من خلال خطة جهنم أو «أورانيم» لضرب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ونتيجة تقاعس الدول العربية عن الوفاء بمقررات الدعم المادى والسياسى والاقتصادى للانتفاضة التى صدرت عن قمتى القاهرة الطارئة في أكتوبر2000 وعمان الدورية الأولى في مارس الماضى، وبفعل رفض السلطة الفلسطينية تشكيل قيادة عسكرية موحدة لجميع الأجنحة العسكرية في فصائل ومنظمات المقاومة الفلسطينية، وبسبب استسلام ياسر عرفات الكامل للتوجيهات الأمريكية بشأن إطار وأساليب مطالبة الشعب الفلسطينى بحقوقه الشرعية السليبة، تجمدت أنشطة الانتفاضة الثانية بنهاية نوفمبر الماضى. وباءت بالفشل الذريع كافة جهود الدول العربية لعلاج سلبية الولايات المتحدة إزاء مسارات التفاوض العربى الإسرائيلى منذ فشلت قمة كامب دافيد الثانية في يوليو 2000، وشجعت واشنطن مراوغات إسرائيل في الاستجابة لتفاهمات جورج تينيت المبرمة في 13 يونيو 2001، أو لتوصيات تقرير لجنة السناتور الأمريكى السابق جورج ميتشيل التى أعلنت قبل ذلك بشهرين كاملين. ورفضت إدارة بوش التدخل لوقف القمع الصهيوني الدموي للفلسطينيين، واقتحام الأراضى التى سلمت للسلطة الفلسطينية، وتدمير البنية الأساسية المتواضعة في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، وخطة اغتيال القادة والمقاتلين في شتى منظمات المقاومة الفلسطينية بلا أدنى استثناء، ومن بينها فتح، والتي سقط ضحية لها أكثر من ثمانين شهيداً في عام واحد!!! ولما وقعت تفجيرات 11 سبتمبر الماضي، نجح آرييل شارون في إقناع الرئيس جورج بوش بوضع أغلب منظمات المقاومة الفلسطينية، ومنها حماس والجهاد والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجناح العسكري لفتح، بل وحرس عرفات المسمى بالقوة 17 ضمن القوائم الأمريكية للإرهاب التي تترصدها واشنطن للانقضاض عليها في التوقيت المناسب، شأنها في ذلك شأن حزب الله في جنوب لبنان. وأطلقت إدارة بوش أيدي شارون في سحق قواعد المقاومة الفلسطينية واعتقال أعضاء منظماتها بينما طالب المبعوث الأمريكى الجنرال أنطونى زيني الرئيس عرفات باعتقال المئات من رموز ومقاتلى المقاومة الفلسطينية قبل وقف إطلاق النار!!! وبدا أن الإدارة الأمريكية تريد بوضوح من عرفات التخلى عن المقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال والمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة مع أن هذه المقاومة مشروعة بكل الوسائل والطرق في الأراضي المحتلة عام 1967 طبقا لقواعد القانون الدولى. وعلى الجانب العربى، رفضت حكومة بوش الربط بين التأييد العربى للحملة الأمريكية في أفغانستان والدور الأمريكى في تنشيط المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وبدا أن درجات التبعية السياسية والأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة قد زادت وتفاقمت في معظم الدول العربية إلى حد أن هذه الدول قد فقدت المبادأة السياسية والاستراتيجية في إدارة العلاقات العربية الأمريكية على الرغم من تنامى مصالح واشنطن الحيوية في العالم العربى كله. وتأكد أيضا أن أغلب الحكومات العربية تتوجس من امتداد الحملة الأمريكية ضد الإرهاب إلى بعض الدول العربية بإدارة واشنطن وحدها دون انتظار لمشروعية دولية أو قانونية للتدخل العسكرى، أو احترام للمنظمات الدولية كالأمم المتحدة أو الإقليمية كجامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامى. وفيما يبدو فإن الضربة المقبلة قد تتجه إلى الصومال الممزق الذي فقد كيان الدولة منذ عام 1990 والذي تطارد حكومته بالقوة المسلحة منظمة الاتحاد الإسلامية الصومالية، أو إلى جنوب السودان، أو إلى اليمن الذي بدأت حكومته بضوء أخضر أمريكي استخدام القوة العسكرية ضد بعض القبائل المتعاطفة مع الحركات الإسلامية شرق صنعاء، وقد تتجه الضربة إلى جنوب لبنان انتقاما لقتلى الأمريكان في بيروت منذ سنوات طويلة أو لجنود جيش اسرائيل الذي ولى الادبار أمام المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبنانى خوفا من المزيد من الخسائر البشرية!!! وأيقن معظم العرب أن الولايات المتحدة تعتبر الشرق الأوسط الكبير أهم مسارح عمليات حلف شمالى الأطلنطى، وهذا الإقليم الجيوبوليتيكى يمتد الآن طبقاً لوجهة نظر واشنطن من المغرب على المحيط الأطلسى إلى أفغانستان في آسيا الوسطى الإسلامية وباكستان في شبه القارة الهندية. ولم