قادت أمريكا حملتها الإعلامية في الأزمة الأخيرة داخلياً على مستوى الفعل العسكري، ولم يخف على احد ان التلفزيون كان الاداة المباشرة والحادة في تشكيل الرأي العام الأمريكي والعالمي حول مفجري الأحداث في 11 سبتمبر، مثلما ساعد في اللحظات الأولى في رسم صورة العدو وساحة المعركة. وكما هو معروف، فان العقلية السياسية الأمريكية تتأثر بوسائل الإعلام وبطرق يصعب ملاحظتها احياناً، فقد وجد ان للتقارير الاخبارية المتلفزة وغيرها من النشرات الاعلامية اثاراً عديدة تتركها على نظرة الناس وموقفهم حيالها. وقبل مناقشة الوسائل الإعلامية المستخدمة في إدارة الأزمة داخلياً ينبغي ان نذكر ومن واقع الدراسات الأمريكية نفسها ان صانعي السياسة الأمريكية الذين ادركوا الحدود اللامنتهية للتلفزيون وتأثيره، ادركوا في الوقت نفسه حقائق ثلاث قاسية بشأن الرأي العام الأمريكي على الأقل هي وفق مصادر كثيرة ودراسات متنوعة. ـ أولاً: ان الأمريكيين رغم تعرضهم للمسائل الخارجية قد ازداد، الا ان لديهم جهلاً مطبقاً بوجه عام في فهم العالم، وقد اظهرت استطلاعات الرأي خلال السنوات الماضية افتقاراً مذهلاً إلى المعرفة بين السواد الاعظم من الجمهور، وعلى سبيل المثال وجهت صحيفة «الواشنطن بوست» وهيئة الاذاعة الامريكية في استقصاء هذا السؤال: «واحدة من هاتين الدولتين ـ الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة ـ عضو فيما يسمى بتحالف الناتو، فهل تعرف ايهما ام انك غير واثق» وكان متوقعاً ان يعطى 50% اجابة صحيحة لكن 47% فقط اجابوا فعلاً على السؤال بالرد الصحيح، وكان تحليل الخبراء ان الناس يبتعدون عن الشئون العامة. ـ ثانياً: ان الامريكيين يظهرون قابلية قليلة لزيادة فهمهم للعالم وعلى مستوى الصفوة او صانعي الرأي، فهناك اهتمام شديد لفهم المعلومات الجديدة ولكن في اطار لاعلاقة له بالسياسة الخارجية، وقد قدمت الأحداث التي جرت في العقد الماضي ادلة على ذلك، فالجمهور لا يجتذب بسهولة إلى احداث مهمة، فقد انخفضت تقديرات برامج الاخبار القومية خلال الفترة التي كانت الشيوعية تنهار فيها وتوحي استطلاعات الرأي ان الجمهور شعر بارتباك شديد لمراقبتها عن كتب. ـ ثالياً: ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الرأي العام الأمريكي سيصبح اكثر اطلاعاً، على سبيل المثال هناك استطلاع نشرته قبل سنتين مجلة «ناشيونال جيوجرافيك» اجرته منظمة جالوب أظهر ان معرفة الامريكيين للجغرافيا الأساسية أقل مما يعرفه المواطنون في السويد، ألمانيا الغربية، اليابان، فرنسا، وكندا، وأقل إلى حد كبير مما كانوا يعرفونه منذ اربعين عاماً. ورغم قسوة هذه الحقائق الا ان الإدارة السياسية الامريكية تأكدت عبر دراساتها ان الأمريكيين متفتحون للاقتناع اذا امكن تقديم قضية قوية لهم، وهذا ما عزز دور التلفزيون في الحملات الانتخابية، حملات حشد الرأي العام فكان التلفزيون القائد للرسائل الإعلامية المطبوعة التي أصبحت عاملاً داعماً له، فما هي التأثيرات المركبة للتلفزيون على الرأي العام؟ الإعلام والرأي العام بشكل عام استخدم الإعلام المرئي والمسموح والمكتوب أربع وسائل عدها الباحثون اساساً للتأثير على الرأي العام، وهي تشكل دائماً اساساً للحملات الإعلامية السياسية الأمريكية. هذه الوسائل هي، وفق ما اوردها مجموعة باحثين في «لعبة وسائط الإعلام»: ـ تمكين الناس من الاحاطة بما يجري في العالم «وهو ما يسمى بأسلوب التعلم». ـ تحديد القضايا والأحداث السياسية المهمة أو مشاكل الساعة «وهو أسلوب ترتيب الأحداث». ـ لعب دور تأثيري في تحديد من من السياسيين ينبغي لومه او مكافأته بشأن المواضيع والأحداث التي توردها الاخبار «وهو ما يسمى بتحديد المسئولين». ـ وأخيراً هناك أسلوب التأثير على الخيارات والميول السياسية للناس «وهو ما نسميه بالاقناع». مثلت هذه الوسائل اساس كل الحملات الإعلامية الأمريكية الاخبارية، وقد عملت هذه الفئات الاربع على احداث تأثير ضمن اطار اشبه ما يكون بالسلسلة، ويقول ستيفن اينز لابير في ذلك: «تمثل عملية بث المعلومات التأثير الأولي لوسائل الاتصال، وهي تشكل عملية الاحاطة التي ستؤدي بدورها إلى حدوث تغييرات في بروز حدث أو قضية معينة»، حددتها الوسائل الاعلامية في حالة الحرب الاولى في هذا القرن بـ «الحرب ضد أمريكا، الإرهاب، اسامة ابن لادن، الإسلاميون، ثم افغانستان». هذا الوضع المعني الذي رسمه التلفزيون قاد المشاهدين والذين يشكلون الرأي العام إلى النظر للمسئولين عما يجري بطرق مختلفة الأمر الذي اوصل إلى تغيير الميول السياسية أو الخيارات أو القرارات. وهنا يبرز سؤال: هل كانت وجهات النظر والاخبار والحملات الإعلامية عادلة وهي تتحدث عن العدالة في الاقتصاص من مفجري أمريكا؟ لقياس مستوى العدالة في وسائل الإعلام الأمريكية بالذات ينظر إلى ثلاثة معايير وضعها مجموعة خبراء منهم ستيفن اينز لابير، ردي بير، وشانتو اينجر، وهي: ـ المعيار الأول: يبحث فيما اذا كانت وسائل الإعلام تعكس وبصدق القضايا والأحداث الراهنة بمعنى ان كانت مرآة تعكس ما يدور في العالم، وهنا تجب الاشارة إلى ان الإعلام العربي تبع الهزات الارتدادية الناتجة عن الهزة الأمريكية وعكس ما ارادته ان يعكس. ـ المعيار الثاني: ويبحث فيما اذا كانت التغطية الاخبارية تقدم بصورة سطحية أم عميقة، بمعنى كيف صممت، ومن هي الجهة التي صممتها والتي تكون قيمها السياسية ومصالحها، وما هو الهدف. ونجد الإعلام الغربي قد اغفل ذلك. ـ المعيار الثالث: وهو الاخير، ويبحث فيما اذا كانت الاخبار موصومة بالميول السياسية أو الايديولوجية لجامعي الاخبار ومنتجيها. وفقاً لهذه المعايير يمكن بشكل ملخص وصف النهج الإعلامي في الأزمة التي فجرت حرب القرن بأنه نهج منحاز ايديولوجيا، وهو انحياز دعمه الدستور الأمريكي ووضعه في اطار «الاراء المتنافسة التي يسمح لها التعبير عن نفسها بحرية»، وهنا كان التعديل الاول للدستور والذي هدف إلى حماية «سوق الافكار»، وهو مع ذلك لم يستطع ان يجيب عن اتهامات بالانحياز الإعلامي ايديولوجياً. وكمثل على هذا الانحياز الايديولوجي تسوق الدراسات محطة CNN كنموذج، وما نشاهده على شاشتها من تحيز وضيق افق يصور لنا العالم كله وكأنه امريكا فقط ولا احد معها. تصوغ هذه القناة لنا فلسفة الاعلام الامريكي والسياسة الأمريكية كلها، اذ يقوم الاعلام هناك بخدمة تحديات حضارية واقتصادية اكثر اتساعاً وشمولاً ليصبح سلاحاً واداة غزو للعقول. وفي هذا الصدد يقول الكاتب «شوقي ابو شعيرة» في كتابه «انتحار الحضارة»: من فوضى القرن العشرين، ان الإعلام الأمريكي يقدم للمتلقي في دول العالم الثالث نموذجين متلازمين: واحد لنمط الحياة الغربية وهي حياة يصورها مرفهة تقترب بالإنسان من الجنة الموعودة على الارض، ونموذج اخر حافل بالاضطرابات، بالموت والقتل، بالفوضى والانقلابات وحتى بالزلازل والبراكين والفيضانات وكوارث البيئة وهو نموذج العالم الثالث، ويعد نموذج شبكة CNN ملخصاً لواحدية وجهة النظر في الوقت الذي تتداعى فيه الليبرالية والتعددية، فهي تزود المتلقي بمعلومات وآراء تشكل صورة ذهنية زائفة». الانحياز الايديولوجي قبل ان نوضح معنى الانحياز الايديولوجي وكيف برز في اعلام الأزمة ينبغي الاشارة إلى ربط السياسة بالإعلام، ونحن هنا نتحدث عن سيطرة الحكومة الأمريكية بكل مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، اللوبيات، وشركات المصالح على القرار الأمريكي. فالادارة تحتكر المخابرات السرية والمعلومات السرية وهي التي تستطيع ان تذيعها عندما يكون ذلك مناسباً. وهنا نسترجع ما قاله جريجوري نوكس المراسل القومي السابق لوكالة الاسيوشيتدبرس والذي يكتب الان لصحيفة «بورتكلاند اوريجوينان» اذ قال: «ان الادارة الامريكية تسيطر على جدول اعمال الاخبار القومية حوالي 70% من الوقت فهي تقرر متى يصبح شيء ما خبراً والى متى يبقى في الاخبار». وعودة للانحياز الايديولوجي وكيف برز في اعلام الأزمة، نجد ان التغطية الاعلامية صنعت الملامح الرئيسية للازمة ومن وراءها فكانت: ـ أولاً: شبكة الإرهاب الإسلامي التي تمتد ليس فقط في الولايات المتحدة وانما في القارة الأوروبية وبطبيعة الحال في آسيا والشرق الأوسط. ـ ثانياً: العلاقة بين تلك التفجيرات وما يحدث في الشرق الأوسط. ـ ثالثاً: التأكيد على وجود ما يسمى بـ «صراع أو حرب أهلية داخل الاسلام بين المحدثين والمتطرفين». بمعنى انهم ركزوا على صدمتهم بمدى الكراهية التي يشعر بها الشرق أوسطيون، لكنهم ليسوا على دراية بتأثير صورتهم السلبية التي استمرت لعقود طويلة واعتمدت على الشراكة التي اقاموها مع الإسرائيليين. مثلما ركزوا على الترويج لنظرية وجود حرب اهلية إسلامية تتم بين اولئك المسلمين المتحضرين الذين يتخذون الولايات المتحدة والغرب نموذجاً حضارياً ينبغي الاقتداء به، والمسلمين الذين يريدون العودة للقرون الوسطى. ونجد توماس فريدمان الصحفي الأمريكي المعروف بارائه التحريضية يقرر ان على المجتمعات الإسلامية ما يجب ان تفعله للتخلص من تلك الحفنة المارقة بينما نجد هوجلان في الهيرالد تريبيون يقول: «انها ليست حرباً بين الأمم أو الاديان أو الطبقات وانما هو صراع بين المعتدلين والمتطرفين داخل الإسلام، بين الثوريين والاصلاحيين في الشرق الأوسط، بين اولئك الذين يؤمنون بالمجتمع المفتوح وأولئك الذين يؤمنون بالثأر والفوضى بدلاً من التحضر». عكس هذا الانحياز الايديولوجي نتائج وتفاعلات هذا العقد بالنسبة لامريكا، ولخصتها الدراسات والتحليلات ب: ـ أولاً: ان القوة العظمى الأمريكية تدرك مصالحها وأمنها على نحو منعزل عن امن واستقرار بقية مناطق العالم، ومن ثم فهي لا تقود العالم بل تسيره بارادة منفردة. ـ ثانياً: ان الابعاد الحضارية الثقافية قد اخذت وضعها بوضوح إلى جانب الابعاد الاقتصادية والسياسية للفجوة بين الشمال والجنوب، ومؤتمر دوربان كان المحطة الاخيرة لاختبار مدى ما أضحت عليه هذه الفجوة من عمق. ـ ثالثاً: ان قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان يتم استدعاؤها وتطبيقها فيما يختص بقضايا الشمال ومصالحه فقط، كما لو ان ما يسمى بمنظومة القيم الغربية لاتجد مجالاً للتطبيق في مكان اخر رغم الادعاء بعالميتها والعمل على فرضها بشتى الطرق المرنة أو الصلبة. أما الدلالات الدولية فقد سجلت ملاحظات خاصة لخصت في أربعة مستويات: ـ أولاً: وضع الولايات