يعد الاعلام اخطر الأسلحة التي يمكن استخدامها في الحروب، ولعل اخطر انواعها الدعاية والحرب النفسية، عرفها القدماء، وتطورت فأصبحت ثورة سيطرت على مقاليد الحكم والسياسة وغدت أهم أدواتهما. ثورة الاتصالات والاعلام هذه تعددت وسائلها واساليبها، وفي حروب العالم الأخيرة اخذت اشكالا محددة وصلت ذروتها في حرب الخليج الثانية فبتنا نرى الحرب عبر شاشات التلفزيون لحظة بلحظة وكان ذلك حدثا مهما في وسائل الاتصال الجماهيرية. وما بين حربين شرستين، حرب الخليج، وحرب الافغان، انقلبت المعادلة، فبعد ان كانت خخ الناقل الأمريكي الوحيد للحرب، صار للعرب ناقلهم الخاص «الجزيرة» الذي عرض الحقائق بلا انحياز، وكشف اهمية سلاح الإعلام في الحرب. ولعل رد الفعل العربي على ذلك والذي تمثل في فتح جبهات اعلامية ومراكز تسيطر على الرسائل المصورة والاخبار لتمرر إلى شعوبها ما تريده مما يدعم أهداف الحرب، يدل على ان خطر هذه الحرب الإعلامية تجاوز خطر السلاح القاتل. كيف كرست الدعاية لكسب الحروب، وما الفرق بين وسائل الإعلام المختلفة، وما هي الحرب النفسية، كيف استخدمها الامريكيون لكسب جولات الحرب. ما هي مصادر الاخبار، وكيف توجه الاخبار دفة الحروب، وما الفرق بين ما قدمته خخ من نقل لحرب العراق وما قدمته الجزيرة من نقل حرب أفغانستان. هل ان الإعلام في أمريكا حر وديمقراطي، وكيف استخدمت أمريكا الإعلام في هذه الأزمة، وهل ان الأمريكيين يحملون الوعي الكافي لادراك الحقائق؟. زادت ثورة الاتصالات في العقود القليلة الماضية إلى حد كبير من تأثير ونفوذ وسلطة ووجود اذاعة الاخبار في كل اشكالها المعاصرة، وادخلت تلك الثورة نوبة محمومة معينة تزداد شدة بين منافذ الاخبار المختلفة. وعمل الاخبار مثل غيره عرضة للضغوط المنافسة وتحقيق الارباح، وادى ادراك ذلك الانفجار الخبري إلى ظهور الحكمة التقليدية بأن وسائل الإعلام أصبحت بالغة القوة، مثلما أصبحت تستخدم أساليب مختلفة في التحريف والمبالغة واضفاء الاثارة بصورة متزايدة، بل أصبحت تدرك ما تريده الحكومات أو ما يسعى اليه صانعو السياسة أو الوقوف ضده. وبهذه الثورة تغير توازن القوى بين وسائل الإعلام والحكومة بشكل اساسي، فوسائل الإعلام وصانعو السياسة لم يتنافسا قط على قدم المساواة، فقد كان مجال المساواة يتسع بصورة جوهرية، لكن القواعد والشروط والفرص والموانع ظلت كما هي عليه على كلا الجانبين. والاخبار هي العنصر الأهم في كل العملية الاعلامية، لما لها من صلة بالناس، فهي الشيء الذي يريد الناس ان يسمعوه او يقرأوا عنه، وهي في جميع أحوالها مصنوعة في وكالات الانباء الغربية الكبرى الاربع وهي: اسيوشيتد برس، يونايتد برس، فرانس برس، ورويترز. تسيطر هذه الوكالات على معظم وسائل الاعلام في العالم الثالث ومنها عالمنا العربي، لما لها من سطوة ورؤوس أموال ضخمة تديرها وآلة اعلامية هائلة، وهي تقوم بتشكيل وتقديم الاخبار في بلاد العالم الثالث، مثلما تقوم بتعريف قيم الاخبار لوسائل إعلامها. ومعظم الدول لا تملك خياراً في الحصول على الاخبار العالمية الا في الاعتماد عليها بشكل كامل كمصدر اساسي، لقلة وسائلها الاعلامية، وهي بذلك لا تستطيع ان تدعي الاستقلال بعرضها للخبر وبجمعها للاخبار الأجنبية. اثرت هذه الوكالات في مفهوم الاخبار في بلدان العالم الثالث عن طريق قيامها بدور وضع جدول الأعمال وتشجيع فكرة السرعة والحيادة فقلبت صيغة الهرم المقلوب، واعتمدت صيغ المبالغة واستخدمت الدعاية لتحقيق أهداف سياسية تعود في معظمها للغرب ولأمريكا بالذات. مارست هذه الوكالات باخبارها المتدفقة بغزارة عبر وسائل الإعلام، قيادة عمليات يمكن وضعها تحت لافتة «الحرب»، منها عمليات التسميم السياسي، ومنها الدعاية خاصة الرمادية منها، ومنها الحرب النفسية التي كانت أمضى أسلحة الإعلام في الحروب الأخيرة. والاعلام وفق تعريفات عديدة هو سلاح يمكن ان تستخدمه شريحة من الناس سواء في مستوى حركة ثورية أو منظمة أو نظام حكم، لبيان وجهة النظر أو تثبيت الاستراتيجية التي تعتمدها تلك الجهة. ويعرف اوتو جروف الإعلام بأنه التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير ولروحها وميولها واتجاهاتها في الوقت ذاته. وهناك امثلة كثيرة على استخدام الإعلام في اغراض سياسية ادت إلى كوارث سياسية ان صح القول. يعرض على سبيل المثال فيليب جايلين في مؤلفه «الإعلام والسياسة الخارجية» لامثلة كثيرة شهدتها أمريكا في اطار حرب الإعلام ويذكر ان مصادر متنوعة أوردت بأن هناك اسطوة تقول: «أصحاب الصحف من تجار الحروب قد الهبوا مشاعر الجمهور ودفعوا الولايات المتحدة إلى الحرب الأمريكية ـ الاسبانية». يضيف جايلين ان السجلات المؤرخة لتلك الحرب تكشف ان تيودور روزفلت نفسه قد حرض أصحاب الصحف خدمة لاغراضه الخاصة فيما يتعلق بغرق البارجة «مين» في ميناء هافانا في ظروف كانت بعيدة عن قدرة الصحف على التحقق منها في ذلك الحين. ويذكر أيضاً أحداث خليج تونكين الشهيرة التي استغلها الرئيس الاسبق ليندون جونسون بصورة مماثلة لينتزع من الكونجرس قراراً يمنحه سلطة جارفة لتوريط الأمة الأمريكية في حرب فيتنام. لقد فشلت وسائل الإعلام في ان تثير في ذلك الحين بأية وسيلة اسئلة خطيرة مازالت بلا رد عما فعلته قوارب طوربيد الفيتناميين الشماليين بالضبط ان كانت قد فعلت شيئاً لتبرير الضربات الانتقامية الأمريكية ضد فيتنام الشمالية. وتذكر المصادر أيضاً ان هناك اسطورة ساعدت فيها هوليوود يقول جايلين عنها انها «جعلتنا نصدق مرة أخرى ان وسائل الإعلام هي التي اسقطت ريتشارد نيكسون، مع ان التحقيق الأولي الذي نشرته صحيفة الواشنطن بوست لم يستخدم أكثر من حجر الولاعة التي أشعلت الشرارات التي كانت ستخمد لولا ان قاضيا حانقا «جون سيريكا» قام بلي القواعد ليستخرج الادلة التي لم تستطع وسائل الاعلام كشفها بنفسها». ويبقى المثال الخاص بفضيحة «ايران كونترا»، فالصحافة الأمريكية لم تكشف عن اتجار حكومة ريجان في مبادلة الاسلحة بالرهائن مع ايران مما يكشف سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام لكن الجنرال «ادوين ميس» المدعي العام كشف الارتباط بجماعة الكونترا. ويقول ريجان: «ان الفضيحة العلنية برمتها لم تكن لتنفجر في المقام الأول لو لم يغرس اشخاص مجهولون قصته في تلك المجلة البيروتية «ويقصد مجلة «الشراع» التي استندت إلى مصدر إيراني. دعاية وحرب نفسية معروف ان الدعاية والحرب النفسية أهم واخطر أدوات الإعلام، تنقسم إلى ثلاثة أنواع هي: الدعاية البيضاء، والدعاية الرمادية، والدعاية السوداء، ولعل اخطرها الدعاية الرمادية وهي مما يستخدم في الحروب كأحدى أدوات الحرب النفسية. وقبل الدخول في مفاهيم الدعاية الرمادية والحرب النفسية ينبغي الاشارة إلى جوزيف جوبلز وزير دعاية هتلر الذي انتحر مع زوجته بعد انتحار هتلر وعشيقته عام 1945، والذي يعد اخطر واشهر من استخدم الدعاية الرمادية. مضى جوبلز وفق وجهة نظر هتلر الذي اعتبر السيطرة على الإعلام بعد السيطرة على المال من المهمات الرئيسية التي لابد للصهيونية من انجازها في حركتها للسيطرة على العالم. وهذا يؤكد حقائق كثيرة اشارت إلى صهيونية هتلر ومجموعته التي ادار بها دفة ألمانيا وحربها العالمية، وعدت النازية جزءاً من الفكر الصهيوني. وينسب إلى جوبلز نظرية نصف الحقيقة التي تنص على ضرورة «الكذب في كل حادثة وقلب الحقائق مع اضفاء مصداقية عليها بعض الشيء» مشيراً إلى ان الإعلام له أهميته كونه قادراً على مخاطبة جميع الشرائح لما يملكه من امكانية النفاذ في كل مفاصل المجتمع، وهذا ما عملت عليه دول الغرب في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية وطورته حتى بات اخطر سلاح. ولابد هنا من الاشارة إلى ان البابليين والصينيين استخدموا الحرب النفسية في حروبهم، فقد كان البابليون يعمدون إلى اكساء الجنود دروعاً فخمة وسوق عربات ضخمة مثلما اعتادوا استخدام الابواق الضخمة والحيوانات المفترسة لإرهاب العدو، بينما عمد الصينيون إلى استخدام الطبول كنوع من ادخال الرعب في نفوس العدو، اضافة إلى انهم استخدموا الإعلام كوسيلة للخداع فكان كل جندي يحمل علمين في يده وكتفه وغرسوا اعلاماً لتبدو صورة الجيوش وتعدادها هائلاً مما يرعب جنود الخصم. والدعاية في جوهرها عملية اقناع منظمة، وهي احد أجهزة الحرب وآلياتها فبينما تهاجم الحرب الجسد تختار الدعاية العقل وتنقض عليه مستخدمة علم النفس كاداة في السيطرة عليه، عدها الباحثون نوعاً من غسيل الدماغ، وفي زمن الحرب تهاجم الدعاية والاعمال النفسية جزءاً من الجسد لا تستطيع الأسلحة الأخرى ان تصل اليه في محاولة للتأثير على طريقة اداء الاطراف المشاركة في ميدان القتال. والدعاية للحرب، وفق المصادر المتنوعة، قديمة قدم الحرب ذاتها، والذخائر التي ينتجها العقل وتوجه إلى العقل هي أسلحة ثبتت الاختبارات انها لاتقل أهمية عن أي من الأسلحة التي ابتكرها الانسان حتى الآن بهدف محو وجود اخوته في الانسانية. ونجد الاديب الفرنسي البير كاميه قد نبه إلى خطورة هذه الحرب فقال: «على اتساع خمس قارات خلال السنوات المقبلة سينشب صراع لا نهاية له بين العنف وبين الاقناع الودي.. ومن هنا سيكون السبيل المشرف الوحيد هو رهن كل شيء في مغامرة حاسمة مؤداها ان الكلمات اقوى من الطلقات». وكاميه عاش بين عامي «1913 ـ 1960» وتميز بقلق الجيل