يستطع وزراء خارجية العرب في اجتماعهم الطارئ في القاهرة يوم 20 ديسمبر الماضى أن يفعلوا شيئا يذكر غير تسجيل موقف سياسى يطالبون فيه بإرسال مراقبين دوليين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة لحماية الشعب الفلسطينى من حملة الإبادة الجماعية والتهجير الإجبارى والبطش الإسرائيلية التى اكتملت بفرض الإقامة الجبرية على ياسر عرفات في رام الله منذ 3 ديسمبر المنصرم. وعاد الوزراء لمناشدة واشنطن أن تتدخل في فلسطين المحتلة على الرغم من الاستهانة الأمريكية بالحكومات العربية التى بلغت أقصى مداها برفض الولايات المتحدة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 19 ديسمبر الماضى بعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلى للمرتفعات السورية وللأراضى الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية، وبدعوة إسرائيل إلى الانسحاب التام من جميع الأراضى العربية المحتلة عام 1967، واحترام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بحماية المدنيين في الأراضى المحتلة. خلاصة الموقف إذن أن واشنطن تطلب وقف الانتفاضة الفلسطينية الثانية بصورة كاملة، سواء ضد إسرائيل داخل الخط الأخضر، أو في أراضى الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة المحتلة عام 1967، وتريد قصر نشاط السلطة الفلسطينية على المجال الدبلوماسى وحده، وتمنعها من مقاومة مخطط الاستيطان الاستعمارى الصهيونى في فلسطين الذي يستهدف توطين مليون مهاجر يهودى جديد في المناطق التى يعيش فيها عرب إسرائيل داخل الخط الأخضر، وفي القدس الكبرى التى تشطر الضفة الغربية لنهر الأردن إلى شطرين مستقلين، وكذا في المستوطنات الاستعمارية ذات الأهمية الحيوية والأمنية في الضفة الغربية لنهر الأردن، وهى تشكل خمس مستوطنات الضفة، ولا تقبل إسرائيل التنازل عنها في أية تسوية نهائية مقبلة، وتعرض مقايضتها بأرض جدباء في إسرائيل داخل الخط الأخضر!!! ولا تزال واشنطن تطبق المعايير المزدوجة إزاء المقاومة الفلسطينية المشروعة وإرهاب الدولة الإسرائيلى في فلسطين المحتلة، فتنزع الأسلحة الصغيرة من منظمات المقاومة الوطنية وتسلح إسرائيل بالصواريخ أرض ـ أرض والصواريخ الاعتراضية والطائرات الموجهة بدون طيار وأقمار التجسس، وتجبر عرفات على تصفية جماعات المقاومة الإسلامية بينما تسمح لإسرائيل باستمرار الاستيطان في الضفة الغربية لنهر الأردن تحت رعاية المنظمات الصهيونية المتطرفة في إسرائيل والولايات المتحدة ولا تعترض على إرهاب ميليشيات المستعمرات. وهناك استرخاء أمريكى حقيقى في تنشيط المسار الفلسطينى الاسرائيلى يرتبط بالترتيبات الأمنية الأمريكية المخططة في المنطقة العربية، ومدى استجابة الحكومات العربية لمطالب حملة جورج بوش ضد الإرهاب، ولتوطيد المصالح الحيوية الأمريكية في الشرق الأوسط!!! ترجيح الحل الانتقالي لا يريد آرييل شارون حلا سياسيا نهائيا في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة قبل خمس أو ست سنوات مقبلة على الأقل، بينما يصرح جيرالد شتاينبرج رئيس برنامج تسوية الصراعات بجامعة بار إيلان الاسرائيلية بأنه لا توجد عملية سلام حالية في مطلع عام 2002، وأن من الأجدى التركيز على التعاون الدولى من أجل ضرب منظمات الإرهاب وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وأن على اسرائيل والولايات المتحدة أن تنسقا جهودهما المشتركة في هذه الحرب الأولى في القرن الحادى والعشرين الميلادى دفاعا عن الحضارة الغربية وأمن إسرائيل. أما ياسر عرفات ومعاونوه فقد وصلوا إلى استنتاج أن المقاومة الفلسطينية وحدها لايمكن أن تحقق قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية في المدى القريب (7-8 سنوات) ، وأن من الضرورى تعديل الوضع القائم، والذي يتحرك ببطء منذ إبرام إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي في سبتمبر 1993 وذلك من خلال تدويل عملية السلام لتعديل التوازن المضطرب بين إسرائيل والفلسطينيين. ويرى عرفات أن السياسة الأمريكية لا تتعجل الحل النهائي لعوامل أمنية وسياسية واقتصادية تتعلق بتعميق المصالح الأمريكية في المنطقة العربية، ومن الخطورة بمكان أن واشنطن توافق آرييل شارون على استقطاب مزيد من المهاجرين اليهود إلى فلسطين المحتلة، واستبعاد جزء من الفلسطينيين من الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة بالتهجير الإجباري أو الاختياري لأسباب أمنية وديموجرافية. ولا يعول عرفات على دعم عربي إيجابي يعدل التوازن المختل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في القريب العاجل، وينهض بالاقتصاد الذي يعتمد بصورة أساسية على روابطه الوثيقة بالاقتصاد الإسرائيلي وبخاصة في مجالات العمالة وتسويق الإنتاج الزراعي أو الحركة المصرفية والسياسة النقدية وإيرادات الجمارك والضرائب. وإذا كان عرفات يقبل الحل الانتقالي في العامين المقبلين على أساس استكمال تنفيذ التزامات المرحلة الانتقالية التي أجملها اتفاق شرم الشيخ في سبتمبر 1999 والتي تحقق إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في 80 % من أراضي الضفة الغربية وغزة، فإنه يقرنه بالاعتراف بدولة فلسطينية تقام على الأراضي التي تخضع للسلطة الفلسطينية أو التي تخليها قوات الاحتلال الإسرائيلي. لكن وجه الخطورة الحقيقي أن شمعون بيريز يتفاوض حاليا مع أحمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني لصياغة مقترحات جديدة بالغة السوء وتمثل ـ إذا قبلها عرفات ـ تنازلات خطيرة تجرد عملية التسوية السلمية من مفاهيم الحق والعدل واحترام حقوق الشعوب. فما يعرضه بيريز هو قيام دويلة فلسطينية في غزة ومنطقتين اثنتين في الضفة الغربية بمساحة إجمالية تبلغ 42 % من أراضي الضفة الغربية وغزة التي لا تتجاوز 22 % من مساحة فلسطين التاريخية، ويترك بيريز مصير باقي الأراضي المحتلة عام 1967 للتفاوض المستقبلي بينما يصر على إبقاء المعابر الدولية في أيدي الجيش الإسرائيلي. ويؤجل بيريز وقريع قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات إلى ما بعد فترة انتقالية مقبلة تمتد 2 ـ 3 سنوات، ويراوغ الثعلب بيريز بشأن تجميد الاستيطان في الضفة الغربية لنهر الأردن ومسألة توسيع المستوطنات القائمة فيها والتي رفضها صراحة تقرير ميتشيل. ويبدو أن شارون قد استمرأ كبت نشاط المقاومة الفلسطينية انتظارا لمعاودة التفاوض بين حكومته وسلطة عرفات، ويراهن على حدوث صدوع رئيسية بين صفوف المنظمات والأحزاب الفلسطينية في الشهور المقبلة وبخاصة في ضوء الموقف الاقتصادي بالغ الصعوبة في الضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، كما يسعى هذا الإرهابي الكبير إلى توريط الفلسطينيين في الصراعات الإسرائيلية الداخلية بين الليكود والأحزاب اليمينية من ناحية وحزب العمل بقيادة بنيامين بن أليعازر وزير الدفاع من جهة أخرى حتى تضطرب توجهات السلطة الفلسطينية وتفقد الإجماع الوطني على سياسة موحدة إزاء حكومة شارون المستقرة فيما يبدو في حكم إسرائيل لفترة طويلة مقبلة. التصعيد رهن الموقف الأمريكي لم يفقد عرفات بعد أمله في تطور الموقف الأمريكي لتقليل درجة الانحياز السافرة للحكومة الإسرائيلية، ويركز في اتصالاته بواشنطن وبالدول العربية المعتدلة على الدعم الأمريكي المطلوب على وجه السرعة لإبرام الحل الانتقالي الذي يراه عرفات الخيار العملي الممكن حاليا في ضوء المناخ السائد في المجتمع الإسرائيلي وسيطرة شارون على الحكم، واستمراره في الاستنزاف البطئ لقدرة الشعب الفلسطيني على مزيد من الصمود بعد خمسة عشر شهرا منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية الثانية. ومن الواضح أن عرفات يدرك أن الولايات المتحدة تعارض قيام سلطة إسلامية التوجه في فلسطين، وأنها تريد حل منظمتي حماس والجهاد، وفرض درجة من الاستقرار الأمني قبل إبرام تسوية سياسية مرحلية في الضفة الغربية وغزة، لذلك فهو حريص على تجنب تصعيد أنشطة الانتفاضة بوجه عام، والكفاح المسلح بوجه خاص، ويرفض تطوير تسليح الأجنحة العسكرية في تنظيمات المقاومة شاملة فتح ذاتها، والقوة 17، بالمقذوفات الموجهة المضادة للدبابات والطيران المنخفض، فهو يرفض حاليا خيار حرب العصابات واسعة النطاق ضد الأهداف العسكرية الإسرائيلية، ويكرر أكثر من مرة في اتصالاته بالزعماء العرب أن الكفاح الفلسطيني لا يستند إلى أية دولة مواجهة عربية لها حدود مشتركة مع إسرائيل، بل يعتمد على درجات متفاوتة من الدعم السياسي والاقتصادي من دول الطوق العربية. لذلك فإن عام 2002 على الأرجح لن يشهد تصعيدا مسلحا في فلسطين المحتلة وسيكون فقرة تفاوض تسفر عن حل مرحلي نأمل ألا يتضمن مزيدا من التنازلات الفلسطينية!!! بقلم: لواء صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط