يأتي تداول اليورو إيذانا بكتابة صفحة جديدة لمستقبل الاتحاد الأوروبي، لا تتميز ـ فحسب ـ بسمات فارقة عن الفصول السابقة في حياة أوروبا، لكنها تساهم ـ أيضا ـ في تعظيم بلورة الاتجاه المتعاظم نحو عولمة الاقتصاد الدولي، وتجسيد فكرة الأقاليم الاقتصادية الكبرى المتمثلة في أمريكا الشمالية، وأوروبا الغربية، وشرق آسيا. إن غاية إصدار العملة الأوروبية مزدوجة: اقتصاديا يمثل اليورو وسيلة رائعة للتبادل الحر للسلع والخدمات والعماله، ورؤوس الأموال في السوق الأوروبية ـ على ترامي أطرافها ـ بعيدا عن مخاطر تقلب أسعار الصرف، مما يشجع على قيام المزيد من استثمارات وكفاءة الإنتاج. سياسيا فإن تداول اليورو يأتي بمثابة خطوة حاسمة على طريق تحقيق الوحدة السياسية والأمنية، ودون ريب، فإن تلك الغاية هي الاسمى والاهم، من زاوية أن اليورو محرك أساسي للإتحاد الأوروبي، بإتجاه خطوات إيجابية تستهدف تحقيق الوحدة السياسية والدفاعية، لتتحول العملة الموحدة من مجرد رمز إلى مصهر لأوروبا، فتتحول بوتقة الوحدة النقدية إلى قوة اقتصادية أساسية، لتسهم تلك الخطوة في سد الفجوة بين درجة الإندماج الاقتصادي ـ السياسي، والإندماج النقدي الذي وصل إلى نهاية الشوط. خيار إضافي في المدى الآني يحتل اليورو مرتبة ثاني أقوى عمله في العالم بعد الدولار، وقبل الين الياباني، ويساهم في إستقرار النظام النقدي العالمي، ويوفر الخيار الإضافي بالنسبة للمحافظ المالية للعديد من الدول، بمعنى أن تأثير اليورو سوف يتجاوزـ بكثير ـ الحدود الجغرافية لدوله الـ 12، إلى وسط وشرق أوروبا والبلقان، وحوض البحر المتوسط وغرب أفريقيا، وإذا ما ثبت اليورو مصداقيته، فإنه سوف يمثل جزءا متناميا من احتياطيات المصارف المركزية الأسيوية والعربية، خاصة إذا صدقت توقعات المراقبين بشأن انتعاشة اقتصادية في منتصف 2002، بالتوازي مع تعادل اليورو مع الدولار في ذات المدى الزمني. أما بالنسبة لما يمكن أن يلمسه رجل الشارع الاوروبي مباشرة، بغض النظر عن الدولة التي تحمل جنسيتها، فإن أي مواطن أوروبي يرتحل من بلد إلى آخر، لن يحتاج إلى تبديل نقوده، فتبلغ عمليات التحويل نصف ما يحمله أحيانا ! مع تكرار تنقله إلى أكثر من دولة، كما أن سائق الشاحنة التي تجتاز حدود عدة دول أوروبيةـ في حوض اليورو ـ لن تضطر للوقوف المتكرر على الحدود، لأنها إجراءات كانت تقتطع نصف زمن الرحلة. اليورو ـ إذن ـ يساهم جديا في عملية صهر الجماعة الأوروبية، وتلك العملية تصب نتائجها في خانة الوحدة الكاملة على كل الأصعدة، بما في ذلك الصعيد السياسي، وهو ما يعني في المحصلة الأخيرة تحول الإتحاد الأوروبي إلى قطب مندمج. هكذا، فإن اليورو يصبح أحد الجسور المهمة ـ إن لم يكن الجسر الرئيسي ـ الذي يعبر عليه الإتحاد الأوروبي ـ عند نقطة ما من القرن الـ 21ـ إلى أوروبا الموحدة بالمعنى الكامل. ومن الآن وحتى تحين تلك اللحظة، فإن اليورو لن يكف عن أداء دوره في توحيد أوروبا، وتوسيع نطاقها وعمقها، ليغرز طموحها في القيام بدور دولي بالتوازي مع الدور الأمريكي، ويكون بمثابة الرد الأوروبي على الاحتكار الأمريكي لعرش التجارة الدولية، واحتياطيات البنوك المركزية في معظم دول العالم. دلالة أساسية لكن هناك ما هو أهم، فعلى المستويين الاقتصادي والسياسي، كانت الدلالة الأساسية هي أن أوروبا تندمج، نعم أوروبا تندمج، وعيون الأوروبيين أصبحت على المستقبل، بعيدا عن ميراث طويل من الصراعات والحروب، وحتى عن المواريث الإيجابية ـ على المستوى الوطني ـ التي تحن للماضي العتيد، وأصبح واضحا للجميع أن اختلاف اللغات والتقاليد والمستويات الاقتصادية لن يقف عائقا في طريق الوحدة الأوروبية. وفي مدى غير بعيد لن تتقرر إلاتجاهات الرئيسية للاقتصاد العالمي ـ تلقائياـ بقرار أمريكي، في ظل وجود البنك المركزي الأوروبي، كمؤسسة اقتصادية مالية قوية، تسهر على شئون اليورو، تحدد معدلات الفائدة لاقتصاد يوازي في ثقلة الاقتصاد الأمريكي، بل قد يتجاوز في بعض الجوانب. من ثم فإن اليورو سوف يكون أول منافس ـ بالمعنى الحقيقي ـ للسوبر دولار، الذي صال وجال بطول الساحة الاقتصادية العالمية وعرضها، ولم تكن الولايات المتحدة تتوقع منافسة حادة، على أي صعيد منذ إنهيار الاتحاد السوفييتي، على الأقل، في المدي القريب، حتى مع الوضع في الاعتبار النمو الاقتصادي المتسارع الإيقاع في الصين، أو محاولات روسيا المتكررة للقيام من عثرتها، والإلحاحـ من جانب قوى دولية وإقليمية ـ على ضرورة قيام نظام عالمي متعدد الاقطاب، والسعي بإتجاه ذلك. لقد كان الرهان الأمريكي قائما ـ حتى اللحظة الأخيرة ـ على أن الانقسام السياسي الأوروبي، يمكن أن يعرقل الخطوات الحاسمة للإندماج النقدي والاقتصادي للإتحاد الأوروبي، فتظل الولايات المتحدة الأولى اقتصاديا ـ كما هي عسكريا وسياسيا ـ دون أن يجرؤ أحد على أن يناطحها. إضافة إلى ما سبق، فإن تمتع الاقتصاديات الأوروبية ـ بفائض تجاري، بينما تعاني الولايات المتحدة من عجز سنوي يقدر بنحو 200 مليار دولار، وديون خارجية تقدر بتريليون (ألف مليار) دولار سوف يحول حوض اليورو إلى منطقة جذب استثماري هائل. وفي عصر العولمة، فإن قدوم اليورو سوف يعطي دفعه قوية للشركات المتمركزة في دول الإتحاد الأوروبي، مما ينبئ بظهور كيانات اقتصادية مالية عملاقة، تسعى مع بداية المرحلة الجديدة ـ ما بعد اليوروـ إلى دخول معترك التنافس بقوة، وحجم أكبر. اختبار حاسم على أن العملة الموحدة تتطلب تغيير العقلية السائدة، وإزالة الحدود النفسية، قبل الحديث عن جغرافيا سياسية جديدة، وبمعنى آخر تغيير الثوابت التي سادت أوروبا لسنوات طويلة، وبرغم أن لحظة الاختبار الحاسمة، سوف تأتي عند مواجهة أول أزمة كبيرة، إلا أنه لا ينبغي أن يظل اليورو وحيدا على الساحة، لذا يرى المتفائلون في أوروبا، والمتحمسون خارجها، بعصر اليورو أنه يجب استنفار الإرادة السياسية لرفع مستوى الإدراك الجماعي، والضغط على الحكومات الوطنية لدفعها بإتجاه مزيد من خطوات الإندماج الاقتصادي، وبناء سياسة خارجية وأمنية واحدة، إذ أن الأمر يتعلق بأن يكون الإتحاد الأوروبي أكثر من مجرد كيان اقتصادي عملاق، متجاوزا ذلك إلى قوة عالمية