المعاصر وخيبته المتولدة من صدمة الحرب العالمية الثانية، ويرى الباحثون ان كاميه كان على حق وان نبوءته صدقت. أما الحرب النفسية فهي حرب باردة، وهي حرب افكار هدفها الحصول على عقول الرجال، هي حرب سياسية، دعائية، حرب كلمات واشاعات تزلزل العقول وتغير السلوك. يستخدم فيها علماء النفس وعلم النفس لاحراز النصر وتعتبر اضمن سلاح تستخدمه الدول في الحروب الحديثة لانها تقوم بدور فعال في قتل ارادة العدو وتحطيم معنوياته. وتلخيصاً لأهداف الحرب النفسية نجد ان من أهم أهدافها بث اليأس من النصر في نفوس القوات المعادية عن طريق المبالغة في وصف القوة ووصف الانتصارات والمبالغة في وصف الهزائم حتى يشعر العدو انه امام قوة لا يمكن ان تقهر، وتقوم الحرب النفسية على تشجيع افراد القوات المعادية على الاستسلام عن طريق توجيه نداءات للعدو بواسطة مكبرات صوتية قبل بدء الحرب أو توزيع منشورات تدعوهم للاستسلام وعدم المقاومة. تتجاوز الحرب النفسية جغرافية المكان وطبيعة البيئة المجتمعية، وتستهدف تسخيف الطرف الآخر المختلف معه في المنطق الفكري أو النهج السياسي، ومع التطور التقني لوسائل الإعلام التي غزت كل بيت ومجتمع تحولت أدوات الحرب النفسية إلى مهمة استلاب العقول، وقد وعى الساسة الكبار بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية «1936 ـ 1945» الدور الخطير الذي يمكن ان تؤديه هذه الوسائل لصالح الكيانات السياسية ونجحوا في تجيير خلاصات العمل الإعلامي وبضمنها الحرب النفسية والدعاية بهدف تمرير المخططات السياسية والتخريبات الاجتماعية عبر شن الحروب النفسية ضد مناوئيهم ولعل أهم مثال كان الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، واحدث مثال اليوم هو «الحرب ضد الإرهاب». حرب أمريكية رغم تفوقه الإعلامي وتنوع أدواته، خاض الإعلام الأمريكي حرب دعاية لم يكن يتوقع ان تكون حاضرة في خضم معركته الأولى في هذا القرن، وهو على تمكنه من الخداع الإعلامي، حاول بماكينته الضخمة ان يهيل على الوقائع تراب التحليلات والاسئلة الاخرى متعاميا عن هذه الوقائع أو متعرضا لها بسطحية وسرعة دون تخصيص الوقت الكافي للمعالجة المطلوبة. والإعلام الأمريكي كما هو معروف مسيطر عليه من قبل امبراطوريات ضخمة أصحابها يهود سيطروا على كل منافذ الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، حتى باتت وسائل الإعلام خارج سيطرة الحكومة الأمريكية الا بقدر انتماء أحد أعضاء الحكومة للمنظمات الصهيونية مثل ايباك. استخدمت الولايات المتحدة الدعاية والحرب النفسية في هذه الحرب مثلما استخدمتها في حرب الخليج عام 1991، ولكن الحرب النفسية اثمرت هذه المرة اكثر من سابقتها، فقد فشلت مثلاً الولايات المتحدة في حربها ضد الرئيس العراقي عندما شبهته بهتلر وفق مسئول أمريكي الأمر الذي عاد عليها بالخسران، لكنها هذه المرة نجحت في ربط حركة طالبان بالإرهاب. استخدمت الولايات المتحدة قوات تنتمي لوحدات الحرب النفسية الخاصة، واشارت مصادر عديدة إلى وجود مجموعات صغيرة من الجنود غير مكلفة بالاستيلاء على الاجساد بل