لكن الأمين العام تعامل مع طلب بري وفق المنطق الرسمي اللبناني. فسأل رئيس الجمهورية اميل لحود رأيه بما سمعه في مجلس النواب، فاجابه لحود: «يجب ان تتصرف الجامعة مع الأمر وفق الموقف الرسمي الشامل والمعلن للبنان، دون التأثر بطروحات الساحة الداخلية». وعلى الاثر تغيرت نبرة موسى ليكرر اعلانه قبيل مغادرته ان «القمة في موعدها في مارس». ورداً على سؤال حول ما اذا كانت القمة ستأخذ موقفاً صريحاً من ليبيا؟ قال: «لن ادخل في امور لا تتعلق بجدول الاعمال الخاص بالمناقشات العربية ـ العربية الجماعية. لذا، ارجو من الجميع اعفائي من الاجابة عن ذلك السؤال، أو ما يشابهه». وحول رأيه عن اعتراض مسئولين لبنانيين كبار على مشاركة ليبيا رد موسى بقوله: «كيف يتم الاعتراض على أية دولة عربية؟. هذا الأمر، اذا اخذنا به يعني اننا نهدم القمة سلفاً، وقبل انعقادها. لن اناقش مثل هذه المواضيع. اكتفي بالقول ان القمة العربية هي لجميع العرب دون أي استثناء لليبيا أو العراق مثلاً». لحود يحسم الجدل لكن أمين عام الجامعة العربية سمع العديد من الآراء المتضاربة من مسئولين وقادة سياسيين في بيروت، بما يعزز المخاوف من فشل القمة، ويضاعف المخاطر امامها. خاصة لجهة ما يعكسه من وجود انقسامات حادة بين هؤلاء الأمر الذي يدفعه إلى ان يهمس في اذن وزير الخارجية محمود حمود: «ازاي مش محصنين السلم الاهلي؟ ايه الكم ده من الخلافات وسطيكم؟». وسمع الوزير اللبناني يرد عليه قائلاً: «اننا معتادون على الأمر. هذه هي روح السياسة ونكهة الحكم في بلدنا. ويفرض هذا على الجامعة العربية مسئوليات اكبر في التحضير للقمة من اجل انجاحها، أكان هذا في مضمونها، أو في المواضيع التي ستتعرض لها في هذه الظروف الدقيقة، أو حتى أيضاً بالنسبة إلى الاستعدادات اللوجستية المختلفة وغيرها». وأضاف حمود: «تأكد ان الرئيس «لحود» سيوجه الدعوات بالمشاركة فيها إلى جميع القادة العرب ملوكاً ورؤساء أما فيما يتعلق بالقمة نفسها فاننا مجمعون على اعتبار ان عقدها دورياً بات امراً مهماً وهذا انجاز بعد ان كانت تنعقد بين مرة واخرى لسنوات عدة أو أكثر أو أقل. وما يجري في القمة هو انعكاس للهموم العربية والاهتمامات العربية على مختلف الصعد وكذلك من شئون وشجون سياسية واقتصادية وثقافية وغير ذلك. ونأمل ان يكون كل جديد يحدث في القمة هو لخير القضايا العربية. وهذا ما ستعكف عليه قمة بيروت التي ستعمل باتجاه ما يخدم الثوابت العربية التي لا تراجع عنها، بل الاصرار على المزيد من التمسك بها، وصولاً إلى الحصول على الحقوق العربية كاملة، لا مجتزأة». ولم يتردد الأمين العام من طرح الأمر نفسه على الرئيس لحود، سعياً وراء الوقوف على الموقف الرسمي اللبناني من جذوره، ومرجعيته الاساسية، فأكد له رئيس الجمهورية: «استعداد لبنان لاستقبال القمة في مارس، تنفيذاً لقرار قمة عمان، وقد باتت كامل التحضيرات الضرورية لانعقادها جاهزة على مختلف الاصعدة. ويتطلع لبنان إليها كي تكون مناسبة لتحقيق المزيد من التضامن العربي والتماسك في مواجهة التحديات التي تعترض الدول العربية». وقال لحود للأمين العام للجامعة: «نأمل جميعاً في لبنان، ان ترسم القمة المقبلة افق التحرك العربي المقبل، لاسيما وان القضايا المطروحة امام الدول العربية السياسية منها كما الامنية والاجتماعية والاقتصادية كثيرة، وتتطلب قرارات حاسمة لانها تتصل بمستقبل الدور العربي في مسار الاحداث الاقليمية والدولية». وأضاف: «الواقع ان تتسارع الأحداث على الساحة الفلسطينية، والتهديدات الإسرائيلية المتواصلة لكل من لبنان وسوريا، اضافة إلى الاجواء الاقليمية الضاغطة، باتت تتطلب وقفة عربية جامعة تهدف إلى تفعيل الجهود المبذولة لاحلال السلام العادل والشامل والدائم في منطقة الشرق الأوسط، لأن الأحداث اثبتت ان العنف لا يمكن ان يكون بديلاً للحلول السلمية القائمة على أسس العدالة والحق. مخاطر وتهديدات وعلم ان الأمين العام شارك الرئيس لحود الحديث عن المخاطر والتهديدات الناجمة عن الممارسات والسياسات الإسرائيلية بصورة عامة. وقال موسى للمسئولين في بيروت محذراً: «ان استمرار السياسة العدوانية لإسرائيل ستؤدي إلى حريق كبير في الشرق الأوسط، ان العقبة في الأساس هي من السياسة والحكومة الإسرائيلية التي ترى ان الظروف مواتية تماماً لها لتفرض مخططاتها». وأضاف: اننا نعيش مرحلة خطيرة حالياً. وكلنا منزعجون من التطورات السلبية التي تمر بها المنطقة وتطورات النزاع العربي ـ الإسرائيلي. وفي رده على تساؤلات المسئولين حول حجم الضغوط الأمريكية التي تمارس حالياً على الجامعة العربية، خاصة لجهة منعها مع الدول الاعضاء فيها من مساندة القضية الفلسطينية بالشكل المطلوب. قال موسي: «لعله الخطورة في مكان ان تفترض دبلوماسيات عالمية معينة ان في يدها قوة الضغط على الدول العربية حتى تستسلم للمخطط الإسرائيلي، هذا أمر لا يمكن ان يحدث. وبالنسبة لي فانه ليس هناك أي ضغط أمريكي يمارس عليّ. لم يضغط علي احد، ولم يتصل بي احد، ولا أحد ذكر لي ان افعل هذا أو لا أفعل. وسئل موسى: ـ ألم توجه اليك ايحاءات معينة غير مباشرة؟ ـ هذا لم يحصل، لا ايحاءات مباشرة أو غير مباشرة، ان هذا الكلام لا ينفع معي أساساً. ـ ما جدول أعمال القمة العربية المقبلة برأيك؟ ـ من بداية العام المقبل وحتى نهاية شهر مارس ستركز المشاورات على النقاط الخاصة المتعلقة بالترتيبات وجدول الأعمال، وفترة الانعقاد، وغير ذلك. هذه الموضوعات ستكون محور تشاور عربي وسيقوم جدول الأعمال على توافق في الرأي كما وهناك اجراءات تتم بتوصيات سابقة، وبقرارات سابقة، وبموضوعات لاحقة». وحول وجود خلافات عربية أكد موسى انه من الطبيعي ان تكون هناك مواقف مختلفة. فنحن لا نرى المشاهد الكاملة، لا شيء كاملاً مشدداً على خطورة الموقف وموضحاً انه يمكن ان تكون هناك آراء عربية متبانية حول كيفية التعامل معها. انما نستطيع ان نقول اننا نجحنا في ايجاد حد أدنى على الاقل وخط لا يمكن النزول تحته لجهة المواقف. لا انحناء عربياً ورفض موسى ان يكون العالم العربي قد انحنى أمام العدو الصهيوني مما جعل إسرائيل وشارون يتخذان المزيد من المواقف المتشددة ضد العرب، ومما يزيد من تراجع الموقف العربي، مشيراً إلى ان الأمر لا يتعلق بتراجع أمام الضغوط الدولية وانما هو عاصفة هوجاء يستغلها شارون، وتزيد من سعيرها السياسة الإسرائيلية التي ترى في الموقف الدولي الحالي فرصة مواتية لها بفرض مخططات على كل العرب، ومنها استمرار الاحتلال والامعان في اهانة العرب. لذلك فلن يكون هناك وقف لفترة ما يراها الفلسطينيون، أو تراها القيادة الفلسطينية كجزء من سياساتها، أو لخلق ظروف تمكن من تطوير الموقف وتوجهه نحو وجهة معينة تفيد الفلسطينيين، فهذا قرار فلسطيني، واذا استمرأنا القول ان هذا تراجعاً ونواصل كيل الاتهامات لبعضنا البعض، فقد يكون هذا هو المطلوب منا اي ان نكون ضد انفسنا. وعن اعتبار البعض الاجتماع الاخير لوزراء الخارجية العرب تغطية لمبادرة الرئيس ياسر عرفات بشأن وقف الانتفاضة نفى عمرو ذلك متسائلاً: من الذي اعتبره كذلك؟ مؤكداً ان تناول بعض الاوساط الاعلامية لهذه المسألة تأكيد على اننا نعيش في عالم ديمقراطي. الا ان الجامعة لا تعتبر ان الأمر هو كذلك، وكل ما في الأمر انه كان لابد من ان نجتمع للنظر في الأمر، وفي الظروف الخطيرة الموجودة. اما عن امكانية حضور الرئيس عرفات قمة ـ بيروت قال موسى ان الرئيس ياسر عرفات يفكر الآن في وسائل للحركة. قال أكان يستطيع ان يأتي سيراً على الاقدام إلى بيروت فيمكن ان يأتي. انما لابد ان يحضر ابو عمار «القمة»، طبعاً لابد سيحضر». وكرر موسى خوفه على وحدة الصف الفلسطيني مؤكداً أهمية الحفاظ على الوحدة التي نادى وزراء الخارجية العرب بضرورة الحفاظ عليها، وحول توقعاته لما يمكن ان تحمله القمة المقرر عقدها في شهر مارس المقبل للعرب، والتي شدد الأمين العام على عقدها في الموعد المقرر لها كرر موسى القول: «لقد انتظرنا طويلاً، حتى مارس هذه المرة». بيروت ـ وليد زهر الدين: