انها مرحلة التحولات الكبرى التي تجري في مناخ هو اقرب الى البركان المتململ الذي قد يطلق حممه قريبا اذا لم تتم السيطرة عليه، وتبدو المواجهة المحتملة بين الهند وباكستان واحدة من اخطر تداعيات الحملة العسكرية الامريكية على افغانستان والتي جاءت بدورها ردا امريكيا على هجمات الحادي عشر من سبتمبر على واشنطن ونيويورك. الهند التي استغلت «هوجة» ملاحقة الارهاب، لم تجد غضاضة في استغلال الفرصة لتصفية حسابات قديمة مع جارتها اللدود باكستان، وانطلاقا من حادث لا نقول عابرا وانما كان يمكن ان يمر في أوقات سابقة دون ان يأخذ أبعادا خطيرة، حولت نيودلهي الهجوم على مبنى البرلمان الهندي الى ذريعة لحشد قواتها على الحدود الباكستانية، وباتت نذر الحرب تلوح في اجواء شبه القارة الهندية. فالعداء الهندي ـ الباكستاني قديم، وهذه حقيقة، لكن تفجير الصراع بينهما على نحو يقود الى حرب جديدة بين الدولتين قد يندرج في حسابات صراع المصالح ناهيك عن تأكيد اكثر من رأي ان «الولايات المتحدة قد ارست التصرفات في مباديء واعراف جديدة تبرر نشوب الصراعات الكبرى بين الدول كرد على عمليات ارهابية اقل شأنا، ويأتي الدعم الاعلامي الامريكي نوعا من المساندة واعطاء الضوء الاخضر لطرف كي يهاجم الطرف الآخر دون توفر دليل مادي قوي، بدلا من الموقف الامريكي السابق الذي كان يدعو في باديء الامر الى ضبط النفس في مثل هذه الحالات والتي اصبحت واشنطن تتخذ فيها موقفا لمساندة احد الاطراف وتحريضه على توسيع نطاق المواجهات. فقد سبق لواشنطن ان اعطت لاسرائيل الضوء لمهاجمة مواقع السلطة الفلسطينية بذريعة مقاومة الارهاب، وهذه هي الخطو الثانية الخطرة هذه المرة لاسيما وان الدولتين انضمتا الى النادي النووي. وحيث ان واشنطن التي راقبت عن كثب في فترات سابقة برامج سباق التسلح النووي في وسط اسيا، فلا يمكن ان تغض الطرف عن امتلاك مثل هذا السلاح النووي خاصة اذا ما وصل الى ايدي قوة اسلامية، وان كانت حكومتها تدخل حاليا في تحالف معها، ومن هنا فان التطمينات الامريكية تجاه نيودلهي جاءت لتدفع الاخيرة الى الدخول في مغامرة تصفية الحسابات مع اسلام اباد. بعد حادث الهجوم الاخير عليها، ورغم ان باكستان تحاول دفع التهمة عن نفسها وتقديم الاستعداد للتعاون في التحقيقات لتقديم الفاعلين الى العدالة حتى لو كانوا من رعايا الدولة الباكستانية. ويبقى الوضع الذي ارسته «واشنطن» قد يعطي معالجة لمثل هذه الامور ايضا، لما للولايات المتحدة من دور في امكانية تهدئة الموقف وترجيح كفة الحمائم على الصقور، لا سيما وان اسلام اباد قدمت دعما لواشنطن واسع النطاق في انهاء النظام الطالباني في افغانستان، وبما تتضمنه معطيات المصلحة في مكافحة الارهاب ومنه ما يتعلق بأمنها القومي، وقدمت باكستان بذلك الدليل الدامغ على امكانية تجاهل عوامل الترابط بين الدول المتجاورة «جغرافيا وتاريخيا» واستلمت ردا مماثلا من الجبهة الهندية في انحدارها الى المستنقع الكشميري الذي تنتظر الهند سحبها اليه. وفي الوقت الذي تحاول فيه باكستان تهدئة الموقف وتخفيف حدة التوتر، ودعوتها لنيودلهي سحب قواتها والسعي لتسوية الخلافات عبر قنوات الحوار، فان الهند واصلت نشر طائراتها المقاتلة عبر الحدود، واعلنت ان انظمتها الصاروخية جاهزة، بجانب ذلك تصاعدت تصريحات المسئولين حول الموضوع، فقد اعلن وزير الشئون البرلمانية الهندي «برامود مهاجان» خلال تجمع مناهض للارهاب الاسبوع الماضي انه يحق للهند أن تشن هجمات عسكرية على معسكرات الارهابيين في باكستان، وانه لا يمكن الكيل بمكيالين، عندما يتعلق الامر بالارهاب، حيث يمكن للولايات المتحدة ان تهاجم افغانستان اذا اقتضى الامر، بينما يجب علينا نحن التحلي بضبط النفس». ووسط لعبة الكراسي الموسيقية، على رأس القيادات العسكرية النافذة، فرضت الهند عقوبات دبلوماسية جديدة متخذة قرارا بمنع عبور الطائرات الباكستانية مجالها الجوي اعتبارا من الاول من يناير المقبل مع وقف المواصلات البرية بواسطة الحافلات والسكك الحديدية مع اسلام اباد، وتخفيض التمثيل الدبلوماسي بين البلدين الي النصف بجانب حصر تحرك الدبلوماسيين الباكستانيين في نطاق نيودلهي. وعلى ذات الصعيد يعلن المسئولون الباكستانيون بأن باكستان ستحرك فقط «الحد الادنى في قواتها الى المنطقة الحدوية كأجراء دفاعي، مع اقتراح بتجميد التعزيزات العسكرية على الحدود والبدء بجوار لتجفيف حدة التوتر في المنطقة، والامل في تغليب صوت العقل في علاقتهما، ولكن في حال العكس فأنها تتمتع بكل القدرات للرد على اي اعتداء في نيودلهي والتي تتهمها اسلام اباد بأن لديها خططا تسعى فيها للهيمنة وترغب في ان تقوم باكستان بالانصياع لمطالبها «غير المشروعة وغير العادلة» في اشارة الى النزاع القديم حول كشمير والذي كان سببا لحروب عديدة في الماضي. اما الواقع الدولي بعموميته، فمازالت الولايات المتحدة تمارس ضغوطا دبلوماسية وقانونية لتخفيف حدة التوتر بين الطرفين، لاسيما وانه في حالة اندلاع احلرب فان باكستان قد تضطر لايقاف مساعداتها لواشنطن في الجبهة الافغانية ويصب في نفس المنطلق الموقف الروسي كما وتناشد منظمة المؤتمر الاسلامي الطرفين ضرورة اللجوء الى آفاق الحوار الدبلوماسي الهادي، والابتعاد عن لغة الدمار والكوارث، حيث ينطلق نزوح الاف الاشخاص في البلدين عن قراهم الواقعة على امتداد الحدود في ولاية جامو وكشمير شمال الهند وهي المنطقة المتنازع عليها والتي ظلت معلقة كقنبلة موقوتة وسببا لنزاعات خطيرة وسباق للتسلح، بما فيه التسلح النووي الذي بدأته الهند عام 1974 بأجراء اول تجربة نووية ولحقتها باكستان في عام 1982 لتبدأ برنامجها النووي، ولا شك ان تقدم التجارب النووية الاخيرة لدى الطرفان قد زاد من حدة التوتر فقد قامت الهند في اواسط مايو عام 1988 بإجراء خمس تجارب نووية ردت عليها باكستان بعد اسبوعين فقط بخمس مثلها. والصراع في كشمير جزء من مهمة لم تنته يعود تاريخها حين خضعت الهند وباكستان للاستعمار البريطاني في القرن التاسع عشر «1857» وعرفت باسم الهند البريطانية، الى ان قام محمد علي جناح بالعمل على استقلال باكستان عام 1940 وفي عام 1947 وافق البرلمان البريطاني على انفصالها عن الهند لتظهر الى الوجود باكستان بشطريها الشرقي والغربي وقد منحت المقاطعات الهندية التي تضم اكثرية مسلمة حق الاختيار بالانضمام الى الهند او باكستان وانضمت تلك المقاطعات لباكستان بما فيها ولاية جامو وكشمير ذات الاغلبية المسلمة وبدأت الحروب بين البلدين. على ان الهند اغرت حاكم كشمير بالانضمام اليها، الا ان الشعب لم يوافق وطلب مساعدة القبائل الباكستانية، فدخل الجيش الهندي واحتل الولاية فوقعت الحرب في اكتوبر 1947 وديسمبر 1949 وقد تمكنت الهند من السيطرة على الجزء الاكبر من كشمير، وتدخلت الامم المتحدة لفض النزاع وفي بداية عام 1957 اصدر مجلس الامن قرارا يقضي بعدم الاعتراف بخطوة الهند في ضمها للولاية وطلب اجراء استفتاء حر وجاء ذلك بعد اندلاع الحرب بين البلدين عام 1956 اثر تفجر الصراع واحتلت باكستان جزء من الولاية فتدخلت الدول الكبرى وفرضت وقف القتال ووقع ميثاق «طشقند» الذي يقضي بانسحاب باكستان وليوقع بعد ذلك في عام 1971 الطرفان معاهدة «سملا» التي تلزمهما بعقد مباحثات تسوية نهائية بشأن الاقليم وتقرير مصيره وباستفتاء شعبي كما نصت قرارات مجلس الامن بذلك على ان يجري تحت اشراف الامم المتحدة. وبدلا من اجراء استفتاء شعبي في كشمير لاقرار ما اذا كانت اغلبية السكان ترغب في الانضمام الى اي من الهند أو باكستان، اصبحت الولاية على الفور مسرحا لقتال طويل، وتمكنت القوات الباكستانية من السيطرة على ثلث مساحة كشمير والذي يعتبر في نظرهم امتدادا طبيعيا لاراضيهم نظرا لغلبة الاهالي المسلمين فيه، اما الجيش الهندي ففرض سيطرته على وادي كشمير الخصب بجانب اعتباره كشمير احدى الولايات الهندية. وبناء على ما سبق فإنه من الافضل للهند والباكستان ان تركنا الى فتح ملفات الحوار البناء القائم على اعلاء صوت الحق والعدالة او اللجوء الى الهيئات الدولية للاحتكام والالتزام بقرارات الشرعية الدولية، دون الاسترسال وراء صراعات قد تنتهي بالارتطام في حجر المعاناة، والطرفان في غنى عنه نظرا لظروفهما الاقتصادية والتي قد تنال منهما الكثير. كما ويشكل التعامل مع المتغيرات السياسية في المنطقة عموما مثالا بارزا على جدلية الوسائل والاهداف والنتائج القائمة في هذا الصراع كواقع يراهن عليه الكثير بجانب نبض عال لدى الاخرين للحيلولة دون انزلاق الطرفين في متاهات لا تحمد عقباها ولا يعتد حسابا لمداها، ومازالت الاحتدامات تتشعب وتستنهض ولكن لو حدث تغلب وجهة نظر معينة لكان ذلك يمثل تحولا استراتيجيا في النظرة السياسية المستقبلية في المنطقة. بقلم: نوار القيسي ـ كاتبة عراقية