عندما يكون الثمن هو حياة شعب.. ربما تعاد الصيغ.. ونختلف في كيفية التطبيق لكننا حتما لن يقف كلانا ضد الآخر ليكون الفائز هو العدو.. وإذا كانت أحلامنا في التحرر منذ بدأت قد كتبناها بالدم على كل شبر من أرض فلسطين.. فإن شعبها الباسل لن يسمح بان تراق دماؤه الغالية بأيدي اخوته في العروبة والأرض والدم.. هذا ما فعلته حماس عندما أعلنت في بيانها الصادر مؤخرا الوقف الشامل للعمليات الفدائية والكفاح المسلح استجابة لنداء الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لاتخاذ موقف جماعي وشامل من أجل إنقاذ الشعب الفلسطيني الأعزل من عمليات التنكيل التي يتعرض لها على يد العدو الصهيوني.. وحتى تفوت الفصائل الفلسطينية الشعبية على حكومة شارون محاولة إشعال الفتنة والحرب الاهلية بين حركات التحرر الفلسطيني وبين السلطة الفلسطينية.. ورغم إن بعض المحللين قد يرون أن إيقاف العمليات الفدائية هو نوع من التخاذل الفلسطيني وانتصار لحكومة شارون ولكن هناك من ينظر إلى الكفاح المسلح باعتباره مرحلة فائتة وأن القضية الفلسطينية ينبغي أن تتخذ أشكالا أخرى من الكفاح.. قد تختلف مع استخدام السلاح كما حدث في انتفاضة الثمانينيات.. والأهم الآن هل توقف عمليات الكفاح المسلح يعنى أن زمنها قد ولى أم أن ما يحدث هو مجرد هدنة واعاده الحسابات والتقاط الأنفاس.. الواقع الفلسطيني ربما يدفع البعض إلى التفكير في مغزى هذه الخطوة الغامضة من جانب الفصائل الفلسطينية مثل حماس التي طالما رفضت باستماتة وقف أي شكل من أشكال الكفاح حتى ولو كان مسلحا ضد المحتل خاصة وأنها تعتبر القضية لن تحل إلا بالكفاح المسلح المتواصل الخبير السياسي المصري هذا ما يثيره الدكتور أحمد يوسف كملاحظة أوليه لقراءة الوضع الذي تعيشه القضية الفلسطينية ولا يستبعد أن يكون هذا التوقف المبدئي والمعلن أنما هو موقف تكتيكي وليس إستراتيجياً.. وهذا يعنى بالضرورة أن الأمر لا يتعدى كونه عرضاً قد يزول بزوال أسبابه فالضغط الذي مورس على السلطة الفلسطينية والشعب دفع الرئيس عرفات إلى القبول ربما رغما عنه بتوقف الكفاح المسلح ودعوة جميع الفصائل إلى اتخاذ نفس الموقف بعد تزايد عمليات التنكيل بالشعب الفلسطيني والذي طال حتى أعضاء السلطة الفلسطينية.. أما الملاحظة الثانية الجديرة بالذكر أن الحديث أو التكهن بأن وقف العمليات الفدائية من جانب حماس أو الجهاد الإسلامي لا يعنى بالضرورة وقفاً نهائياً للكفاح المسلح.. وأنما قد يعنى أن القضية الفلسطينية تمر بمنعطف حرج قد يدفعها إلى ابتكار أشكال جديدة من الكفاح وربما يكون الكفاح المسلح في ذيل القائمة في الفترة المقبلة فحركات التحرر العالمية كثيرة ويمكن الاستفادة منها فالكفاح المسلح ليس في حد ذاته غاية وانما وسيلة من وسائل التحرر الوطني.. كما حدث في جنوب أفريقيا فقد بدأت حركتها التحررية بالكفاح المسلح ولكنها توقفت لفترة اعقبتها أشكال أخرى ضاغطة مثل العصيان المدني وربما أكثر له اثر قد لا يحققه في نموذج مشابه، ولكن الأعباء التي ترتبت على الكفاح الملح في الأراضي المحتلة لم يتحملها الشعب ولا السلطة الفلسطينية مع المساعدات العربية المحدودة مقارنة بالمساعدات التي تغدقها أمريكا على إسرائيل.. والأمر لن يتوقف كما يؤكد الدكتور أحمد يوسف عند حد الدخول مع الإسرائيليين في مفاوضات سلمية فالتجربة أثبتت أن المفاوضات بدون ضغط شعبي لن تكون ذات قيمة لان ميزان القوة مازال مختلا لصالح إسرائيل ولو تركت القضية الفلسطينية لواقعها الراهن لن يكون هناك تحرر ولا دولة فلسطينية معلنة إذن ينبغي أن تعي السلطة الفلسطينية وكافة الفصائل المجاهدة الأخرى ضرورة استغلال الوقت فيما يفيد حركة التحرر الفلسطيني الوطني بحيث لا تمر فترة الهدنة والتوقف بلا فائدة وبدون استفادة حقيقية، وأن ننتهز فرصه تضميد الجرح الفلسطيني في بلورة أشكال أكثر ايجابية وملائمة مع الظروف التي يمر بها الشعب الفلسطيني داخل أراضيه المحتلة.. والأمر الأكثر أهمية من وجهة نظر الدكتور أحمد يوسف الاستفادة من أخطاء الماضي سواء على الجانب الفلسطيني أو على الجانب العربي ومحاولة لم الشمل العربي وتكثيف الجهود العربية واستغلالها بصورة اكثر فاعلية لتكون سندا حقيقيا وعونا للقضية الفلسطينية وشكل من الأشكال الجديدة التي يمكن استخدامها في المرحلة المقبلة فعندما يلتف العرب حول مقاطعة عربية صارمة ومحكمة ضد إسرائيل فهذا النوع من الحرب الاقتصادية قد يصل تأثيرة إلى أبعد مما قد يخلفه قتل بعض المدنيين الإسرائيليين.. ورغم أن توقف العمليات المسلحة قد يبدو أمرا ملحا في الظروف الراهنة كما يقول الدكتور أحمد يوسف الا أنه لا يعنى بالضرورة تغيراً في مستقبل القضية خاصة في المستقبل القريب وفي ظل حكومة شارون المتعنتة.. ولذلك فليس من المستغرب أن نرى الكفاح المسلح يعود بعد فترة لن تطول طالما لم يحدث أي تقدم يذكر يوازي التنازل الفلسطيني.. وربما يعود هذه المرة أكثر عنفا من ذي قبل كنوع من رد الفعل على الغطرسة الاسرائيلية.. وأكثر ما يحرك ويفيد حركة التحررالفلسطينى هو التكاتف العربي حول هدف واحد فلا خلاف أن القضية الفلسطينية في حاجة إلى مزيد من التكاتف العربي كورقه ضاغطة في زمن تتعدد فيه الوسائل لتحقيق غاية واحدة. تخاذل غير مبرر من يريد أن ينكر حق الشعب الفلسطيني فى كفاحه ضد المحتل؟ أليست إسرائيل العدو.. اليست الاعراف الدوليه ومباديء حقوق الانسان هى التي أقرت حق الشعب المحتل فى الكفاح المسلح لحين اعلان تحرره.. فلماذا اذن يريدون أن يوقفوا كفاح شعب ضحى بكل شيء من اجل التحرر. هذا ما يصفه النائب الناصري حمدين صباحى ـ عضو مجلس الشعب ـ بالتخاذل غير المبرر فلا مستقبل للقضية الفلسطينية بدون كفاح مسلح وما جرى على الساحة الفلسطينية لا يعبر صراحة عن الاختيار الفلسطينى لكنه مع الاسف رضوخ للصهيونية الأمريكية، واذا كان عرفات يبرر هذا الموقف المتخاذل بانه نوع من اعادة التوازن للقضية الفلسطينية ولم الصف الفلسطينى فالشعب غير ملزم بهذا الرضوخ.. ولا ينبغى النظر الى القرار الذى اصدرته حماس أو غيرها فهو لا يزيد عن توقف تكتيكى ومرحلى أكثر منه موقف مبدئى بالتخلى عن الكفاح المسلح وهدفه الرئيسى تفويت الفرصة على حكومه شارون التى تتمنى أن تنشب حربا أهلية تفقد القضية الفلسطينية قيمتها وتتحكم اسرائيل فى الامور.. وبنظرتشاؤمية يقول حمدين صباحى بالافتراض المحض ان موقف حماس أو الجهاد الاسلامى هو التخلى فعليا عن الكفاح المسلح فهذا لا يعنى أن هذا القرار والموقف هو ملزم للشعب الفلسطينى لان ارادة الشعب أقوى من قرارات السلطه والفصائل والمنظمات الفلسطينية جميعها.. ويقينى أن المقاومة بكل أشكالها المدنية والمسلحة هو اختيار شعبى بالاساس تعبر عنها منظمات بعينها وغيرقابل للالغاء.. واذا كنا فى وقت قد فرضت على الشعب الفلسطينى ترك السلاح فالاشكال الاخرى لا ينبغى أن تتوقف فكل وسيله تساند الاخرى.. وان كان يجب التأكيد أن ايقاف المقاومة المسلحة يؤدى الى اضعاف الموقف الفلسطينى جملة بما فيه موقف عرفات نفسه فقيمة عرفات تتوقف أن هناك وراءه من يقاتل فاذا توقف القتال سحبت عناصر القوة والضغط السياسى من تحت يديه خاصة وأنه يتعامل مع عدو غير أخلاقى من اهم صفاته نقض الوعود والمواثيق مهما كانت القيود أو العقوبات.. واذا أراد عرفات ان يكون بصدق المعبر عن نبض شعبه عليه أن يسعى الى أن يكون ديمقراطيا لمرة واحدة فربما هذا ما ينقذة ويحسن صورته المشوهة فهو فى حاجة الى تشكيل حكومة وطنية تمثل كافة الفصائل الشعبية يكون لها القرار فى كل الامور التى تتعلق بالكفاح وحتى يتسنى له فى حالة اعلان الدوله الفلسطينية يدا واحدة أمام عدو لايحترم تعهداتة