اقتحم «بيان الأربعاء» خلوة الدكتور عاطف العراقي استاذ الفلسفة وقطع عليه العزلة التي اختارها بسبب احباطه من المناخ الثقافي العام، خاصة بعد أزمة وقوفه امام محكمة الجنايات في قضية غريبة اتهمه فيها محام مغمور عام 1995 بايذاء مشاعره الدينية. وكان الحوار التالي مع د. العراقي صاحب المؤلفات المهمة في الفلسفة العربية والاسلامية والعديد من الجوائز كان اخرها جائزة الدولة للتفوق العام الماضي، ووسام العلوم والفنون والاداب من الطبقة الأولى، كما انه استاذ زائر للفلسفة بالعديد من الجامعات العربية والأوروبية. ـ بداية اذا أردنا تشخيص الواقع الثقافي والفكري العربي.. ماذا تقول؟ ـ للأسف، هذا مادفعني للقول في أكثر من مناسبة.. ليت العالم العربي يصبح قطعة من أوروبا، ولا اقصد طبعا الناحية السياسية وانما الناحية الفكرية، صدقني اذا قلت في أي مجال أن الريادة الآن للغرب، ونحن نعيش عالة عليه. هل سمعنا عن طريقة فلسفية منذ وفاة ابن رشد منذ ثمانية قرون؟ هل سمعنا عن نظرية نقد عربية في العصر الحديث؟ لن تجد الا ثمارا غريبة، هذا مرتبط بعدم وجود ابداع حقيقي، والسبب ان الابداع الحقيقي محاصر بمحظورات مختلفة، اما سياسية أو دينية. الخ، والمثقفون انفسهم يتحملون عبئا كبيرا لانهم لا يريدون تحمل الشجاعة والمواجهة، ربما حفاظا على مكاسب صغيرة أو مناصب زائلة، لذلك أقول باستمرار لا تنتظر أي ابداع من أصحاب المناصب، ولو استقرأنا الأعمال الفكرية لانجد جهدا متميزا يقدمه صاحب منصب، في الوقت الذي تجدهم يمنحون الجوائز، وعندما تتابع مايكتبونه في الصحف والمجلات لا يتجاوز تصفية الحسابات. معوقات الابداع كثيرة والعيب في المثقفين أنفسهم لا السلطة السياسية التي تتحمل جانباً واحداً في هذه الأشكالية، ومع تصفية الحسابات تعيش في مجتمع الصراصير لا النمل، لأن الصرصار يتقاتل مع غيره انما النمل والنحل يتعاون كل فرد فيه مع الآخر. والنتيجة الحال أصبح غير الحال، ففي منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين كانت معاركنا أفضل بكثير، وموضوعية الى حد كبير، الآن لدينا ظاهرة عملقة الاقزام ونتفنن في كيف نجعل من القزم عملاقا بطريقتين اما بالاعلام أو بالسلطة. أنا أنظر بأسى شديد لما وصل اليه العالم العربي. الشماعة ـ ألا تشكل التحديات الخارجية والتقلبات الدولية عاملا مساعدا في تردي تلك الأحوال التي تحدثت عنها؟ ـ أكون صريحا وأقول ابحث في الداخل قبل أن تلقى المسئولية على أي شئ خارجي، فنحن العرب تعودنا البحث عن شماعة الخارج، وليس من المنطقي الآن الحديث عن الغزو الثقافي فذلك وهم علينا تجاوزه في عالم أصبح قرية صغيرة، والعلم فيه لا وطن له، علينا أن نستفيد من الخارج، لا أن ننظر اليه على أنه عدو. لقد بنى العباسيون نهضة الانفتاح على الاخر والتفاعل مع الثقافات المختلفة ولولا حركة الترجمة التي قاموا بها ماوجدت النهضة. والغرب عندما استفاد من العالم العربي والاسلامي لم يتردد في اعلان ذلك، وكتبوا في تواريخهم، مرت علينا فترات كنا عالة على العلوم عند العرب، ولم نعرف العلوم اليونانية على وجه الخصوص الا من خلال ابن رشد.. وهكذا الناس تخلط باستمرار بين الاستعمار وبين النفوذ الفكري، وأذكر عندما كنت طالبا بمدرسة دمياط الثانوية أن خرجت المدارس في مظاهرات ضد الانجليز، وبدلا من المطالبة بجلاء الاستعمار، طالبوا بالغاء تعليم اللغة الانجليزية.. كيف ونحن نعلم ان من تعلم لغة قوم أمن شرهم، وبالتالي أنا لا أقول بنظرية الاسباب الخارجية هذه، ولا بدعاوى الغزو الثقافي، فهذا لا يأتي الا من مجموعة من الكسالى، لا فرق بين من يعلقون الاسباب على شئ خرافي ولو أردنا أن نشخص الداء ونبحث عن العلاج، فلنقوم أنفسنا أولا، ـ ما سر اهتمامك بابن رشد تحديدا وهو متأخر عن غيره من الفلاسفة العقلانيين ممن سبقوه؟ ـ ابن رشد تجسيد حي لموسوعية المعرفة، كان قاضيا وقاضي القضاة وطبيبا وفيلسوفا، ولا يوجد من في الفكر العربي فيلسوفا عقلانيا منطقيا منذ الكندي سوى ابن رشد. وأقول لو أردنا في العالم العربي فيلسوفا لابد ان نبدأ من حيث انتهى ابن رشد. لقد بدأ اهتمامي به منذ 40 عاما عندما وقع اختياري عليه في اطروحة الماجستير عن النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد وتعلمت منه رفض النزاعات الكلامية والصوفية. واكتشفت انه لا يوجد اتجاه قبله الا وقام بنقده. وفي الفلسفة في العالم كله يقف على قمتها أربعة مفكرين كبار، أرسطو قمة الفلسفة اليونانية، وابن رشد وتوما الاكويني، وكانط، ومعروف في الفلسفة الحديثة اننا نقول الفلسفة قبل كانط وبعده. عرفت ابن رشد وتشبثت به وتعمقت في كل كتبه وترجماتها المختلفة حتى أكاد أحفظ عباراته كما أحفظ بيتا من الشعر. ابن سينا نموذج ـ أليس غريبا اختيارك لمفكر عقلاني كابن رشد في رسالة الماجستير واختيارك لمفكر أصولي هو ابن سينا في رسالتك للدكتوراه؟ ـ أولا أنا أردت أن أدرس المشرق العربي كما درست المغرب الذي قدم لنا ثلاثة من الفلاسفة هم على وجه الترتيب التاريخي، ابن باجة وابن طفيل، وكان معاصرا لابن رشد، ثم ابن رشد، وأردت في الدكتوراة أن أقف عند الثقافة المشرقية، فاخترت ابن سينا نموذجا لأنه أكبر الفلاسفة المشرقيين، واكثرهم انتاجا وكنت حريصا على عدم التعارض بين الرسالتين، وأنا معك في ان ابن سينا صاحب اتجاه اشراقي، به بعض مسوح الصوفية، وهو ليس اتجاها عقليا، كما الحال مع ابن رشد، لكن اتجاهي الى ابن سينا لم يكن للتسليم بآرائه العلمية، ولكن لنقدها باعتباره أكبر فلاسفة المشرق، ومازلت أذكر قول الراحل د. ابراهيم بيومي مدكور، وكان عضوا في لجنة مناقشة رسالتي الدكتوراة، عندما اعلن ان ابن سينا لابد يشعر بالقلق الآن في قبره من جراء نقدك العنيف له، فدراستي لابن سينا كانت من منظور نقدي، وحبي لابن رشد هو السبب الرئيسي في نقدي لابن رشد. ـ هل هناك أي مغزى لهذا التقييم مابين المشرق والمغرب؟ ـ شاعت التفرقة الآن، وبعض اصدقائي في المغرب وراء هذا التقسيم، يقولون ان المغرب أفضل من المشرق، ولا أرى مبررا اطلاقا، فالتفلسف مشاع لكل الناس، والعقل أعدل الاشياء قسمة بين البشر، والا لعدنا الى التقسيمات من نوع جنس سامي وجنس آري، تلك التفرقة التي انتشرت لقرن من الزمان، تقريبا من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، وجاء الرد من بعض كبار المستشرقين ومنهم الفرنسي بلمسون رسل الذي قال ان التفرقة بين البشر في المجال الجغرافي فقط، لكن في مجال الفكر لا، فلا يصيح القول بأن شعب يتفلسف وآخر لا يتفلسف. واذا عدنا الى المشرق والمغرب، بصرف النظر عن أني مشرقي، المشرق له الريادة في العلوم كلها ومنها الفلسفة ظهرت في المشرق قبل المغرب، والكندي أول فلاسفة العرب ظهر في المشرق العربي في القرن السادس الهجري، توفى 252 هجرية، وابن باجة وابن طفيل وابن رشد بعده بقرون، وكما قدم لنا المغرب العربي علوما غير الفلسفة قدم المشرق قبله العديد من العلوم كالطب والفلك والطبيعة.. الخ. لكن ربما مصادفة أن يكون المغرب العربي من خلال فلسفته أكثر عقلانية من المشرق العربي، فابن باجة وابن طفيل يمثلون المذهب العقلي، لاولاء بابن باجة وابن طفيل للتصوف فهم اعداؤه، وابن رشد كذلك عدو لدود للتصوف، والوقوف عند ظاهر النص الديني، فلابد من تأويل النص، أما المشرق العربي فامتزج الجانب العقلي بالجانب الاشراقي الصوفي، هذا موجود عند الفارابي وابن سينا وغيرهما، وبالتالي لست من انصار تمايز مشرق على مغرب أو العكس، ويكفي أن نضع في الاعتبار ان عدد فلاسفة المشرق أكبر وأكثر انتشارا من المغرب العربي لو أخذنا في الحسبان فرق الكلام والصوفية وعلماء الكلام. أيضا لابد أن نضع في الاعتبار انه لولا المتقدم لما استطاع المتأخر أن يصل الى ماوصل اليه، فمسألة الريادة ليست يسيرة، فالاقدمون عبدوا لنا الطريق، وساروا وسط الأشواك والصخور. ـ دافعت عن تسمية الفلسفة لدينا بانها الفلسفة العربية وليست الاسلامية ومن بين مؤلفاتك كتابين عن الفلسفة الاسلامية ما الأمر؟ ـ تاريخيا الفلسفة كان يقوم بتدريسها في البدايات مجموعة من المستشرقين الغربيين، وعهد طه حسين الى الشيخ مصطفى عبدالرازق فيما بعد بتدريس الفلسفة فسماها الفلسفة الاسلامية بحكم وضعه الديني الازهري خاصة في ظل التمييز بين العرب والاوروبيين مابين جنس سامي وجنس آري، فجاءت التسمية كرد فعل، وكل من تعامل مع الفلسفة في البدايات تعامل معها على انها الفلسفة الاسلامية لكني أرى ان هذه التسمية لها مخاطر كثيرة، لأن خصائص التفكير الديني ليست هي بالضرورة خصائص التفكير الفلسفي، التفكير الديني معتمد على وحي منزل وكتاب مقدس هو القرآن الكريم، لكن التفكير الفلسفي هو اجتهاد بشري معرض للصواب والخطأ وهناك خلاف بين الفلاسفة منذ 26 قرنا من الزمان أي منذ بداية ظهور الفلسفة وتلك طبيعتها، لذلك أقول فلسفة عربية كجنس كما نقول فلسفة فرنسية أو يونانية مثلا. ـ أنت تصادر على بعض الفلاسفة ممن ليسوا من أصل عربي كابن سينا والفارابي على سبيل المثال؟ ـ العبرة بالحضارة التي تربوا فيها، وعاشوا في ظلها، كم كتابا ألفه الفارابي بلغة غير العربية.. نكاد لا نجد، كم كتابا أو رسالة تركها ابن سينا الفارسي ثلاث أو أربع ضمن 270 كتابا ورسالة كتبها بالعربية، وماأقصده بالعرب هنا ليس الطبيعة الجنس، وانما اقصد الثقافة والفلسفة العربية نشأت في ظل الحضارة العربية، وميزة هذا المصطلح ستجنبنا التفكير، لأن المعيار هنا سيجعل من الغزالي عدو الفلسفة والتفلسف في القمة وكذلك ابن تيمية على اعتبار ان المعيار هو الاقتراب من الدين الاسلامي كما يتصورونه. الترف الفكري ـ إلى أي حد يوجد تلاحم بين الفكر الفلسفي والواقع، خاصة وان الناس العاديين ينظرون الى الفكر الفلسفي على انه ترف؟ ـ الفلسفة في وطننا العربي تكاد تكون في واد والحياة والناس في واد آخر لاسباب عديدة يتحمل في مقدمتها من يشتغلون بالفلسفة المسئولية الأكبر لأنهم يستطيعون تبسيط المذاهب الفلسفية بحيث تتغلغل في حياة الناس، في الغرب يفعلون ذلك، فضلا عن انه لا يوجد عداء للفلسفة والتفلسف كما هو حادث عندنا، وأقرب جملة شهيرة تسمعها في المسلسلات والأعمال التليفزيونية هي بطل فلسفة وماأكثر الحملات التي تشن ضد الفلسفة والفلاسفة في وطننا العربي هل تصدق ونحن في القرن الحادي والعشرين ان دولا عربية ممنوع تدريس الفلسفة فيها باعتبارها مرادفة للكفر، ايضا كتاب مثل بداية المجتهد ونهاية المغتصب وهو كتاب في الفقه لابن رشد دخل دولة عربية على ان المؤلف هو القرطبي وليس ابن رشد المتهم في ذلك البلد بأنه غربي الفكر علماني، نحن نهتم بالجسد أكثر من الفكر بوجه عام، والحديث عن الرياضة والفن في وسائل الاعلام أكثر أهمية من القضايا الثقافية والفكرية عموما، ولا توجد أكثر من مطبوعة في الوطن العربي كله تهتم بالفكر الفلسفي، وان وجد فهي بلا جمهور وتطبع اعدادا ضئيلة جدا، عكس أوروبا عموما الفكر هناك قضية جوهرية ولا تجد المانيا يجهل هيجل أو فرنسيا يجهل ديكارت، أو انجليزيا يجهل شكسبير، لكن صدقني سألت شابا ذات مرة من هو زكي نجيب محمود فقال لي بطل فيلم رصيف نمرة5 مع فريد شوقي، وبعض الشباب لا يعرف من هو العقاد لكن اذا سألتهم عن فيفي عبده سيقولون لك هي راقصة مصر الأولى. موقف من التراث ـ ماهو موقفك من التراث وفي تقديرك كيف نتعامل معه؟ ـ بداية أنا ممن يرون بضرورة الجمع بين الاصالة والمعاصرة لاننا لو اعتمدنا على التراث فقط لن نكون مواكبين لعصرنا، ولو اعتمدنا على الاتجاه الغربي فقط لن نجد فرقا بين الايديولوجية العربية أو الايديولوجية الغربية، فما الذي يمنع أن نقوم بعملية انتقاء، ونختار من الماضي مالا يعوقنا عن مسايرة النهضة الحديثة، فإذا وجدنا في تراثنا مجموعة من العلماء يكفينا منهم الاتجاه العلمي، ولا نقف عند تفاصيل ما قالوه في الطب أو غيره لانها تفصيلات ارتبطت بغيرها وتغيرت، أما الاتجاه العلمي فهو موجود عند مئات من العلماء العرب والمسلمين وهم من القمم التي قد لا نجد لها نظير الآن. واتساءل ماذا يفيدني الآن ان عباس ابن فرناس ركب لنفسه جناحين وحاول الطيران فوقع فمات، هل من يريد أن يخترع طائرة الآن يطلع على محاولات ابن فرناس ام يقف على أحدث ما وصل اليه العلم في عالم الطيران، اليابان لم يقدر لها ان تصل الى ماوصلت اليه الا لانها بدأت مما وقف عنده الآخرون. وأقول ان التراث مسألة مهمة جدا وبحكم انني عربي ومسلم لا أقبله كله ولا أرفضه كله، بل أقوم بدور الفاحص لهذا التراث واستطيع ان اخذ منه مالا يعترض طريقي، ينبغي ان نزيل هالات التقديس لهذا التراث، لأن الفكر البشري عليه ان يتخلص باستمرار من هالات التقديس دون مبرر، فهم بشر ولم يكونوا قديسيين، والبشر معرض للصواب والخطأ وغالبا مايكون التقليل من شأن التراث سببه عدم دراسته لان فاقد الشيء لا يعطيه، والناس اعداء لما جهلوا، فلابد أن ننتبه الى أن بعض محاولات الهجوم على التراث تأتي من أناس لا يعرفوه ولم يدرسوه. ـ أسلمة العلوم دعوى تبناها البعض باعتبار اننا اصحاب حضارة وتاريخ وبغرض التمايز ايضا.. فما تقديرك لهذه الدعوى؟ ـ مامعنى اسلمة العلوم، العلم هو العلم، أقول علم الطبيعة أو الكيمياء أو الفيزياء، فبأي معنى أقول كيمياء اسلامية أو فيزياء اسلامية، فإذا قلنا في علم الطبيعة ان الماء يتركب من هيدروجين واكسجين هل معنى ذلك ان الطبيعة الاسلامية سيكون الماء مركبا من هيدروجين وفوسفات مثلا، مقولة العلوم الاسلامية خطأ لأن العرب والمسلمين لم يعرفوا العلوم الا ابتداء من العصر العباسي طبقا للتاريخ فإذا قلنا بأسلمة العلوم فكيف نبرر انه لا يوجد لدينا علماء لا قبل ظهور الاسلام ولا بعد ظهور الاسلام ولا في العصر الأموي، ولم يحدث نبوغ علمي الا عندما حدث الاقتران السعيد بين الثقافة العربية الاسلامية وغيرها من الثقافات، ولولا ما ترجم من كتب في الطبيعة والجغرافية والفلك واللغات اليونانية لما وجدنا علماء عرب، وماعرفنا قبل العصر العباسي من هم أصحاب الخبرات، وصاحب الخبرة غير العالم، كلنا لدينا خبرات طبية، ولكن ليس معنى هذا أن نقيد في نقابة الأطباء. ومعنى القول بالعلوم الاسلامية ان هناك علوم الكفار، وتلك مغالطة تؤدي بنا الى نتائج سيئة جدا، وفي الغرب كله لا يتحدثون عن هذا واعتقد أن هذا المصطلح ـ العلوم الاسلامية ـ اشاعته وركزت عليه بعض المنظمات الاسلامية وكأنهم يريدون ان يظل العلم في العالم العربي والاسلامي راكدا، واذا أردنا ان نتقدم فالعلم هو العلم، في أي زمان ومكان، والا فليجبني أحد.. ماذا فعل العرب في أبحاث الفضاء؟ أقول لا شئ، وكذا العلوم الحديثة كلها، ومن يهاجمون العلوم الغربية هم أكثر الناس سعيا وراءها، وأعرف بعض المشايخ ممن يهاجمون الطب الحديث ولا يعالجون الا في الخارج، ولو كتبنا تاريخ العلم في العالم الذي ارتبط بالتطبيقات التكنولوجية لن نجد للعرب سطرا واحدا، جميع التطبيقات التكنولوجية ليس لنا فيها نصيب، لهذا أنا ضد المقولات الخاطئة الفاسدة التي تنادي بأسلمة وتعريب العلوم. المشروعات الحضارية ـ بعض المفكرين العرب يطرحون مشروعات حضارية كأساس للتقدم ماتقييمك لها؟ ـ على كل حال أنا لا أتعرض للأشخاص ولكن القضية هل يوجد لدينا مشروعات حضارية فكرية أم لا، أعتقد أنه لا يوجد عربي الآن لديه مشروع واضح مفصل من ابداعه هو، بحيث نقول مشروع فلان، لكن اذا كان الشخص مردودا لاراء السابقين اذن مشروع، ولا يوجد مايقال عنه خطأ بأنه مشروع والا نقله صاحبه من هنا وهناك، وأعرف من قاموا بالنقل عن زكي نجيب محمود دون أن يكلفوا أنفسهم بمجرد الاشارة اليه، وحتى المشروعات التي استندت على فكر الغرب منقولة كذلك من مفكرين غربيين كبار، وهذا ماتنتبه اليه جائزة نوبل مثلا، فلو قدم مفكر عربي مشروعا حضاريا يصلح أساسا للنهضة لكان أولى بجائزة نوبل، وهي جائزة تضع في اعتبارها أن يكون الشخص صاحب منجز ولديه مشروع، ولو قدم أحد ممن يدعون أن لديهم مشروعات حضارية لأي جائزة دولية فلن يجد أصحابها الا سلة المهملات. لأنهم لا يقدمون جديدا، نحن أسرفنا في كلمة مشروع، وكل من له بعض الافكار المنقولة بالمسطرة يقول انه قدم مشروعا، واذا جاز هذا على السذج، فلا يصح اطلاقا أن يقف عنده المفكرون العلماء مجرد وقفة، لأن التصدي لشئ لا يصلح عنه الكلام فهذا اعتراف بانه له أهمية. وأتصور أن كلمة مشروع يمكن ان تقال على جوانب تجارية وليس فكرية لاننا اسرفنا في استخدام كلمة مشروع، وكل من يقول مجموعة من الكلمات التي قد تمثل نوعا من الخلل والتخلف العقلي يطلق على نفسه أنه صاحب مشروع بدون مبرر. القاهرة ـ سيد رزق: