غادر فرانك جاردنر مراسل «بي بي سي» منطقة الشرق الأوسط مثقلاً بالحنين الى دفء عاشه في القاهرة والحزن لمشاهدة المعاناة الفلسطينية وابتهاج بالخلاص من البيروقراطية.. لكنه يحمل أيضاً في ذاكرته مصادفات طريفة أبرزها حين وجد نفسه بين زعيمين عربيين خلال قمة الدوحة الاسلامية نظراً لخطأ بروتوكولي سببه ارتداءه بزة رسمية. وقال جاردنر بمناسبة مغادرته المنطقة: عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر عام ألفين كنت نزيلا في فندق بالقدس أحاول النوم قبل أن أبدأ عملي في دورية الفجر. لكن صوت ما ظننته نيران الأسلحة الثقيلة أيقظني، ثم تبين فيما بعد أنه هياج شبان إسرائيليين يسيرون في الشارع. لقد ضحكت من خطئي، لكنني لا أستطيع نسيان ذكريات حزينة أخرى تعتصر القلب منها قصة الصبي الفلسطيني في غزة الذي يبلغ من العمر عشر سنوات والذي روعه العنف اليومي الذي يراه لدرجة أنه أصبح يتبول في فراشه. فكل ما كان بوسع هذا الصبي فعله هو استعادة مشاهد الدبابات والصواريخ ومشهد منزل عائلته وهو يحترق بفعل القصف. لن أنسى أيضا الفتاة المغربية ذات الستة عشر عاما والتي اغتصبت من قبل الرجل الذي تعمل لديه فما كان من عائلتها إلا ان طردتها من المنزل إلى الشارع حتى انتقلت إلى ملجأ وأصبح عليها أن تواجه مجتمعا متعصبا سوف يعاملها بعد ذلك كعاهرة. وسأتذكر كذلك القصة التي روتها لي شقيقة أحد الأسرى الكويتيين، عن كيف اقتاد العراقيون شقيقها وأخذوه معهم في الأيام الأخيرة للاحتلال العراقي للكويت. لقد نظرت إلى متهمة وهي عاجزة عن حبس دموعها وتقول «لن تعرف بماذا أشعر، بعد عشر سنوات من اختفاء شقيقي لا نزال نخصص له مكانا على المائدة، وكل يوم ننتظر عودته». لكن ذلك لا يعني أن كل شيء في الشرق الأوسط محزن ومفجع، فأنا ما أزال أتذكر قصصا تبعث على الضحك ومنها تلك القصة التي دفعتني للبحث عن خاطف رهائن لأجري مقابلة معه في براري اليمن. فقبل أن أبدأ رحلتي كان يتعين علي العثور على حارسين مسلحين تسليحا جيدا وقبل كل ذلك يتصفان بالأمانة. وكانت المفاجأة عندما وجدنا الخاطف الذي نبحث عنه، فقد استقبلنا بترحيب بالغ. وأخبرني وهو يقدم لنا الشاي والبرتقال أنه سيطلق سراح رهائنه الغربيين بمجرد أن تستجيب الحكومة لمطلبه. ولم يكن هذا المطلب سوى تعبيد طريق إلى منطقته وهو وعد قطعته له الحكومة في السابق لكنها نكست به فما كان من الخاطف سوى أن يلجأ لخطف الرهائن مجددا. وفي قطر واجهت حادثة طريفة أخرى، فقد انعقد هناك مؤتمر القمة الإسلامي في ذروة الانتفاضة الفلسطينية. وبعد أن اختتمت القمة أعمالها وأصدرت بياناتها كان يتعين على الزعماء العودة لالتقاط الصور، كنت أرتدي زيا رسميا في تلك اللقطة على عكس ما يفعل الصحفيون عادة، وهو ما قاد إلى موقف أمني مضحك. فقد وجدت نفسي أقف فجأة بين الرئيس الإيراني محمد خاتمي والعاهل الأردني الملك عبد الله، كان من الممكن في تلك اللحظة أن أبدأ حوارا مع الملك عبد الله متظاهرا بأنني زعيم جمهورية إسلامية مستقلة حديثا في وسط آسيا لكنني قاومت إغراء الفكرة. اعترف أنني وجدت أن إجراء مقابلات صحفية مع الزعماء العرب خلال عملي، أمرا شيقا. فأنت تراهم كثيرا على شاشات التلفزيون، لكن عندما تقابلهم وجها لوجه تكتشف أن لديهم بعض المزايا الإنسانية. أتذكر الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بشفته السفلى المرتعشة وهو يرجوني أن أنقل إلى العالم رسائل عما يحدث في الأراضي الفلسطينية. ا.ب