المتحدة في النظام العالمي ومصادر تهديد أمنها. ـ ثانياً: علاقات التحالف الغربي، بمعنى علاقات الولايات المتحدة بحلفائها ومن بينهم «إسرائيل». ـ ثالثاً: العلاقات مع الجنوب. ـ رابعاً: الداخل الأمريكي واثره على السياسة الخارجية الأمريكية وتفاعلاتها العالمية. في المستوى الأول «وضع الولايات المتحدة في النظام الدولي» نجد ان الاستراتيجية الأمريكية «العالمية»« تضع الإرهاب الدولي على قائمة ما تراه من مصادر التهديد لاستقرار العالم وأمنه، ومن ثم جعلت من محاربته أحد أهم أهداف الاستراتيجية وأحد أهم قضايا السياسة الخارجية الأمريكية. وبما ان الداخل الأمريكي لم يكن مرشحاً بقوة لمعايشة مثل هذه التهديدات والضربات الإرهابية فان السياسات الأمريكية ركزت على اجراءات مقاومة الإرهاب فيما وراء البحار بعيداً عن واحة الامان الأمريكية بمنطق حماية الجزيرة الأمريكية وعزلها عن مصائب العالم وتهديداته، وهنا تبلور من جديد منطق الدفاع عن حيوية اقامة درع دفاعي صاروخي بالنسبة للأمن العسكري الأمريكي وحمايته من مصادر التهديد العسكرية الخارجية، رغم ان التهديد الأخير لم يكن عسكرياً، بل كان طائرات مدنية انتحارية. في المستوى الثاني تلحظ تكييف الهجمات بمايلي: انها هجمات ضد الديمقراطية والحرية ليس في الولايات المتحدة فقط ولكن ضد العالم الحر والعالم المتمدن، وبأنها حرب بين الخير والشر وهجمات من عدو جديد ضد الجميع وانها اعلان عن معركة القرن الحادي والعشرين، الى المعركة بين منظومة القيم الغربية واعداء الحضارة الغربية، وهنا انقسم العالم الى معسكرين: مع المفهوم الامريكي للارهاب أو ضده، حتى لو كان هذا المفهوم قاصراً أو مقتصراً على الإسلام ومظهره. ذلك أبرز اتجاهين أساسيين: ـ الاول: اتجاه تحدث عن عقاب المهاجمين بعد تحديدهم بدقة مع ضرورة تساؤل الأمريكيين عن أسباب تصاعد العداء ضدهم، بمعنى مراجعة السياسة الخارجية الأمريكية. ـ الثاني: دعا للحرب وليس إلى محاكمات واجراءات قانونية أو سياسية بمعنى دعا لاستخدام القوة العسكرية بشدة وبرعة ضد اعداء جاهزين سبق ان وضعوا على قائمة الإرهاب. هذه هي الصورة التي اخترقت النفس الأمريكية عشية التفجيرات والتي حشدت لها كل الوسائل الإعلامية والسياسية والاستخبارية حتى تمكنت من تشكيل رد فعل عنيف بدأ أولا همجيا «الاعتداءات على العرب والمسلمين» ثم تطور إلى فعل عسكري «حشد القوة العسكرية»، ثم إلى تهديد بأن الحرب قد أعلنت لأمد طويل وليس قصيرا كما قد يظهر للبعض. ردود فعل الأوساط العربية والإسلامية اتسمت بسمتين اساسيتين، اعتبرت رد فعل دفاعي، فالاعلام العربي منذ نشأته هو: ـ إعلام دفاع لا هجوم. ـ وهو إعلام رد فعل لا فعل كامل. لقد وقف الإعلام العربي باهتا ازاء حملة أمريكية دولية اعلامية سياسية شرسة سريعة منظمة وهادفة، كان ينبغي منذ اللحظة الأولى التصدي لها. وكنتيجة لتلك الحملة أو لنقل اعلام الأزمة شكلت امريكا تحالفاً ضد العالم العربي والإسلامي لتخليصها من عدد من المشكلات الكبيرة أولها القضية الفلسطينية بكل تداعياتها، وانتهاء بفرض رقابة على تسليح الدول العربية والإسلامية. وحتى هذه اللحظة نجد اعلامنا، عدا وسائل معدودة، مازال تابعاً للإعلام الغربي والأمريكي بالذات، وهو حتى اليوم لم ينجح في القيام بهجوم مضاد لتحويل الاتهام مثلاً من إرهاب إسلامي إلى عولمة أمريكية للأمن وقد انكشفت بوضوح المصالح الأمريكية التي دفعتها لشن حربها هذه.