عندما ضربت رموز العظمة والقوة الامريكية بتاريخ 11 /9/2001 طفت الى السطح مجموعة من الحقائق والظواهر السياسية التي كان يبدو ان تحولات مابعد الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة الامريكية بقيادة النظام الدولي الجديد والهيمنة عليه قد خلقت بيئة دولية جديدة لا تسمح بظهورها، الحقيقة الاولى تتمثل في امكانية اعتبار هذا النظام الدولي الجديد اكثر فوضوية من كل انساق العلاقات الدولية التي سبقته، وتكمن الحقيقة الثانية في انه اذا كانت الثورة التكنولوجية والمعلوماتية قد ساهمت في تدعيم ركائز الامن القومي، فانها في نفس الوقت قد وفرت وسائل اختراقه، اما الحقيقة الثالثة فتتجسد في معادلة ان التطرف في المواقف والسياسات حتى ولو كان مصدره قوة عظمى يؤدي الى خلق مواقف عدم الثقة والنزعة نحو الانتقام لدى الاطراف الاخرى، ولذلك فالتحليل السطحي او الشكلي لاحداث نيويورك وواشنطن قد يدفع الى تبسيط الامر واعتباره مجرد عمل ارهابي، ولكن هذه المقاربة قد لا تؤدي الى الكشف عن الحقيقة بل تسهم في تزييفها لان التطورات التي سبقت هذه الاحداث وكذا ردود الفعل التي اعقبتها تفيد باحتمال اعتبار كل ما حدث وما يمكن ان يحدث في المستقبل مجرد مشهد من مشاهد السياسة الخارجية الامريكية. بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة اثارت الاوساط الاكاديمية والرسمية والاعلامية في الولايات المتحدة الامريكية جدلا حادا وغريبا، وفي نفس الوقت تمحور اساسا حول الخطر او العدو المحتمل لمصالح ومكانة امريكا في القرن الحادي والعشرين، وهو ما اكد مرة اخرى تصورات علماء النفس في اعتقادهم بان الشخصية والثقافة الامريكية قائمة على اساس الصراع وتلك هي الظاهرة التي تكرس عادة مشاعر عدم الثقة تجاه الآخرين. وعلى هذا الاساس فإن النقاش السالف الذكر افرز مجموعة من التصورات العقائدية، فاصحاب التصور الاول يجمعون على اساس ان جوهر الصراع في القرن الحادي والعشرين سيكون اقتصاديا ومن ثم يصبح لزاما على الولايات المتحدة بلورة الاستراتيجيات الملائمة لمواجهة الاقطاب الاقتصادية الكبرى المتمثلة في الاتحاد الاوروبي ، اليابان والى حد ما الصين. اما اصحاب التصور الثاني فيركزون على اطروحة الصراع الحضاري في العلاقات الدولية التي تخلص الى نتيجة مفادها ان انتشار وهيمنة المنظومة الفكرية والعقائدية الغربية سوف يصطدم بعراقيل وحواجز تفرزها الحضارات المناقضة خاصة منها الحضارة العربية الاسلامية. واخيرا فان المنظور الثالث يتشبث بفكرة استمرار اهمية العامل العسكري في التوازنات الدولية وهو ما يدفع الى اعتبار جّل الدول ذات القدرات العسكرية المعتبرة والخارجة عن اطار المظلة الامنية الامريكية كتهديد حقيقي للمصالح الامريكية في العالم. فالاتجاه العام للسياسة الخارجية الامريكية منذ نهاية الحرب الباردة عكس الى حد كبير عزم الولايات المتحدة على مواجهة اي شكل من اشكال الاخطار التي بلورتها هذه التصورات والاكثر من ذلك ان صانع القرار في امريكا كثيرا ما يلجأ الى افتعال وخلق البدائل والمشاهد المستقبلية التي تمنع من ظهور ثم تطور مصادر هذه الاخطار وذلك عملا بمقولة «اذا لم تصنع مستقبلك فإن الآخرين سوف يصنعون لك هذا المستقبل» ويبدو هذا السلوك امراً طبيعيا بحكم كون الولايات المتحدة الامريكية الفاعل الدولي الذي يمتلك اكثر من غيره الامكانيات والوسائل التي تسمح له بتغيير المجرى الطبيعي للتطورات المستقبلية بما يخدم مصالحه ومصالح حلفائه، وفي هذا السياق يمكن تفسير مواقف وقرارات السياسة الخارجية الامريكية تجاه الاحداث الدولية التي ميزت فترة ما بعد الحرب الباردة مثل غزو العراق للكويت وما اعقبه من تطورات، توسيع حلف شمال الاطلسي، التدخل العسكري في كوسوفو، ثم موقف الولايات المتحدة من تطورات الصراع العربي الاسرائيلي. ان المعلومات التي تسربت حول بعض التطورات السرية بين حركة طالبان والولايات المتحدة الامريكية بتنسيق الماني في مدينة برلين في شهر مارس من هذه السنة، وكذا الاجتماع الثلاثي حول افغانستان بين مصالح المخابرات الامريكية، التركية والايرانية في انقرة في شهروات 2001، كل هذا يفيد بامكانية اعتبار احداث سبتمبر وما تلاها من ردود افعال مجرد سيناريو يدخل في اطار تحقيق بديل من البدائل المستقبلية للسياسة الخارجية الامريكية. ان مدى وحجم وكثافة الحملة العسكرية الامريكية الحالية ضد افغانستان تدخل في اطار استراتيجية متناهية الدقة تهدف الى مواجهة الاخطار التي اصبحت من منظور صانع القرار الامريكي، تهدد المصالح الكونية الامريكية، فبواسطة هذا العمل قد تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق اربعة اهداف اساسية: تكريس وضمان المصالح الاقتصادية الامريكية في المنطقة خاصة ما يتعلق منها بالاحتياطات النفطية المحتملة في بحر قزوين، زعزعة ثم تفكيك مصدر الخطر الحضاري الذي تعتقد امريكا انه ينحصر في التيارات الاسلامية «المتطرفة» ارباك نواة التحالف الاسيوي المرتقب والذي تمثل الصين وروسيا قاعدته الصلبة، واخيرا ملء الفراغ الامني الذي تركه تفكك الاتحاد السوفييتي وانسحابه من جمهوريات آسيا الوسطى. وبناء على كل ما تقدم يبدو ان احداث 11 سبتمبر 2001 تخرج عن مجرد اعتبارها قضية بسيطة بين دولة عظمى وتنظيم ارهابي، بل يمكن ادراجها في اطار حسابات استراتيجية مستقبلية متعددة الابعاد والمقاصد، ولكن تحقيق هذه المقاصد والحسابات يتوقف بالدرجة الاولى على مدى تطابقها وملاءمتها مع البيئة العملية التي يمكن ان تتبلور في اطارها، وتتوقف كذلك على حسابات واهداف واستراتيجيات الاطراف المباشرة وغير المباشرة في هذه اللعبة الدولية المعقدة. بقلم: د. حسين بوقاره ـ استاذ العلاقات الدولية ـ جامعة الجزائر