يقصد بالنظام العربي الاقليمي في هذه الدراسة الإطار المؤسسي الرسمي وغير الرسمي للتفاعلات بين الأقطار العربية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، وهذا التعريف يعني أننا عندما نتعرض لدراسة النظام العربي الاقليمي فإننا لا نقتصر في دراستنا على جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة التابعة لها فحسب وإنما تمتد دراستنا إلى مستوى آخر من التفاعلات يشمل التفاعلات العربية على المستوى الأهلي غير الحكومي، والمستوى الثنائي الرسمي بين الحكومات العربية، ومن ثم فهذا التعريف يأخذ بالمفهوم الواسع لفكرة النظام العربي الإقليمي لعدة اعتبارات أهمها ما يلي: أولاً: إن التفاعلات العربية العربية لا تقتصر على التفاعلات التي تتم في نطاق جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة بل أننا نجد شبكة من التفاعلات تتم على المستويات الأخرى لا تقل في أهميتها إن لم تزد عن تلك التي تتم في إطار جامعة الدول العربية ذاتها. ثانياً: إنه في ظل الخلل الذي أصاب الجامعة العربية وأجهزتها المختلفة خلال الفترة السابقة، لأسباب عديدة بعضها يعود إلى الجامعة والبعض الآخر يرجع إلى الظروف الصعبة التي عاشتها المنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين لجأت الدول العربية إلى الإطار الثنائي بدليل وجود عدد كبير من اللجان المشتركة بين الدول الاعضاء تنعقد بصفة دورية، وأن كان بعضها منتظما في انعقاده فعالا في إنجازه والبعض الآخر غير منتظم من حيث الانعقاد ولم يصل إلى درجة الفعالية المطلوبة أو المأمولة، إلا أن إنشاء هذه اللجان بحد ذاته يعني أن ثمة اقتناعا بين الحكومة العربية على ضرورة العمل العربي المشترك وأن كان على المستوى الثنائي وربما رأي فيه البعض بديلا مؤقتا حتى يتم تفعيل جامعة الدول العربية. ثالثاً: إن الفترة الأخيرة قد شهدت ظهور العديد من التجمعات الأهلية العربية على المستوى العربي، والتي غطت كافة مجالات الحياة، الأمر الذي يعني من وجهة نظر الباحث أن الجماهير العربية، قد بادرت ببناء الأطر المؤسسية العربية غير الحكومية في محاولة لتجاوز العقبات التي تواجه العمل العربي المشترك على المستوى الرسمي، وهي بذلك تعبر عن وعيها العميق والأصيل بأهمية العمل العربي المشترك في كافة المجالات، وبأنه الإطار الذي يمكن أن تتحقق من خلاله المصالح العربية والآمال العربية المشروعة في الحرية والأمن والاستقرار والتنمية، بل إن ظهور هذه التجمعات في ظل الحملة التي واجهت أي عمل عربي خلال المرحلة السابقة يؤكد أن الجماهير العربية والإنسان العربي بحسه الأصيل كان أكثر وعيا من الكثير من المثقفين ورجال السياسة العرب، بوحدة الهدف والمصير والمصالح المشتركة التي تجمع العرب في كل مكان على الأرض العربية، كما أنها كانت أكثر قدرة على الاستجابة الموضوعية للمتغيرات التي طرأت في هذا العالم الذي يتشكل من حولنا الآن، ويفرض وسائل وآليات جديدة للتفاعلات الإقليمية ومن ثم يمكن أن نعرض للسيناريوهات التالية للنظام الإقليمي العربي بالمفهوم المتقدم. أولاً: على مستوى الجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة شهد العام الماضي تطورات هامة على هذا المستوى، إذ بدأ الانعقاد الدوري للقمة العربية في عمان، ومن المقرر انعقاد القمة الدورية الثانية في بيروت في مارس المقبل، كما شهدت أجهزة الجامعة عملية تطوير وتحديث متكاملة من خلال جهد الأمين العام الجديد للجامعة العربية، الذي حظى بإجماع من القادة العرب، وبدعم معنوي واضح من كافة الدول العربية، وحتى الآن لايمكن الحكم على مدى الإنجاز الذي تحقق فالرجل قد بدأ مهامه منذ فترة وجيزه وصادفته العديد من الأحداث الخطيرة على المستوى الإقليمي حيث اشتدت حدة السياسة القمعية الإسرائيلية تجاه الإنتفاضة الفلسطينية في ظل تغير السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي إنهيار عملية السلام في المنطقة كما جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها على المنطقة العربية لتزيد من تعقد الموقف، خاصة بعدما نجحت آلة الاعلام الأمريكية الصهيونية في وضع العرب في موضع الإتهام بالمسئولية عن هذه الأحداث، وبالتالي موقع الدفاع عن النفس ضد هذه الإتهامات، وهنا تبرز إحدى نقاط الضعف الهامة في مستوى التفاعلات العربية العربية بالجامعة العربية، فبدلا من أن يجتمع العرب في إطار مؤسستهم الإقليمية لتدارس الموقف والتوصل إلى استراتيجية عربية مشتركة للتعامل معه، إتجهت كل من الدول العربية إلى العمل الفردي، بعيدا عن مؤسسة الجامعة العربية، وهو ما يعكس أن هذه الدول لا تثق في فعالية التحرك الجماعي من خلال الجامعة أولا، أو على الأقل أنها كانت ترى أن المخاطر التي تواجهها تفوق قدرة الجامعة، وفي كلتا الحالتين كانت تقديرات الدول العربية غير صحيحة، لأن الواقع العملي قد اثبت أن العائد بين العمل الفردي لا يزيد أن لم يكن قد يقل عن العمل من خلال الجامعة، ولعل في هذا درس يجب أن تعيه القيادات السياسية العربية في المستقبل القريب والبعيد على السواء، خاصة بعد الهجوم الذي تعرضت له معظم الدول العربية من جانب الاعلام الغربي والأمريكي بما فيها الدول الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية، أو التي كانت تعتقد أنها كذلك، وقد وجهت بعض الإنتقادات للأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بأنه لم يبادر بالدعوة إلى عقد إجتماع لمجلس الجامعة لتدارس الموقف، ولكن الرجل على ما يبدو قد استشعر من موقعه أن الإتجاه العام للدول الأعضاء في التعامل مع الموقف هو العمل الفردي، ومن ثم لم يرد أن يحرج الدول الأعضاء والجامعة العربية بالدعوة إلى مثل هذا الاجتماع، واكتفى بتنظيم ندوة حول صراع الحضارات من أجل بلورة رؤية للدفاع عن العرب ضد الهجوم الأمني في الغرب شارك في هذه الندوة عدد كبير من المثقفين والخبراء العرب، وهو ما يدل على أن الأمين العام أراد أن يخرج من الفضاء الرسمي المقيد للحركة العربية إلى الإطار غير الرسمي الرحب، الذي قد يوفر على الأقل إطاراً للتفكير للتحرك العربي في المستقبل أو عندما تسمح الظروف. والواقع إنه من الواضح أن الأمين العام الجديد يتجه صوب هذا الإتجاه لتفعيل الجامعة العربية من خلال محاولة خلق روابط وقنوات إتصال بينها وبين الجماهير العربية صاحبة المصلحة الأصيلة في العمل العربي المشترك، ولعل في قراره فتح حساب في أحد البنوك بإسم الجامعة العربية للتبرعات الشعبية للإنتفاضة الفلسطينية في الأراضي العربية المحتلة ما يدل على ذلك، فهو بمثابة إجراء رمزي في هذا الإتجاه. من ناحية أخرى انتظمت اجتماعات أجهزة ومنظمات العمل العربي المشترك خلال عام 2001 وكان أبرزها اجتماع مجلس الوحدة الاقتصادية في بغداد والذي أقر إنشاء منطقة للتجارة العربية الحرة بين عدد من الدول العربية بحيث تسبق في عملها منطقة التجارة العربية الحرة الموسعة. كذلك كان اجتماع وزراء الاعلام العرب في إطار الجامعة العربية عام 2001 إجتماعا هاما إذ تبنى لأول مرة استراتيجية اعلامية عربية للدفاع عن العرب ومواجهة الحملات الاعلامية الصهيونية المستمرة والتي شوهت من صورة الإنسان العربي والدول العربية، وأن كانت عملية التنفيذ لازالت في مراحلها الأولى. ومن ثم فعلى مستوى الجامعة العربية جرت بعض المحاولات لتفعيل العمل العربي المشترك وزيادة فعالية التفاعلات العربية العربية في نطاق الجامعة وأجهزتها، وهو ما يعني الرفض العربي الرسمي لكافة الأراء التي طرحت من قبل حول عدم جدوى الجامعة، وبالتالي فالسيناريو الأقرب للمصالح العربية عند هذا المستوى هو زيادة المحاولات العربية في هذا الإتجاه وعدم اليأس من إستمرارها مهما كانت السلبيات والعقبات التي تواجه هذا الإتجاه لأن البديل عن هذا الإتجاه بديل يحتوي على الكثير من المخاطر والمشكلات. ثانياً: على مستوى التفاعلات العربية العربية الثنائية شهد هذا المستوى تحسنا واضحا خلال عام 2001، إذا إستمر انعقاد اللجان الثنائية المشتركة التي كانت منتظمة في الأعوام السابقة ، كما انعقدت بعض اللجان التي كانت معقدة، ولم يشهد العام 2001 أي خلافات ذات شأن بين الدول العربية، بل نستطيع القول بأن عام 2001 هو عام تهدئة الخلافات العربية نسبيا مقارنة بأعوام سابقة، وذلك بإستثناء ما حدث في قمة عمان من خلاف بين العراق والكويت والسعودية، وهو الخلاف الذي اضاع على العالم فرصة ثمينة للاستعادة الكاملة لروح التضامن وتضميد جراح الماضي، وبالرغم من هذا فقد إزداد عمق التفاعلات العربية العربية الثنائية، خاصة مع العراق، الذي قام بعقد عدة اتفاقيات مع عدد من الدول العربية لإنشاء مناطق للتجارة الحرة، كما إزدادت خلال العام الماضي العلاقات التجارية بين عدد من الدول العربية، وإزدادت تدفقات الأموال نسبيا بين الاقطار العربية للإستثمار وإقامة المشروعات المشتركة وأن كانت لم تصل إلى ما هو مأمول إلا أننا يجب أن نقيم ما حدث عند هذا المستوى وفقا للأوضاع السابقة ووفقا للظروف الضاغطة المحيطة بالعمل العربي المشترك، ومن ثم وفي هذا الإطار للتقييم يمكن القول بوجود تحسن نسبي لهذه التفاعلات عند هذا المستوى وأن كانت لم تصل إلى ما هو ممكن أو ما هو مأمول. وبالتالي فالمتوقع أن يحدث تحسن أفضل في المرحلة المقبلة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها، وبروز المخاطر التي تتعرض لها الاموال والاستثمارات العربية في الخارج، بل وظهور نوع من العداء لهذه الاستثمارات في الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ومن ثم فلابد من مبادرة منظمة من جانب الحكومات العربية لجذب رؤوس الأموال العربية المستثمرة في الخارج والتي وصلت في آخر التقديرات الى 1300 مليار دولار، وأحد عناصر الجذب التي توفر الاطمئنان والأمن لانسحاب هذه الاموال أن تكون مجالات الاستثمار موزعة في الدول العربية في المجالات التي تتوافر فيها مزايا نسبيه وتنافسية لكل دولة من الدول العربية. ثالثاً : على مستوى التفاعلات العربية العربية الأهلية غير الحكومية إزدادت التفاعلات العربية العربية الأهلية غير الحكومية، حيث توحدت مواقف المنظمات الأهلية العربية تجاه مساندة إنتفاضة الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، كما برز نوع من أنواع التنسيق بين المنظمات الأهلية العربية غير الحكومية في مجال مواجهة سلبيات منظمة التجارة العالمية إذ نظمت عدة اجتماعات قبل انعقاد مؤتمر المنظمة بالدوحة للإسهام في بلورة رؤية عربية مشتركة لاعادة بناء تشكيل أسس النظام الاقتصادي العالمي، بعدما تبين أن هذا النظام الذي بدأ تدشينه في التسعينات قد جاء لتحقيق مصالح الدول المتقدمة أو دول الشمال على حساب دول الجنوب كما شهد هذا العام إنشاء منظمة للمرأة العربية، وانعقدت دورات الإتحادات العربية المختلفة، لتدارس المواقف المتغيرة في عالم اليوم والمؤثرة على المصالح العربية، هذه التفاعلات توفر في واقع الأمر البنية الأساسية الأولية للعمل العربي المشترك في المرحلة المقبلة ومن ثم فلابد من رعايتها وترسيخها وتدعيمها، وتحويل قراراتها إلى واقع مادي ملموس، وفتح مجالات جديدة لنشاطها، تتلاءم واحتياجات الإنسان العربي في هذا العصر، والواقع أن هذه الدائرة تعد الدائرة الأساسية للعمل العربي المشترك أو أن شئت فقل إنها دائرة المستقبل ومن ثم لابد من توفير كافة الوسائل والسبل لدفعها وتطويرها ولكن بعيدا عن الخلافات العربية الرسمية والتعقيدات البيروقراطية العربية ونقول إنهها دائرة المستقبل لأن الأفكار المتعلقة بالعمل الإقليمي الجديد أو الإقليمية الجديدة ترتبط في واقع الأمر بدائرة العمل الأهلي غير الحكومي باعتبار أنه يساعد على توفير الأرضية المشتركة والمصالح المشتركة التي يمكن أن يقوم عليها أي عمل إقليمي مشترك. وأخيراً فإننا نقول إن مستقبل العرب شعوب ودول يرتبط إرتباطا وثيقا بمستقبل النظام العربي الإقليمي بالمفهوم المتقدم، حقيقة هناك عقبات تواجه هذا النظام وهناك سلبيات لا يمكن إنكارها إلا أنه ووفقا لأي معيار علمي أو موضوعي يمكن الاستناد اليه في التحليل فإن أيا من الدول العربية لا تستطيع تحقيق مصالحها أو الحفاظ على أمنها بعيدا عن هذا الإطار العربي، وأن تحقيق المصالح العربية والحفاظ على أمن الدول العربية يرتبط بمدي القدرة على تفعيل النظام العربي الإقليمي للوصول إلى مرحلة ما هو ممكن على الأقل كخطوة على الطريق إلى ما هو مأمول، وأن هذا هو الإطار الذي يجب أن نتجه إلى التفكير فيه. بقلم: د. محمد سعد أبو عامود _ استاذ العلوم السياسية - القاهره