اعتباراً من مطلع العام الميلادي الجديد 2002 بدأ تداول «اليورو» العملة الاوروبية الموحدة، في 12 دولة اوروبية من اصل 15 يتشكل منها الاتحاد الاوروبي، بعدما ارتضت هذه الدول التخلي عن عملاتها الوطنية بهدف تعزيز شراكتها الاقتصادية. وتعد هذه الخطوة احد اهم المتغيرات في نظام النقد والمدفوعات الدولي بعد نظام «برايتون وودز» القائم على الدولار، واحد اهم المتغيرات الاقتصادية في اوروبا منذ انشاء السوق الاوروبية المشتركة عام 1957، مروراً بتوحيد السوق عام 1993، كذلك سيكون لهذه الخطوة آثار سياسية عميقة بالنسبة لتأكيد الهوية الاوروبية والتلاحم المصيري بين دول الاتحاد الاوروبي. وكانت الاستعدادات المتعلقة بتنفيذ هذه الخطوة بدأت بعد اقرارها في قمة امستردام الاوروبية منتصف شهر يونيو عام 1997، برغم معارضة بريطانيا التي فضلت ان تبقى خارج النظام النقدي الاوروبي تحت تأثير حذرها المعتاد. وقد شاركها في هذا الموقف كل من الدانمارك والسويد، وخلال الفترة الفاصلة بين تاريخ اتخاذ القرار ومباشرة العمل به في الاول من عام 1999، كان على الدول الموافقة ان تستوفي مجموعة من الشروط التي تؤهلها للاندماج في هذه العملية، والدول المعنية هي: المانيا، النمسا، فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، فنلندا، ايرلندا، لوكسمبورج، البرتغال، ايطاليا، اليونان والاخيرة احتاجت وقتاً اضافياً حتى امكن تأهيلها لركوب قطار الوحدة النقدية. التنفيذ على مرحلتين على ان عملية التنفيذ الاساسية لم تكن شاملة، بل قسمت الى مرحلتين: في المرحلة الاولى ـ الانتقالية ـ انحصر استخدام اليورو ضمن المعاملات المالية، اي على مستوى المصارف والمؤسسات المالية ذات النشاط الدولي، والمؤسسات الحكومية ـ وفيما يتعلق بالتحويلات الداخلية والخارجية، وعمليات الاستيراد والتصدير، كما بدأ احتساب المدخرات الشخصية في المصارف باليورو، الى جانب العملات الوطنية في الدول المعنية، اما في المرحلة الثانية، والاكثر تعقيداً وتشعباً، التي بدأت في الاول من يناير الجاري، فقد طرح اليورو للتداول المباشر من قبل العموم، حيث تشمل «منطقة اليورو» مجموعة بشرية يناهز تعدادها 300 مليون نسمة، ويصل اجمالي ناتجها القومي الى اكثر من 6350 بليون دولار في السنة. ومن اجل مواجهة تعقيدات هذه المرحلة الحاسمة، نفذت المفوضية الاوروبية «الجهاز التنفيذي للاتحاد» كذلك دول الاتحاد منفردة، برامج توعية واسعة لتوضيح كيفية التعامل باليورو واحتسابه بازاء العملات الوطنية في مختلف دول الاتحاد تجنباً لوضع ارتباكات على مستوى الجمهور، وساهمت المدارس الاوروبية في هذه الحملة بمجموعة برامج تعريفية تحت شعار «في الطريق من اجل اوروبا». وعلى الرغم من ان رؤية اليورو لم تتم إلا من خلال الصور والنشاطات الدعائية، فقد بدأ متغلغلاً في الحياة العامة الاوروبية، انه «موجود مثل البرلمان الاوروبي» وفقاً لوصف احد المعلقين. على ان التفاؤل الاوروبي، المدعم باجراءات رسمية واسعة، لم يحل دون بقاء سعر صرف اليورو، على مدى الاعوام الثلاثة الماضية، متأرجحا بين الهبوط والارتفاع بعدما خسر 25 في المئة من قيمته مقابل الدولار، اذ تم تحديد سعره الاساسي بما يفوق سعر الدولار «1.15» لكنه هبط فيما بعد الى نحو 90%، برغم الجهود التي بذلتها الدول الاوروبية للمحافظة على سعر صرف ثابت له، ومع ان هذا الانخفاض انعكس اثره ايجاباً على تطور الصادرات الاوروبية، إلا ان اثره النفسي كان سلبياً بسبب اهتزاز الثقة به، في وقت كان الاوروبيون مازالوا ينظرون الى هذه التجربة باعتبارها مسألة رمزية، او كأنها نوع من المغامرة. فالحجم الاجمالي للاموال الخارجة من منطقة اليورو الى منطقة الدولار يقدر بنحو 220 بليون دولار في السنة، وهو ما يعكس خطورة هذه التجربة ومدى تأثيرها، ليس على الاقتصاديات الاوروبية فحسب، وانما على الاقتصاد العالمي كله. ومن خلال استعراض المرحلة التمهيدية لمسيرة العملة الاوروبية الموحدة يرى بعض الاقتصاديين ان اليورو لم يحقق ـ حتى الآن على الاقل ـ الاستغلال الاقتصادي الذي تصبو اليه اوروبا. ويقول هؤلاء ان الازدهار المتواضع الذي تشهده اوروبا انما يعود الى الحقبة الامريكية والى سعر الدولار الملائم. كما ان الامور الجدية تمت عبر حلف شمال الاطلسي والمنظمة الدولية للتجارة، وأوروبا لا تملك المبادرة في الاطارين. اما الخلاصة التي ينتهي اليها اصحاب وجهة النظر هذه فهي ان حصول اوروبا على مزايا القوة والنفوذ الخارجي مازال بعيداً، خصوصاً بعد التطورات التي افرزتها احداث 11 سبتمبر الماضي وما بعدها، اذ ان الاقتصاد لن يكون بعيداً عن السياسة في المحطة النهائية. ايجابيات عديدة مقابل ذلك، يعتقد محللون اقتصاديون آخرون ان اعتماد اليورو كان له عدد من الايجابيات المهمة، لاسيما بالنسبة للدول الاوروبية، ومن هذه الايجابيات: ـ ان توحيد العملة الاوروبية خلق امكانية لمقارنة الاسعار وتشجيع المنافسة وقلل من الهدر الناجم عن تفاوت الاسعار بين دول الاتحاد الاوروبي. وبعدما بدأ استخدام اليورو من قبل العموم وسيكون في استطاعة اي مواطن، واي سائح، ان يستخدم عملة واحدة في مختلف الدول الاوروبية دون ان يضطر الى تبديل العملة بين بلد وآخر، وهذا يتيح توفير مبالغ كبيرة. وينطبق ذلك على المبادلات التجارية ويؤدي لاحقاً الى انخفاض اسعار السلع والمنتجات. بما ان اوروبا تعتبر اكبر سوق استهلاكية في العالم، سيكون من مصلحة المتعاملين معها استخدام اليورو بدلاً من الدولار. وهناك من يتوقع ان يلجأ بعض المستثمرين الكبار، وخاصة في آسيا، الى تحويل قسم من موجوداتهم الى العملة الاوروبية لتسهيل معاملاتهم التجارية وتحقيق مزيد من الاستقرار فيها. ـ ان اوروبا مجموعة دائنة اجمالاً، وهذا سيؤدي على المدى البعيد الى ارتفاع قيمة اليورو. ـ ان الشراكة الاوروبية ـ المتوسطية ستحمل الدول المتوسطية المعنية على زيادة تعاملها باليورو، وتشير الارقام المسجلة في هذا المجال الى ان ثلاثة ارباع التجارة التونسية، ونحو 60 في المئة من التجارة المغربية تجري مع الاتحاد الاوروبي، وقد تم تسديد قيمة هذه التجارة بعملات وطنية اوروبية مختلفة. وابتداء من العام 1999 اصبح مجمل تجارة الدولتين مع اوروبا يتسم باليورو. وذكرت مصادر مغربية ان المغرب بدأ مستعداً للانتقال الى مرحلة تداول العملة الاوروبية الموحدة، كما ان المؤسسات المعنية وقطاع المصارف المغربي اتخذت الاجراءات المطلوبة، اضافة الى استعداد عدد من المقاولات المغربية للتعامل مع اليورو. وأوضحت هذه المصادر في اشارة الى مدى ارتباط المغرب بالكتلة الاوروبية ـ ان المغرب يعتبر أول بلد من خارج منطقة اليورو الذي استطاع التزود، مقدماً، بكمية من اليورو، حيث اشترى «بنك المغرب» مطلع شهر ديسمبر الماضي ما قيمته 40 مليون يورو لتوفير احتياجات المصارف من العملة الاوروبية الموحدة. وتقول مصادر المفوضية الاوروبية ان 43 في المئة من التجارة المصرية و50 في المئة من التجارة اللبنانية، و52 في المئة من التجارة السورية، تجري مع الاتحاد الاوروبي، وان تكن تعاملاتها ظلت تتم على قاعدة الدولار، لاسباب اقتصادية داخلية، لكن الوضع سيتغير في المستقبل عندما تتحقق الشراكة التجارية الكاملة بين الاتحاد الاوروبي والدول المتوسطية. ـ ان استخدام عملة واحدة يؤدي الى تخفيض تكاليف التداول التي تتحملها البنوك والمؤسسات المالية الاوروبية من جراء التمويل بين عملات تلك الدول والتي تقدرها بعض المصادر بنحو 15 ـ 20 بليون دولار، اذ ان اليورو لن يكون سلة من العملات، كما كان الحال من قبل، بل عملة واحدة قائمة بذاتها تحل بالكامل محل عملات الدول الاعضاء. ـ من شأن اعتماد عملة واحدة تحقيق تقارب واستقرار كبير في معدلات الفائدة حيث سيجري ازالة علاوة على مخاطر التعامل بالعملات المتعددة من اسعار الفائدة، مما يمكن من تخفيض معدلاتها ويشجع على الاستثمار حيث ستكون عملية الاصدار النقدي وتحديد اسعار الفائدة على مستوى الاتحاد من صلاحيات البنك المركزي الاوروبي. المفوضية البريطانية ولكن من الموضوعات التي قد تؤثر على نجاح الاتحاد النقدي وعملة اليورو، العلاقة مع دول الاتحاد الاوروبي التي اثرت عدم الانضمام الى اليورو، او دول اوروبا الشرقية التي تتفاوض للانضمام الى الاتحاد الاوروبي والفترة الزمنية التي ستبقى فيها هذه الدول خارج الاتحاد النقدي، ومن اهم الدول التي آثرت عدم الانضمام ـ حتى الآن ـ بريطانيا، حيث يعتبر الجنيه الاسترليني ثاني اهم عملة اوروبية بعد المارك الالماني من حيث الموجودات الرسمية للبنوك المركزية وتقويم التجارة الدولية واصدار السندات العالمية وقروض البنوك التجارية الخارجية والتداول اليومي في سوق العملات الاجنبية، اضافة الى اهمية سوق لندن المالي وعمقه. ومع ان بريطانيا تخلفت حتى الآن عن الانضمام الى النظام النقدي الاوروبي، لاسباب اقتصادية ولاعتبارات تتعلق بخصوصيتها الثقافية والجغرافية، حيث تبدو متوزعة بين هويتها الاطلسية وهويتها الاوروبية، إلا ان الحكومة البريطانية تنظر بايجابية الى احتمالات الاندماج الكامل بالوحدة الاوروبية، ولكن لاحقا. ويرى محللون اقتصاديون ان الحكومة البريطانية ستراقب باهتمام بالغ سير تجربة العملة الاوروبية الموحدة بعد انطلاقتها الكاملة مطلع العام الجاري لتقرر بعد ذلك خطواتها المقبلة، لكن المؤسسات النقدية البريطانية ستبدي خلال ذلك تجاوباً كاملاً في كل ما يتصل بدورها وحركتها العامة، وذلك من اجل المساعدة في انجاح هذه العملية التي يتوقف عليها، والى حد بعيد، مستقبل اوروبا الاقتصادي والسياسي. اتساع منطقة اليورو الى ذلك فإن «منطقة اليورو» ستزداد اتساعاً بعد انضمام عشر دول، من اوروبا الشرقية الى الاتحاد الاوروبي بعد العام 2004، حيث تتواصل المفاوضات معها من اجل ضمان تأهلها للاندماج في الوحدة الاوروبية. وتشمل لائحة الدول المرشحة للانضمام كلا من: استونيا، سلوفينيا، لاتفيا، ليتوانيا، بولندا، المجر، جمهورية السلوفاك، جمهورية التشيك، مالطا، قبرص. وبذلك يرتفع عدد دول الاتحاد الاوروبي الى 25 دولة. وقد اتفق زعماء الاتحاد في آخر قمة لهم في مدينة «لاكن» البلجيكية، على انه اذا استمر معدل التقدم الحالي في المفاوضات مع الدول المذكورة، فإنها ستكون جاهزة للانضمام الكامل في الموعد المحدد. وخلال ذلك يتواصل الحوار ايضا مع ثلاث دول اخرى مرشحة للانضمام الى الاتحاد في موعد لاحق (لن يكون قبل العام 2007) هي: بلغاريا، رومانيا وتركيا. وبالنسبة لتركيا تحديدا فقد اعلنت المفوضية الاوروبية ان المفاوضات معها لن تبدأ رسميا الا بعد ان تظهر تقدما كبيرا في الوفاء بمعايير الاتحاد الاوروبي فيما يتعلق بموضوعي الديمقراطية وحقوق الانسان، بالاضافة الى حل خلافاتها مع اليونان وقبرص. وتتطلب عملية الانضمام الى الاتحاد الاوروبي خطوات اصلاحية واسعة في الدول المرشحة، خاصة على الصعيد الاقتصادي، وجعل التشريعات الداخلية منسجمة مع تلك المطبقة في دول الاتحاد الخمس عشرة. ومع ان دول الاتحاد الرئيسية، لا سيما فرنسا وألمانيا، تبدو متحمسة لتوسيع الاتحاد، الا انها لا تريد ان تتسبب اية خطوات متسرعة في ارتكاب اخطاء واضافة مشكلات جديدة الى الاتحاد الاوروبي قد تنعكس سلبا على تقدمه وتطوره وفعاليته. الاقتصاد والسياسة ثمة من يقول ان «الدول تقوم بدساتيرها قبل عملاتها»، والاتحاد الاوروبي لم يوفر لنفسه دستورا واحدا بعد. ولكن فضلا عن ان الدستور يتجاوز في شموليته وأهميته مسألة توحيد العملة، فإن ما ينبغي التأكيد عليه في هذا المجال هو ان الاتحاد الاوروبي كان في الاساس مشروعا اقتصاديا، قبل ان يتحول بعد ذلك الى مشروع اقتصادي وسياسي. ومن غير المنطقي ولا العملي، تحقيق اندماج اقتصادي، من دون ان يكون للمجموعة المندمجة عملة موحدة. وبعد عقد كامل على توقيع معاهدة ماستريخت (11/12/1991) تواجه اوروبا اليوم هذا الاستحقاق الرئيسي الذي يتطلب اول ما يتطلب التخلي عن احد الرموز القومية وهي العملات الوطنية لمصلحة عملة اوروبية مشتركة. ومن الواضح ان الاوروبيين باتوا مستعدين لتقبل هذا الواقع الجديد. اليورو والعملات الوطنية وفقا للخطوات المقررة، ستظل العملات الوطنية الاوروبية مقبولة في التداول التجاري حتي 17 فبراير المقبل. وبعد ذلك سيبقي تبديل هذه العملات ممكنا بواسطة المصارف الخاصة حتى نهاية يونيو المقبل. وفي المرحلة التالية سينحصر تبديل العملات الوطنية باليورو بالبنوك المركزية فقط. وذلك على النحو التالي: النقود المعدنية: حتى 17/2/2005. النقود الورقية: حتى 17/2/2012. اما بالنسبة للمواصفات الفنية لليورو فقد جرى توحيده كليا بالنسبة للنقود الورقية، في حين ترك لكل دولة من الدول الاثنتي عشرة ان تشكل نقودها المعدنية وتضع على احد وجهيها الرمز الوطني الذي تختاره بينما يكون الوجه الآخر موحدا في جميع الدول. بقلم: رياض ابو ملحم ـ كاتب لبناني مقيم في باريس