وينتهز كافة الفرص من أجل الانقضاض والتخريب والقتل والدمار.. واخيرا فالكفاح المسلح لم ينته زمنه ولن يكون من التراث طالما هناك قضية فلسطينية وهناك ارض محتلة وحتى لو تخاذل الشعب الفلسطينى عن كفاحه ضد العدو الصهيونى ـ وهذا من المستحيلات ـ فلابد ان تفرز الشعوب العربية من من يقود الشعب الفلسطينى الى النصر ويحرره من المحتل. شر لابد منه لكن الدكتور وحيد عبد المجيد ـ الخبير الاستراتيجى بمركز الدراسات السياسية بالاهرام ـ يرى الامر مختلفا فالوضع الدولى المتشابك والضاغط على السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطينى من ناحية أخرى يدفع الامور الى اتخاذ هذا الموقف الذى ربما يفسره البعض تخاذلا الا أنه فى حقيقة الامر ليس الا شر لابد منه خاصة مع وهن السلطة الفلسطينية والتخاذل العربى المتزايد، وكان من الحكمة أن يقوم الرئيس عرفات فى الوقت الحاضر بتفويت الفرصة على اعدائه من شن حرب نفسية قد تؤدى الى أزمة لا يعلم مداها الا الله، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان الهدنة من شأنها تساعد على التقاط الانفاس وتجاوز العاصفة وتعطى المجال لمعالجة الأزمة الاقتصادية التى تمر بها السلطة الفلسطينية والشعب فى ظل حصار دام أكثر من عام وقلة العائد الذى تقدمه الدول العربية مع تفشى البطاله بين آلاف الشباب الفلسطينى.. ولكن هذا لا يعنى ان الكفاح المسلح سيندثر انما ربما سيعود فهو أحد أهم اشكال الكفاح ضد المحتل وكل حركة تحرير لابد وان تستخدم الاسلوبين سواء كان كفاحا مسلحا أو مدنيا.. وهذا التوقف لا ينبغى أن يدفعنا للتشاؤم فقد حدث اكثر من مرة أن تم تجميد الكفاح المسلح الفلسطينى لفترات طويلة لكنه عاد من جديد.. وكما يقال فى المثل العربى «ان كل وقت وله آذان».. والامريعود برمته الى الفلسطينيين أنفسهم هم القادرون على تحديد الوسيلة المناسبة للتحرر ووفقا للظروف الملائمة سيكونون مستعدين أما لمواصلة كفاحهم المسلح وتحمل كافة الاعباء والنتائج أو استخدام اشكال أخرى ربما تؤتى ثمارها على المدى الطويل ولكنها بلا خسائر ضخمة فى الارواح كما حدث طوال عام وأكثر من النضال المسلح.. انحناءة للريح العاتية ويدعو السفير طه الفرنوانى وكيل وزارة الخارجية سابقا الجميع الى عدم فهم القرار الفلسطينى على أنه نوع من الردة عن النهج التحررى والكفاح الذى استمر لاكثر من خمسين عاما ماضية لكن الامور عندما تتعقد يكون الحل لها فى بعض الاحيان القليل من التنازل حتى تمر الريح العاتية، وما فعله عرفات وما استجابت له الفصائل الفلسطينية الاخرى لم يكن سوى انقاذ ما يمكن انقاذه فلن نفرح اذا تم القضاء على الشعب الفلسطينى وفجأة لا نجد من يحرر الارض المحتلة وتصبح اسرائيل هى الفائز الوحيدوالشعوب العربية هى الخاسر.. وفي الوقت هذا لا يعنى اننى اوجه دعوة للتخاذل العربى أو الفلسطينى وانما استشعر أن هذه الهدنة لن تستمر كثيرا فليس من طبع الشعب الفلسطينى التخلى عن قضيته أو أرضه حتى ولو فاقت الضغوط كل احتمال ولكن هذه الهدنة من شأنها أن تعرى الصهاينة والولايات المتحدة الأمريكية أمام العالم أكثر من ذى قبل وحتى لا تصبح هناك حجة أو مبرر للاسرائيليين ابادة الشعب الفلسطينى الاعزل والذى يعرفه العالم كله ولكنه من آن الى آخر يحب أن يتناساه حتى لا يشعر بالذنب ولا يضطر الى قطع علاقاته مع اسرائيل وهنا امريكا واسرائيل هما وجهان لعملة واحدة فمن يغضب اسرائيل فكأنما اغضب أمريكا.. والامر المؤكد أن زمن الكفاح المسلح لم ينته وسيظل هو العصا السحرية التى ستضرب على كل الاشياء لتفتح قاعات المفاوضات ويعلن الاعداء أن الروح العربية ليست بغالية على التراب الفلسطينى ولكن بشرط أن يكون هناك فى النهاية من يجلس على هذه الارض ويقول هذه هى أرضنا العربية الفلسطينية المحررة. القاهرة ـ مكتب «البيان»: