انفضت قمة مجلس التعاون الخليجي الثانية والعشرين ببيان ختامي تقليدي تحدث عن الشئون الاقتصادية والسياسية والبيئية والقانون والشئون العسكرية والأمنية والتعليم، والمسائل الخارجية مثل العراق وايران واضيفت هذه المرة اليمن وافغانستان، ومسألة الارهاب. لم تكن القمة الاخيرة التي عقدت في العاصمة العمانية بين 3031/12/2001م استثنائية في قراراتها وتوجهاتها بل هي امتداد للقمم السابقة واستمرار لها في طريقة وآلية التعاطي مع القضايا الداخلية والخارجية. الا ان ما يلفت في قمة مسقط بعض المسائل الهامة منها كلمة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز واشراك الجمهورية اليمنية في بعض مؤسسات المجلس وكيفية التعاطي مع قضية الارهاب وغسيل الأموال، اضافة للجانب الاقتصادي الذي كان محورا رئيسيا من محاور القمة. لقد درج ولي العهد السعودي على القاء كلمة في القمم التي ترأس فيها وفد بلاده، بيد أن الكلمة التي القاها في الجلسة المغلقة الاولى يوم الافتتاح هي كلمة غير مسبوقة واثارت جدلا في العديد من الاوساط الخليجية الرسمية منها والأهلية، خاصة حين أكد «بأننا لا نخجل من القول إننا لم نستطع بعد ان نحقق الاهداف التي توخيناها حين انشاء المجلس ومازلنا بعد أكثر من عشرين سنة من عمل المجلس نسير ببطء لا يتناسب مع وتيرة العصر». ان هذه اللهجة في كلمة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز تجيء في وقت يطالب فيه المواطن الخليجي قادته بالارتقاء في الاداء العام لهذه المنظومة، حيث ان المنطقة جزء من هذا العالم الذي يمور بتغيرات سريعة الوتيرة ولا تنتظر المترددين أو المتقاعسين في انجاز طبيعة ومتطلبات المرحلة. وقد لامس ولي العهد السعودي مطالب الشارع الخليجي وملاحظاته حين قال «لم نصل بعد الى انشاء قوة عسكرية واحدة تردع العدو وتدعم الصديق، ولم نصل بعد الى السوق الواحدة ولم نتمكن بعد من صياغة موقف سياسي واحد نجابه به كل الأزمات السياسية» وذهب بعيداً عندما الى اشار الى «ان تمسكنا المبالغ فيه بمفهوم السيادة التقليدي هو الذي يقف حجر عثرة أمام مساعي التوحيد». ولم يجد المواطن الخليجي من يشجعه على تبني موقف الأمير عبدالله، فرغم الأهمية الكبيرة للمواضيع التي ناقشتها القمة، الا ان الملاحظ هو البطء الشديد في التنفيذ. فالاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي اقرت قبل عشرين عاما تعاني من اشكاليات كبيرة، وعراقيل لا تحصى لتنفيذ وتجسيد بنودها، وفي احسن الاحوال طبق منها ما لا يتجاوز نسبة الـ 45 بالمئة من بنودها، فلا تزال التجارة البينية ضعيفة ومتواضعة ولا تزيد على نسبة 7 بالمئة من اجمالي تجارة دول المجلس. واللافت ان هذه النسبة لم تتطور منذ سنوات طويلة، ويبدو ان السبب يعود الى تشابه المنتجات والسلع المصنعة في الدول الست لدرجة ان المنافسة حلت مكان التعاون والتنسيق، الامر الذي يقلص مساحة السوق، ويعرض هذه المنتجات لخطر المنافسة الخارجية والاغراق الذي بدأت بعض ملامحه تتعزز ازاء بعض المنتجات. واذا كنا في عصر يتسم بالتكتلات الاقتصادية الكبرى مثل السوق الاوروبية المشتركة والاتحاد الأوروبي ومنطقة «اليورو» التي انطلقت مع مطلع السنة الجديدة واتفاقيات الاسيان، والنافتا، فان دول المنطقة لا تزال، وبعد عشرين عاما على قيام المجلس تعاني من ضعف في المشاريع المشتركة، وفي عملية انسياب السلع والبضائع، وفي تنقل البشر، وفي المواصلات، وشبكات الربط الكهربائي، وغيرها من المشاريع الكبرى التي تفرض معادلات جديدة تكون فيها استقلالية كل دولة وسيادتها المفرطة، حديث معرقل للتطور الموضوعي الذي تفرضه معطيات العصر. فحتى الآن، لا يسمح للمصارف الخليجية بفتح فروع لها في بلدان المجلس، اللهم الا بعض الاستثناءات الوحيدة، ولا تزال بعض الدول ترفض مشاركة المواطن الخليجي في اسهم المصارف الوطنية، ولا تزال اسواق الاوراق المالية تعمل منفردة وبدون استراتيجية، كما ان شركات الطيران تعاني من تحديات تجعلها خاسرة في معظم الاحيان، نظرا للمنافسة الشديدة بينها، فقبل عشرين عاما كانت هناك ثلاث شركات طيران، وبدلا من ادماجها في شركة كبرى واحدة، انشأت ثلاث شركات طيران اخرى لتصبح المنافسة على اشدها، ويصبح الحديث عن تحقيق ارباح امراً صعباً لهذه الشركات ان ، والامر لا يختلف كثيرا مع بعض الصناعات الكبرى مثل احواض اصلاح السفن، ومصانع الالمنيوم والصناعات البتروكيماوية. بمعنى، ان الاستراتيجية الاقتصادية التي يسير عليها مجلس التعاون الخليجي تعاني من قصور في الرؤيا، وهي في أحيان كثيرة يصعب تسميتها بالاستراتيجية كون التفكير الراهن لا يتجاوز عملية تلميع كل دولة وان كان على حساب الاخرى، وان جرّ ذلك الى استنزافات مالية. ان ذلك يقود الى اشكالية تنويع مصادر الدخل. فالدولة الخليجية لا تزال تعتمد في مواردها على النفط وهذا الاخير اصبح عرضة لتقلبات شديدة. اذ لايزال الانهيار الذي حصل في العام 1998، يذكر المواطن والمسئول على حد سواء بالارباك والعجوزات التي تعرضت لها موازنات بعض دول المجلس وما تبع ذلك من تقشف تركز صوب تجميد المشاريع الاساسية، وتوقيف التوظيف في المؤسسات الحكومية الخليجية. وتواجه دول المجلس شبح أزمة مثيلة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتراجع الطلب العالمي على النفط وزيادة المخزون الامريكي منه، حيث فقد خلال الربع الأخير من السنة المنصرمة ثلث سعره، فمن متوسط 25 دولارا للبرميل، تراجع السعر الى ما بين 17، 18 دولارا للبرميل، وهذا يقود الى تساؤل مشروع حول المدى الزمني الذي يمكن لدول التعاون الاعتماد الكلي على النفط في تحريك كل مجالات الاوضاع الداخلية. كما يثير تساؤلا حول حجم المصروفات الدفاعية التي تقدر بعشرين مليار دولار سنويا، وتلتهم موازنات الدفاع والأمن قرابة 40 بالمئة من الموازنات العامة على حساب التطبيب والتعليم والخدمات العامة. أما العمالة والوضع الديموغرافي في دول المجلس فانها اشكالية اخرى. فبالرغم من القرارات المتكررة للمجلس الاعلى لدول التعاون حول انتقال العمالة المواطنة، الا ان هذا القرار لم يفعل، ولايزال المواطن الخليجي يواجه احتمالات أزمة حادة في مسألة البطالة وما تعكسه من اثار اجتماعية خطيرة. فالعمالة الوافدة لاتزال تشكل أكثر من 70% من اجمالي العمالة في دول مجلس التعاون، والاغلبية الساحقة من العمالة الوافدة هي من جنوب شرق اسيا، واغلبها غير مدربة، مما يفرض عملية تدريبها، في الوقت الذي تحتاج فيه دول المجلس الى تدريب ابنائها الذين بدأوا يقفون صفوفا وطوابير امام مكاتب الباحثين عن عمل. ان معالجة الوضع الديموغرافي يفرض ويجر الى معالجة العمالة، وهذا لا يكون الا باستراتيجية عمالية موحدة. وربما يكون من حسن الطالع قرار اشراك الجمهورية اليمنية في هذا المكتب الى جانب الصحة والتعليم ودورة الخليج الرياضية. فالعمق البشري الاقرب هو في اليمن وليس في جنوب آسيا والأكثر صحة وقدرة على الاستمرار ولتخفيف عبء تبعات التغيير الديموغرافي في المنطقة، هو الاعتماد بشكل متزايد على العمالة اليمنية وفق ضوابط وشروط واضحة، تسهم في حل مشكلة البطالة في اليمن، من جهة، ونساعد على حل المشكلة الديموغرافية في دول مجلس التعاون الخليجي من جهة اخرى. نخلص الى القول بأن القمة الخليجية الثانية والعشرين، وبقرارها تقديم موعد الاتفاقية الجمركية الموحدة الى العام 2003، وتشكيل مجلس للدفاع، خطت خطوات مهمة نحو السوق المشتركة، ولكن تبقى العديد من المجالات بحاجة الى تفعيل وخاصة مشاركة المواطن الخليجي في صياغة القرار السياسي عبر تطوير مؤسسات المجتمع المدني وخلق السلطة التشريعية المقررة والضرورية لهذه المشاركة. بقلم: رضي الموسوي ـ كاتب بحريني