في خطابه أمام الكونجرس، بعد اسبوع تقريبا من وقوع الهجمات الارهابية على مدينتي واشنطن ونيويورك، تساءل الرئيس الأمريكي جورج بوش: «لماذا يكرهوننا». وكان الرئيس الأمريكي يحاول ان يحيل أسباب الكراهية لبلاده الى العوامل الاقتصادية، لاعتقاده أن الارهاب هو وليد الفاقة والحرمان، لكن أسامة بن لادن المتهم الرئيسي بالوقوف وراء تلك الهجمات ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، كما أن أغلب منفذيها من عائلات اذا لم تكن غنية بالفعل فهي ميسورة الحال. وقد كشف استطلاع للرأي أجرته مجلة «نيوزويك» الامريكية اثر الهجمات ان الغالبية من الأمريكيين يعتقدون أن أحد اسباب الهجمات التي استهدفت رموز قوة الولايات المتحدة كانت نتيجة الصلة الوثيقة للادارات الامريكية المتعاقبة باسرائيل، وهم بذلك يشيرون الى حقيقة لم يعد بالامكان التغاضي عنها وهي انحياز واشنطن السافر لتل أبيب، بل ان هناك من الامريكيين من أعلن صراحة أن اسرائيل باتت تشكل عبئا على الولايات المتحدة، وهي التي جلبت لهم كراهية الملايين من العرب والمسلمين، والكثير من شعوب العالم، ويمكن القول أن الهجمات الارهابية التي افاق عليها الأمريكيون صباح يوم 11 سبتمبر، على رفضنا الشديد لها، أدخلت ولأول مرة القضية الفلسطينية في جدول أعمال الرأي العام الأمريكي، كما لم يحدث لقضية اخرى منذ سنوات الحرب الباردة. وعلى رغم الصدمة والقتل العشوائي الذين طالا آلاف الأبرياء، أخذ قطاع واسع من الامريكيين بالاقتناع ان الكراهية نحو بلادهم جرتها سياساتها الخارجية. ومن الاصوات الاولى التي ارتفعت بالدعوة الى اعادة النظر بهذه السياسات الجنرال الامريكي المتقاعد تشارلز هورنير الذي رفض ما كانت تردده الصحافة الامريكية من أن المهاجمين الانتحاريين يكنون الكراهية لأمريكا لكراهيتهم نمط الحياة فيها أو الحريات، كما رفض ان يكون دافع هؤلاء الحسد او الغيرة من ثروة امريكا او الاستياء من نجاحها الاقتصادي، وهو الامر الذي جادل فيه الرئيس الامريكي ايضا في خطاب الكونجرس. وفي ذروة الجدل حول أسباب الكراهية قال هورنير الذي كان قائد القوة الجوية الامريكية ابان حرب الخليج: «لسوء الحظ، لدينا تاريخ فظيع من محاولات قادتنا السياسيين لفرض ارادتهم، من خلال القوة والعنف في أغلب الاحيان، وفي كافة انحاء الكرة الارضية، وهذا ما يجب ان يتغير، اذا اردنا ان نحول دون وقوع عمليات ارهابية اخرى ضدنا». ومن واقع تجربته في نيكاراجوا، كشف هورنير ان الولايات المتحدة كانت تمول حربا قذرة من نوعية الارهاب الذي تحاربه الآن، وقد استهدفت في الغالب المدنيين، وكل ذلك من أجل اسقاط الحكومة المنتخبة في تلك البلاد. وهو يستذكر كيف كان النيكاراجويون الفقراء يتساقطون تحت وطأة تلك الحرب، لينتهي الى القول: «اذا كان من بقي على قيد الحياة يحقد على أمريكا فبسببها هي، رغم انني لم اصادف منهم «النيكاراجويون» اي استياء ضد الامريكيين قبل ان تقوم الولايات المتحدة بتحطيم بلادهم». وتؤكد تصريحات هورنير ان كراهية امريكا ابعد من ان تكون ظاهرة تم اختراعها من قبل ابن لادن او طالبان، فهناك ملايين من سيئي الحظ فقدوا حياتهم لان حكوماتهم اختارت طريقا سياسيا او اقتصاديا ليس مصادقا عليه من قبل واشنطن. وعدا شعوب منطقة الشرق الاوسط التي تجيش صدورها بالكراهية لامريكا بسبب دعم حكومتها للاحتلال الاسرائيلي غير الشرعي للاراضي الفلسطينية، تعاني شعوب اخرى، في مناطق اخرى عديدة، من وقوف واشنطن خلف انظمة حكم ديكتاتورية فاسدة، او لتعرضها للحصار الجائر. كما هو الحال بالنسبة لكوبا والعراق. لقد قتلت القوات الامريكية ثلاثة ملايين في الهند الصينية ونحو مليون في اعقاب المذابح التي شهدتها اندونيسيا عام 1965، وقبل ذلك وفي عام 1953 ازاحت المخابرات الامريكية حكومة مصدق الوطنية، وكان لهذا الجهاز يده الطولى في تغيير الانظمة في امريكا اللاتينية بما يشبه اوراق اللعب، وابرز مثال على ذلك الاطاحة بنظام سلفادور اللندي في تشيلي عام 1973 وتنصيب الدكتاتور بينوشيه الذي بات طريد العدالة الدولية هذه الايام. وحين قامت الولايات المتحدة في حرب الخليج بتحطيم تجهيزات العراق للماء الصالح للشرب ووسائل معالجة مياه المجاري، كانت مدركة للنتائج الصحية والبيئية، كما كانت مدركة ايضا ان العقوبات الاقتصادية ستمنع الحكومة العراقية من القيام بالاصلاحات الضرورية، والمحصلة، وفيات اعداد كبيرة من العراقيين بما يفوق ضحايا الحرب نفسها تحت القصف الصاروخي، فضلا عن الذين مازالوا يعانون جراء تعرضهم لليورانيوم المخصب. وتبدو صورة الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة واعلان جورج بوش الاب عن النظام العالمي الجديد قبل عقد تقريبا والذي كرسها قوة كبرى وحيدة، مثل عملاق منفلت يريد ان يركب العالم ولا يجد امامه منافسا او نظام حكم عالميا يستطيع وقفه، فاعاد ترتيب الوضع المالي والاقتصادي والتجاري العالمي وفق مصالحه الخاصة، ومزق المعاهدات الدولية التي يجدها غير مناسبة، ويرسل قواته الى كل زاوية من الكرة الارضية، وبدون اي ازعاج من الامم المتحدة، رمى اطنان القنابل على العراق وافغانستان ويوغسلافيا والسودان، كما رمى بكل وزنه السياسي والعسكري وبشكل متهور وراء الاحتلال الاسرائيلي الجاثم على قلب الوطن العربي وعدوانه المستمر دون هوادة ضد الشعب الفلسطيني الاعزل. والمفارقة، ان من يتصدى لهذا العملاق المنفلت هم الامريكيون، وقد عبر الشارع الامريكي خلال قمة سياتل نهاية عام 1999 عن رفض قاطع للعولمة الامريكية، وكانت التظاهرات التي استمرت على مدى ايام بمثابة الجرس الذي نبه قوى كثيرة في الغرب لتتخذ الموقف نفسه لوقف زحف الاستغلال الجديد الذي يتخذ صفة مؤسساتية عبر منظمة التجارة العالمية. وحين وقعت احداث 11 سبتمبر لم تكن تلك القوى بعيدة عن هذا الموقف، وربما جسدت الناشطة الامريكية ماري بريد رأيها بالقول: ايا يكن الشكل الذي يمكن تفسير الاحداث به، فان الولايات المتحدة هي التي جلبته لنفسها. لذلك، ليس مفاجئا ان تكون ردة الفعل على الحرب ضد افغانستان قد صدرت اولا من داخل امريكا وليس من اي مكان آخر. وهو ما يعيد الى الاذهان تلك التظاهرات الصاخبة والاحتجاجات ومسيرات الرفض التي عمت امريكا في الستينيات خلال حرب فيتنام والتي اورثت امريكا عقدة لم تشف منها حتى الآن. بقلم: رضا الأعرجي