من المؤكد ان انطلاق العملة الاوروبية الموحدة «اليورو» هو مرحلة جديدة في تاريخ الاتحاد الاوروبي عامة، ودول منطقة اليورو الاثنتى عشرة بصورة خاصة، وهو لا يمثل فقط تحقيقاً لحلم اوروبي في وحدة مالية وتتويج لنجاح تكتل اقتصادي اوروبي يواجه القوة الاقتصادية الكبرى الامريكية، هذا الحلم استمر لسنوات طويلة، وحمله على كاهله الى حيز التنفيذ العملاق الاوروبي السابق المستشار الالماني هيلموت كول، بل يمثل ايضا ورقة توجيه وضغط على مسارات السياسات الاقتصادية في العالم وبالتالي على المسارات السياسية، اذ لا يمكن انكار ما تشكله الورقة الاقتصادية في لعب دور كبير بل قد يكون اساسياً في سياسات الدول ومستقبل الشعوب، وحول مستقبل الاتحاد الاوروبي في ظل طرح اليورو استطلع «الملف السياسي» اراء عدد من رجالات السياسة والاقتصاد بهولندا وبروكسل، للتعرف على تصوراتهم المستقبلية للاتحاد الاوروبي في هذا الاطار. تقول ليلبي ديك فيلد خبيرة العلاقات الدولية والباحثة بالشئون الاوروامريكية في هولندا، ان وجود عملة اوروبية موحدة يعني التحدث بلغة اقتصادية موحدة على وجه التطابق بين 12 دولة اوروبية قد تنضم لها بريطانيا وفقا للمؤشرات التي بدت مؤخرا، واذا ما نجحت دول اليورو بصورة حاسمة في انهاء المشاكل والاختلافات التي لاتزال معلقة في نسب التضخم والعجز بالموازنة، فإنها ستخرج في وقت قياسي ككتلة اقتصادية هائلة ستثير المخاوف لدى امريكا، ومجابهة امريكا بقوة اقتصادية اوروبية في العالم، انما ستؤثر في موازين القوى السياسية في العالم، فلو نظرنا بصورة مستقبلية قد لا تكون بعيدة تماما، ورأينا ان القوة الاقتصادية الاوروبية صارت هي الاولى في العالم ومن بعدها امريكا، وهي المتحكمة في المؤسسات المالية الدولية المانحة، وبالتالي المتحكمة في عمليات القروض والمنح والمعونات التنموية لبلدان العالم النامي والفقير لا امريكا، ولا تحاول من خلال ذلك التدخل في سياسات الشعوب الداخلية او فرض شروط مجحفة مقابل هذه المساعدات، ألا يعطي كل هذا تصوراً جديداً حول شكل الخارطة الاقتصادية، وبالتالي السياسية في العالم. ووصول اوروبا الى هذه المكانة من القوة الاقتصادية المجابهة لامريكا، سيجعلها من القوة للأخذ بمبادرة القرارات السياسية، وسيخول لها ادوارا سياسية جديدة في العالم، ويدفعها للتخلص التدريجي من التبعية كذيل لامريكا في اهم القرارات الحادثة الآن حتى تلك التي تخص الامن الاوروبي نفسه ويكفي ان اذكر مثلا للضغوط الامريكية على اوروبا في كل شئونها، اذ تمارس الآن امريكا ضغوطا على اوروبا للتخلي عن مشروعها الفضائي للمعلومات «جاليلو» والتي تعلق عليه اوروبا طموحات اقتصادية وعسكرية في مجال الحفاظ على سرية المعلومات وتشفيرها، وكذلك الحصول على المعلومات عبر الفضاء بما فيها المراقبة والتجسس، وبالطبع تبذل امريكا في ضغوطها تهديدات اقتصادية واخرى امنية عبر هيمنتها على حلف الناتو، ولو طمحنا ان العملة الاوروبية نجحت بقوة في تفعيل القوة الاقتصادية الاوروبية، واصبحت لها من الهيمنة على مراكز الثقل المالي والاقتصادي في العالم، وربطت بها مصالح الشعوب وافادتها في ذلك فمما لا شك فيه ان هذا سيساعد اوروبا نفسها على التخلص من براثن الهيمنة الامريكية وسيتضح هذا بصورة جلية اذا ما انضمت بريطانيا للوحدة النقدية الاوروبية، والتي تعد الشوكة الامريكية في حلقوم اوروبا فهي اكبر ذيل لامريكا. ويجب الاعتراف ان هذا ما تحاول اوروبا ان تفعله، وهو اعادة رسم الخارطة العالمية السياسية عبر القوة الاقتصادية، ولكن يجب ان نكون حذرين ولا نرى ان العملة الموحدة هي طوق سحري سيقفز بأوروبا في شتى مستويات القوة امام امريكا بل نؤكد ان امام اوروبا خطوات طويلة لتحقيق ذلك، لكن على اية حال ليس امراً مستحيلا. مسئولية امام الشعوب الاوروبية ويؤكد هانس ديلار الخبير السياسي لشئون الاتحاد الاوروبي ان اليورو كما هو تتويج لحلم عقود طويلة للقادة والزعماء الاوروبيين، انما يمثل في ذات الوقت عبئا ومسئولية امام الشعوب الاوروبية خاصة في الدول الاثنتى عشرة وهي فرنسا، المانيا، بلجيكا، ايطاليا، النمسا، لوكسمبورج، البرتغال، اسبانيا، فنلندا، ايرلندا، هولندا، بولندا، والتي دفعت ثمنا كبيرا حتى يتحقق هذا الحلم الاقتصادي من تقشف وضرائب وارتفاع اسعار، لذلك تتجه انظار هذه الشعوب الى الحصاد والثمار الحلوة التي يمكن ان تجنيها من وراء تحقيق هذه الوحدة الاقتصادية التي تعبر عنها ايضا وحدة العملة الاوروبية، لذلك سيجد قادة زعماء اوروبا انفسهم مجبورين على انتهاج سياسات اقتصادية تساعد على قوة اليورو، وتحقق في ذات الوقت جانبا وان كان مرحليا من طموحات الشعوب وأول ما ينتظره المواطن هو تحسن الدخول، انخفاض الاسعار، والقضاء على نسب البطالة بفتح اسواق عمالة جديدة. ونجاح العملة الاوروبية الموحدة في اثبات قوتها، ودفع الاقتصاد الاوروبي ومعدلات النمو للامام، سيدعم ثقة دول العالم الخارجي في القدرات الاقتصادية الاوروبية، وسيكون عامل جذب استثمارياً كبيراً، والخطوة التي ستعد نجاحا اوروبيا هي امكانية ربط اسعار البترول باليورو بدلا من الدولار، فاذا ما تحقق ذلك فإن السياسات النفطية في العالم سيكون لديها علاقات تبادلية مع اليورو، تؤثر فيه وتتأثر به وثقل دول انتاج النفط في الحقيبة السياسية كبيرة. ولذلك نجد البلدان الاوروبية تحاول التركيز على دول الخليج المنتجة للنفط، ودول بحر قزوين ومناطق تمثل حساسية واهمية امريكية، واذا نجحت اوروبا في هذا الامر سيعكس هذا ثقلا لعلاقات سياسية اوروبية مع هذه المناطق خاصة وان التجارب التاريخية ان المناطق المنتجة للنفط هي دائما بؤر للصراعات والحروب على مر التاريخ للاطماع التي تحوم حولها. تأثيرات ايجابية على الشركات الامريكية ويقول «مارتين فان دي ليوفين» مستشار مكتب الاحصاءات لدول اليورو بأن اليورو سيؤثر بصورة ايجابية على القوة الاقتصادية الاوروبية، وقد يكون المناخ ملائماً الآن لقوة اليورو نظرا للاوضاع الاقتصادية الامريكية السيئة، بل من المؤكد ان امريكا نفسها ستشهد انعكاسات ايجابية مع انطلاق اليورو واحتفاظه بقيمة مرتفعة، فسوف ينعش هذا الشركات الامريكية ذات الشراكة مع اوروبا، وسوف توفر الشركات الامريكية مبالغ كبيرة كانت بمثابة فروق التحويلات للعملات الاوروبية المحلية المختلفة، وقد يساعد هذا في تجاوز الشركات الاوروبية ايضا الشريكة مع امريكا لفجوات العجز التي تحدثها الآن الازمة الاقتصادية الامريكية حيث شهدت هذه الشركات الاوروبية تأثيرات ملحوظة وبصفة خاصة بعد احداث 11 سبتمبر الارهابية. واستطيع ان اجزم ان امريكا التي تراهن على فشل التجربة الاوروبية في العملة الموحدة سوف تغير وجهة نظرها في القريب العاجل، والمهم في هذا ان يقف البنك المركزي الاوروبي بجانب العملة الوليدة، والا يفصل نفسه عن الاوضاع الاقتصادية بدول اليورو الاثنتي عشرة متمسكا باستقلاليته في القرارات، بل يبذل الاجراءات والمساعي لمساعدة هذه الدول على خفض نسب التضخم ودفع معدلات النمو. ومن المؤكد ان قوة اليورو، ستشكل عاملا مهماً في القوة الاقتصادية الاوروبية، وبالتالي جذب الاستثمارات العربية والاسيوية، وارتباط مصالح هذه الدول بالمصالح الاوروبية، سوف يعطي دعما للمواقف السياسية في مواجهة الهيمنة الدولية لامريكا، كما سيشكل صعودا لتكتلات سياسية جديدة في العالم، وقد يغير من الخارطة السياسية بصورة فعلية في وقت تحاول فيه امريكا التحدث وكأنها الصوت الوحيد في العالم. ويقول ميشيل فان فوخول استشاري العلاقات الداخلية الاوروبية ان اليورو ليس نهاية لمشوار اوروبي طويل نحو الوحدة الاقتصادية والنقدية، بل هو في الواقع بداية لطريق طويل من الطموحات على دول الاتحاد ان تسلكه في حذر ودقة فكبريات دول الاتحاد الاوروبي في مقدمتها المانيا، تحلم بالخروج بمشروع الولايات المتحدة الاوروبية، وهو المشروع الذي ترى فيه اوروبا وصولا الى ما حققته الولايات المتحدة الامريكية من قوة، وقد حاولت اوروبا في السابق استلهام التجربة الامريكية ولكن ثبت ان المعطيات الاوروبية تختلف عنها في الولايات الامريكية، من حيث التاريخ، اللغة، الثقافة، المطامح والخلافات الاقتصادية، لذلك وجدت دول الاتحاد الاوروبي ان سياسة الخطوة خطوة هي الانسب للخروج بمشروع الولايات المتحدة الاوروبية، والذي سيكون هو التتويج الحقيقي لوحدة اوروبية متكاملة. لذلك فإن وجود عملة نقدية موحدة، وارتباط المصالح الاقتصادية الأوروبية داخل بوتقة واحدة من شأنه تذويب الخلافات الاقتصادية وعناصر المنافسة، والتي تعد العنصر الاكبر لشق جيب التوحد الأوروبي المأمول، ويكفي القول ان الاتحاد الأوروبي فشل كثيرا في توحيد سياساته الخارجية السياسية سواء حيال امريكا او غيرها من دول العالم بسبب المصالح الاقتصادية وتضارب هذه المصالح بين كل دولة أوروبية وأخرى، وهذا ما يؤكده خافيير سولانا منسق الشئون الخارجية للاتحاد الأوروبي، والذي المح في اكثر من مناسبة بأن دوره في لم شمل السياسة الخارجية انما تعرقله المصالح المتضاربة الأوروبية مع العالم الخارجي، والتي تحركها بالطبع العلاقات والمصالح الاقتصادية. ومن هذا المنطلق فإنه في حال زوال الخلافات الاقتصادية، فإن الخلافات السياسية ستزول في علاقات أوروبا الخارجية، وسيكون انصهار المصالح الأوروبية داخل بوتقة واحدة هو العامل الاكبر في ازالة الخلافات الاقتصادية وتضارب هذه المصالح مع الخارج، وبالتالي يمكن تصور الانعكاس الايجابي على لم الشمل السياسي سواء الداخلي او الخارجي الاوروبي، وتشكيل الاتحاد الاوروبي لقوة واحدة ضاربة امام امريكا، ويكفي الاشارة هنا الى ان القمم الاوروبية تشهد خلافات وانقسامات وتحدث فيها قمم صغيرة داخل قمم كبيرة، يمثلها كبريات الدول التي ترتبط بمصالح قوية مع امريكا وهذا يشتت الجهود الاوروبية الموحدة، لكن ارتباط دول اوروبا بمصالح اقتصادية واحدة، سيجعلها تستغني عن المصالح المنفردة العلاقات او الثنائية العلاقات سواء مع امريكا او غيرها من بلدان العالم، وبالتالي ستمثل أوروبا ثقلا سياسيا في العالم قد يغير من شكل الخارطة الآنية لموازين القوى. هولندا: اجرى الحوارات سعيد السبكي