بالاستيلاء على القلوب والعقول، ويقوم هؤلاء المتخصصون في العمليات النفسية باستخدام أساليب قديمة للتأثير على سلوك وعواطف جنود الطرف الاخر والافغان المدنيين. زودت هذه القوة بمحطات اذاعية متحركة ومنشورات ومكبرات للصوت، هدفها زرع الخوف في قلوب طالبان، بينما تشجع اللاجئين الافغان وترفع معنوياتهم وتؤكد لهم ان ابن لادن، وليس الولايات المتحدة هو عدوهم الحقيقي. وللاضطلاع بهذه الرسالة نشرت الكتيبة 193 للعمليات الخاصة بهاريسبورغ، واستخدمت وحدة الحرس الوطني الجوية ستا من طائرات أي سي 130 أي «كوماندو سولو» كمحطات اذاعية متحركة، تستطيع في نفس الوقت مراقبة الارسال الاليكتروني والتشويش عليه، ومع ان ناطقاً رسمياً امتنع عن تحديد اماكنها، الا ان المرجح ان تكون هذه الوحدات تمركزت بقواعد جوية باوزبكستان وطاجيكستان الدولتين الجارتين لافغانستان. وقد اكد المحللون ان جنوداً من مجموعة العمليات النفسية الخاصة في «فورت براغ» ـ كاليفورنيا الشمالية ـ والتي تدير المعدات التلفزيونية والاذاعية لطائرات «كوماندو سولو» قد ارسلوا بالفعل إلى المنطقة واعضاء هذه المجموعة الـ 1200 يعتبرون من بين 5000 من جنود العمليات النفسية في الجيش الأمريكي ويقول المسئولون العسكريون ان الـ 76% الاخريين هم من جنود الاحتياط الذين لم يتم استدعاؤهم. وقد نقل عن الجنرال المتقاعد وليام ناش، عضو مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي قوله: «ان الحملة الاعلامية مهمة جداً، سواء من الناحية الاستراتيجية او فيما يتعلق بأفغانسان تحديداً، فنحن نحتاج ان نتحدث مباشرة إلى الشعب الافغاني». على ان الحرب النفسية الأمريكية هدفت أيضاً إلى تبرير ان الحرب ليست ضد الشعب الافغاني، بل هي حرب ضد ابن لادن، مستغلة الانقسامات الموجودة على الأرض الافغانية. ولم تقتصر الحرب الأمريكية النفسية والإعلامية على ساحة أفغانستان بل تجاوزتها إلى محاربة وسائل الإعلام التي عدتها معادية لحملتها، واختصرت ذلك بقناة الجزيرة الفضائية، فقد شكلت معادلاً معاكساً ومضاداً لها. والجزيرة الفضائية التي تعد الموجه الرئيسي في العالم العربي والإسلامي لـ «حرب الصور» في النزاع الافغاني، اثارت اهتماماً متزايداً من قبل القادة الغربيين الذين ادركوا اهميتها للتحدث إلى الرأي العام العربي. تعرضت الجزيرة لتهديدات بمراقبتها وحظر بثها لتغطيتها الحصرية في بعض الاحيان للحرب في الاراضي التي كانت تسيطر عليها حركة طالبان. لقد ادركت الدول الغربية ان «الجزيرة» يمكن ان تنقل رسائلها لتطويق خطاب الاصولي المتطرف اسامة ابن لادن، فبدأت حملة تطويق لها. ويرى المحللون ان تعاقب ظهور كبار رجال الاستراتيجية العسكرية في الحلف المعادي لحركة طالبان على الظهور على شاشة هذه القناة التي يطلق عليها «سي ان ان» العرب، هو خطة لاحتواء انحياز هذه القناة. وهدف هؤلاء المسئولين بوضوح هو تطويق «حرب الاخبار» التي شنها اسامة بن لادن المشتبه الرئيسي في الاعتداءات التي استهدفت الولايات المتحدة والذي تحدث عدة مرات للرأي العام العربي الإسلامي في تسجيلات فيديو او وثائق بثت «الجزيرة» نصها. لقد انتقدت الولايات المتحدة هذه الرسائل والقناة نفسها واتهمتها بالانحياز للمعسكر المعادي، ومورست ضغوط وتهديدات أمريكية وغيرها على أعلى المستويات على قطر دون جدوى. لقد قلبت الجزيرة معادلة الحرب الإعلامية التي عولت عليها أمريكا في حربها عام 1991 والتي قادتها قناة CNN الاخبارية الامريكية، فنقلت الوقائع المنتقاة التي تدعم الحملة الاعلامية، اما في هذه الحرب فكانت الجزيرة بحكم انفرادها في الساحة الافغانية الناقل الاوحد والتي نقلت الحقيقة كما هي دون تزويق او تشويه الأمر الذي انعكس سلباً على الأهداف الأمريكية من هذه الحرب وعلى مصداقية امريكا وحلفها الذي خلف وراءه ضحايا من النساء والأطفال، رغم ان القوات الأمريكية تغلبت بقوتها على مقاتلي طالبان. عملية الكشف الذي قامت به هذه القناة أنهت حقبة طويلة من استحواذ وكالات الانباء الغربية على مصادر اعلامنا وذلك أمر جعل الرأي العام العالمي يشكك في أهداف الحرب وادلتها التي باتت موضع شك اكثر من كونها موضع صدق. إعلام حر! كرد فعل على ما اسمته أمريكا بـ «الإعلام المعادي» عمدت الحكومة الأمريكية الى اجراءات كشفت لنا حقيقة الاعلام الحر الذي طالما نادت به الولايات المتحدة. فقد افتتحت بريطانيا وامريكا مراكز اعلامية للتحالف كانت ترد على ما تنقله الجزيرة من قصف للمساجد والمستشفيات ومراكز الصليب الاحمر مشعلة حرب الإعلام بعد حرب الإرهاب. ومعروف ان قرابة 35 مليون مشاهد عربي في العالم يشاهدون قناة الجزيرة الفضائية عدا عن المشاهدين العرب والمسلمين في الغرب الأوروبي، وهذا ما شكل مصدر خطر لامريكا وحلفائها، فاوقفت شركات امريكية كبرى اعلاناتها فيها ضمن حملة الضغط على المحطة، وهددت بريطانيا وفرنسا باغلاق مكاتبها فيهما ومحاسبة المسئولين عنها. وفي خطوات لاحتواء النار التي اشعلتها «حرب الصور» في هشيم الحرب الافغانية عملت الإدارة الأمريكية والبنتاجون والسي آي أي على السيطرة على الوسائل الاعلامية والاخبار لحرمان الامريكيين والغربيين من أي مصدر مستقل للمعلومات، فقد تعلمت الإدارة الأ مريكية درسا قاسياً من حرب فيتنام. ويمكن النظر إلى جدول حركة الحكومة الأمريكية في تطويق الاخبار المستقلة. ففي 7 أكتوبر بدأت حرب افغانستان وكان من الصعب ايجاد وسيلة اعلام مستقلة او حرة في أمريكا. في اليوم نفسه تذكر مصادر من مركز «آي أي» وهو منظمة مستقلة للمعلومات ان الوكالة الوطنية للتصوير والتخطيط وقعت عقداً بحقوق كاملة شملت كل ما يبث من صور عبر الاقمار الصناعية عن افغانستان وان دول اخرى قد تشملها الحرب في المنطقة مع الإدارة الأمريكية، ورغم ان هذه الوكالة تابعة للحكومة الأمريكية، الا انها وكالة سرية لإدارة الاستخبارات العسكرية وكانت بصدد التفاوض لتجديد عقدها الذي كان سينتهي في الخامس من نوفمبر الحالي. وقعت هذه الوكالة كمقدمة لانجاز هذا العمل 1.91 مليون دولار تغطية للثلاثين يوم الأولى من الحملة، ودارت مفاوضات مع الحكومة الأمريكية لاحتكار حقوق الارسال عبر الفضائيات الدولية. وفي العاشر من أكتوبر الماضي التقت كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي بالمسئولين في شبكات التلفزيون وطلبت منهم عدم عرض شرائط الفيديو التي تظهر اسامة بن لادن على الهواء قبل اعادة منتجتها وتحريرها، وقد وافقوا على هذا الطلب. وتوقفت شبكتا Fox newsh MS NBC عن بث أي شيء عن اسامة بن لادن، بينما عرضت خخ مقتطفات منتقاة من خطابه، وفي 11 أكتوبر طلبت إدارة الرئيس بوش من الصحف الا تنشر تصريحات لاسامة بن لادن ووافقوا على ذلك. في السابع عشر من أكتوبر عقد اجتماع مغلق بين رؤساء شبكات التلفزة ورؤساء استوديوهات هوليوود وأعضاء في حكومة بوش منهم النائب المساعد للرئيس كريس هينيك وممثل إدارة بوش ادم جولدمان، وتمت مناقشة مبادرة قدمها المسئولون في هوليوود تهدف لدعم الحرب ضد الإرهاب وتستند لتكثيف الجهود لجعل المواطن الأمريكي في أي مكان بالعالم سيتسلم الرسالة التي يريدونها وكسب دعمه لهذه الحرب بتفعيل كل الوسائل الممكنة مثل الفضائيات والكيبلات وغير ذلك. يقول الناقد السينمائي بمجلة تايم الأمريكية ريتشارد شيكل: «لقد تحولت هوليوود إلى العرب ليلعبوا دور الشرير في الافلام كبديل للشرير السوفييتي السابق، والبسوا ثوب الإرهاب، وليس للعرب منظمات كعصبة مناهضة للتشهير لكي تثور وتحتج عندما تقدم هذه الصور النمطية». في 30 أكتوبر ارسل رئيس مؤسسة CNN ومديرها مذكرة للعاملين فيها تتعلق بتغطيتهم للحرب، في المذكرة الأولى كتب مدير CNN والتر ايزاك سون يقول: «يبدو انكم تركزون على النتائج القاسية في افغانستان»، مضيفاً: «ربما من الصعب على المراسلين في هذه المنطقة الصعبة جعل الأمور واضحة». رئيس فريق العمل ريك ديفيس الذي تسلم المذكرة قدم مقترحا فعلياً سرعان ما تم تبنيه والعمل به واستند إلى امور ثلاث: ـ أولاً: يجب ان نحفظ في اذهاننا بعد مشاهدة التقارير المرسلة من المناطق المسيطر عليها من قبل طالبان، ان الفعل العسكري للولايات المتحدة هو رد على الإرهاب الذي هاجم مدننا في 11 سبتمبر وقتل خمسة الاف بريء. ـ ثانياً: يجب ان نحفظ في الذهن بعد رؤية تقارير مثل هذه ان نظام طالبان في افغانستان مستمر في استخدام الإرهاب والتهديد به وهو الذي فجر احداث 11 سبتمبر التي قتلت 5 آلاف بريء. في 31 أكتوبر قال الرئيس السوري بشار الأسد في مؤتمر صحفي مشترك مع توني بلير رئيس الوزراء البريطاني: لا نستطيع قبول ما نراه على شاشات التلفزيون كل يوم، المئات من المدنيين يقتلون.. في الأول من نوفمبر افتتح التحالف المكون من بريطانيا وامريكا مركز التحالف للمعلومات في واشنطن دي سي، لندن، واسلام اباد في باكستان، تعمل هذه المراكز على مدار الساعة يومياً مزودة الوكالات بأخبار موجهة في محاولة للسيطرة على الاخبار والصور بما يشكل حملة مضادة لحملة الجزيرة وما تنقله الوكالات والفضائيات العربية والإسلامية من وقائع مخالفة. من يستطيع بعد ذلك القول ان الإعلام الغربي إعلام حر وغير موجه وانه مثال للحرية والديمقراطية؟ كانت هذه معالجات الإدارة الأمريكية للإعلام خارجها فكيف عالجت الولايات المتحدة إعلام الأزمة داخلياً؟ لهيب عبدالخالق