تمارس دورها على إتساع الخريطة الدولية. إن هذا التصور لابد أن يقود أوروبا إلى إمتلاك إحساس طبيعي بالأمن والهوية، ولن يحقق ذلك الشعور ـ في العقود القادمة ـ إلا أن تكون أوروبا قوة مساوية للولايات المتحدة، حيث أن أوروبا أكثر عددا، وعلى نفس الدرجة من الثراء، وتشارك في ذات القيم، وتلك القوة سوف تحد من مخاطر العزلة والمغامرة الأمريكية بالنسبة لأوروبا ذاتها. لقد كان اليورو بمثابة الخطوة النهائية في عملية الإندماج النقدي، لكن العملة الموحدة يمكن أن تكون بداية لا بأس بها على طريق عملية أعظم شأنا على صعيد الإندماج الكامل، يحول أوروبا من مجرد رقعة جغرافية مترامية، أو حتى كيان اقتصادي عملاق، إلى كيان سياسي من الوزن الثقيل. معادلة جديدة على دول اليورو أن تسعى لخلق معادلة جديدة، عبر تطوير دورها السياسي والاقتصادي العالمي، بزيادة درجة الاستقلالية عن حليفها التقليدي ـ الولايات المتحدة ـ خلال نصف قرن، كما أن عليها أن تسعى كذلك للأخذ بالأسباب التي من شأنها أن تجعل اليورو عملة دولية موازية للدولار، وفي المقدمة أن تتوافر الثقة في قيمة اليورو من خلال ضمان استقراره، ومن الضروري ـ أيضا ـ توافر الثقة في درجة الاستقرار السياسي في اليورو لاند، مما يقود العملة الأوروبية الموحدة إلى تحدي هيمنة الدولار على الصفقات الدولية حيث تتمتع اليورو لاند بالخصائص اللازمة لانضاج اليورو كعملة لا تقل تاثيرا عن الدولار في مدى غير بعيد. وإذا كان الفارق الأساسي بين الدولار واليورو يكمن في أن الأول تصدره سلطة سياسية وحيدة، بينما اليورو يصدره إتحاد يتألف من سلطات سياسية عديدة فضلا عن كون الاستقرار السياسي يعتبر محددا مهما في الاستخدام الدولي للعملة، فإن على دول حوض اليورو أن تؤكد مصداقيتها كوحدة سياسية، حتى يحفز ذلك العالم للتحرك صوب نظام دولي للعملة ثنائي القطبية. لقد عبدت أوروبا الطريق طويلا، وماتزال، أمام اليورو ليحرر نصرا، لكنه على أي حال لن يكون نصرا دون حرب، وإن كانت باردة ! أن المشهد الاقتصادي العالمي تغير ـ لاشك ـ مع ميلاد اليورو ثم تداوله، لكن نجاحه في المباراه الصعبة المتوقعة مع الدولار، لا تحكمه عوامل اقتصادية محضة، بل سياسية بالدرجة الأولى، فأي عمله لا تستطيع أن تفرض نفسها دوليا إلا بدعم نفوذ سياسي، فكل العملات الكبرى كانت دائما عملات إمبراطورية ـ ربما بإستثناء الين ـ من الجنيه الروماني، إلى الفرنك الفرنسي، مرورا بالجنيه الاسترليني، وصولا إلى الدولار. ذات الحقيقة تتأكد في كل العصور: القوة الاقتصادية وحدها لا تصنع عملة مسيطرة على اسواق العالم، من ثم فإن على الإتحاد الأوروبي صياغة، حضور سيادي دولي، تعبر عنه سياسة خارجية موحدة، ونفوذ فاعل، يعكس واقعا سياسيا قويا، ويحميه درع عسكرية متقدمة، وصلبة بدرجة كافية. ذلك هو التحدي المستقبلي لأوروبا، التي إن مالم تتعلم الحديث بصوت واحد، فإنها سوف تنحدر تدريجيا إلى وضع هامشي، الأمر الذي لايمكن أن تقبله أوروبا بعد مشوارها الطويل عبر نصف قرن من البناء المستمر. بقلم: علاء عبدالوهاب ـ كاتب مصري