المسافة بين مشهد السفينة التي غادر عليها عرفات بيروت في العام 1983. ومشهد سفينة السلاح تعكس الكراهية المريرة التي ينضح بها شارون ازاء عرفات على الصعيد الشخصي مثلما يعكس المشهدان العقلية العسكرية البربرية التي يدير بها الجنرال الإسرائيلي أزمة الصراع المزمن. على الصعيد الشخصي أكد شارون في العديد من المواقف والتصريحات انه لا يحتمل عرفات لعل هذا السلوك يبدو واضحاً في عملية الاجتياح الهمجية التي استهدفت كل ما هو فلسطيني في بيروت ثم هو اكثر جلاء في اجتياح مناطق السلطة التي شنها شارون وبلغت ذروتها ـ في نهجه ـ في فرض الاقامة الجبرية على الرئيس الفلسطيني في رام الله. بما ان عقلية شارون خاوية من التوجهات السياسية لإدارة الصراع فقد وجد نفسه في مأزق حقيقي بعد نحو سنة من خوض حرب فعلية ضد الفلسطينيين. سفينة السلاح جاءت لتنقذ شارون من مأزقه أو هكذا رأى الجنرال الإسرائيلي في عملية القرصنة الفجة التي مارسها ضد مركب اعزل في عرض البحر. ثمة أهداف متعددة حاول شارون تقويمها على مركب السلاح لعل اولها تفجير مهمة الموفد الأمريكي الجنرال زيني عبر تصوير سلطة عرفات مورداً أساسياً للسلاح بغية اشعال الحرب. كذلك استهدف شارون تشويه صورة عرفات والسلطة الفلسطينية باعتبارهما مصدر ارهاب ومن ثم استدراجهما إلى مظلة الحملة الامريكية فيحصل على دعم اكبر للتوغل في الدم والمنازل الفلسطينية لما كانت حرب شارون لم تقنع الرأي العام الإسرائيلي بجدوى استمرارها اذ لم تجلب الامن أو السلام ولم تنه مصدر الرعب الفلسطيني فقد بدأت شعبية الجنرال تتدهور داخل المجتمع الإسرائيلي. شارون رأى في عملية القرصنة فرصة نادرة لرفع الروح المعنوية لدى الإسرائيليين بتصوير الاستيلاء على المركب بمثابة عملية بطولة للاستخبارات الإسرائيلية. تضخيم السفينة محاولة ساذجة لعملقة القرصنة البحرية باعتبارها انتصاراً استثنائياً. شارون يدرك أكثر من غيره ان تزويد الفلسطينيين بالسلاح ليس وقفاً على سلطة عرفات. قبل نحو عشرة شهور كان أحمد جبريل تبنى صفقة سلاح تم ضبطها على مركب مماثل. كل الفصائل الفلسطينية تحصل على السلاح من مصادر متباينة بوسائل متعددة. السياسيون المتمرسون ـ من غير شارون وقبيله يدركون ان القضية الفلسطينية ساحة اقليمية تتقاطع عليها مصالح اطراف عربية وغير عربية وان بين هذه الاطراف من يرفض اوسلو وتداعياته. هناك اطراف اخرى تحرض الفلسطينيين ـ بما فيهم عرفات ـ على قطع مسار «التسوية السلمية» الذي خضبه شارون بالدماء. ثمة اطراف اكثر اعتدالاً ترض عرفات خاصة على وقف ما تسميه بتقديم التنازلات كل هذه الاطراف يهمها تزويد الفلسطينيين بالسلاح كما يهمها تفجير الأزمة المحتقنة. شارون وحده لا يرى بدوافعه الشخصية ابعد من انفه واكثر من انف عرفات. عمر العمر