التعامل الاعلامي العربي مع أحداث الولايات المتحدة كان متباينا سواء على مستوى الاعلام المقروء أو المرئي، والجميع تقريبا اعتمدوا على وسائل الاعلام الغربية في تغطيتهم لهذه الأحداث، وبحيث بدا الأمر وكأنه لا توجد معالجة اعلامية شاملة من وجهة النظر العربية لهذه، وربما لو وقعت هذه الأحداث في دولة أخرى غير الولايات المتحدة لتغير شكل المعالجة، ويبدو أن جسامة وفجائية الأحداث وعدم توقعها بهذا الشكل كان وراء انقياد كل وسائل الاعلام العربية بلا استثناء وراء الاعلام الأمريكي والغربي، وأن كنا هنا يجب أن نوضح أن هناك بعض الفضائيات العربية حققت بعض التميز في هذه الأحداث وخاصة قناتا أبوظبي والجزيرة والتي لم يكن لهما منافس لا على المستوى الدولي أو الغربي، ونستطيع أن نقول انه اذا كانت CNN قد ولدت في حرب الخليج فإن الجزيرة قد ولدت في أحداث الحرب الأمريكية ضد الارهاب، كما كان لقناة أبوظبي اداؤها المتميز وكان لها حضور قوي على خريطة الفضائيات العربية وهذا كان بسبب استمرار الجهود المبذولة من فترة لبلورة قناة فضائية متميزة على خريطة الفضائيات العربية. وفيما يتعلق بامكانيات قيام الاعلام العربي بالتأثير واختراق الرأي العام الغربي فأن تأثير الاعلام العربي يعوقه اللغة والحل هنا أن تكون هناك قنوات ناطقة بلغات أجنبية واعتقد ان قناة الجزيرة بما اكتسبته من شهرة اعلامية دولية خلال الفترة الماضية، عليها ان تضع في اعتبارها طبيعة الجمهور المستهدف لها وبناء عليه تختار اللغة الاعلامية المناسبة والمرتكزات الاعلامية التي تحقق هدفين أولهما الوصول بمضامين البرامج التي تسعى لتحقيقها، وثانيهما أن تنجح في مخاطبة العقلية الغربية بعيدا عما درجت عليه على مستوى الاعلام العربي من خطابية، لما يجب على هذه القناة ان تهتم بالشكل الذي تقوم به برامجها، ومن الممكن في هذا الصدد الاستعانة بالمشاهير من مقدمي البرامج الغربيين لأن هذا من شأنه اجتذاب الجمهور الغربي لهذه القناة، لأنه ليس بالضرورة ان يكون القائمون على هذه القناة هم من الشخصيات الاعلامية العربية التي تجيد اللغات الأجنبية فقط، المجال مفتوح للاستعانة بأي كفاءات يمكن أن تفيد في هذا المجال. وحول اتجاهات الاعلام العربي وهل تخدم قضايا الأمة وتعكس الواقع العربي بكل تقاطعاته وتناقضاته فلا شك أن هناك انفصاما بين مؤسسات الاعلام العربية والشارع العربي، واذا أخذنا موضوع الأحداث الأمريكية كمثال فسوف نجد الآتي، تناول هذا الحدث مر بمرحلتين الأولى وهي مرحلة الصدمة التي نتجت عن الحدث الذي وقع في 11 سبتمبر وكانت السيادة الاعلامية فيها للاعلام الغربي وهذا أمر منطقي وان كان الاعلام العربي قد فاته أن يعطي التغطية بعدا تحليليا بالبحث وراء الاسباب التي أدت اليه والنتائج المتوقع حدوثها بسببه، والمرحلة الثانية وهي مرحلة شن الحرب ضد الارهاب وكان على الاعلام العربي ان تكون له المبادأة والمبادرة في طرح الموضوع على مائدة النقاش والقيام بتغطية شاملة لهذا الحدث دون الانتظار للنقل عن الاعلام الغربي، ولكن الذي حدث أن الاعلام العربي مازال أسيرا للرؤية الغربية دون أن يكون له موقف واضح ومحدد في هذا الموضوع، وهذا لأن الاعلام العربي ظل في معظمه أسير للمواقف السياسية المتعلقة بالحكومات وليس انعكاسا لنبض أو رأى الشارع العربي، الاعلام العربي لم يستطع أن ينسلخ عن هذا الموقف المساير للمواقف السياسية للحكومات ولم يستطع أن تكون له رؤية متفردة في هذه الأحداث تختلف عن التوجهات السياسية للأنظمة وعموما فالموقف الحالي للاعلام العربي يدل على انه مازال واقعا تحت سيطرة تدفق المعلومات غير المتكافئ من الغرب الى العالم الثالث بشكل عام. والملاحظ أن هناك بعض وسائل الاعلام الغربية كانت تنتظر مثل هذه الفرصة حتى تتمادى في تشويه صورة العرب والمسلمين واستغلال الحدث لتحقيق بعض المكاسب والمصالح لصالح بعض الأطراف وخاصة الطرف الاسرائيلي وتحت تأثير اللوبي الصهيوني الموجود في الولايات المتحدة، فهذه الوسائل لم تتوان لحظة أن تلعب على هذا الوتر ومنذ لحظة ارتطام الطائرة الأولى ببرج التجارة العالمي، الاعلام الغربي كان على استعداد لاثارة المشاكل ضد المسلمين وكان هناك تحفز منه لبيع هذه الصورة السلبية عن العرب والمسلمين وبما يتفق مع الاغراض والأهداف التي يريدونها، وهذا ليس ناشئا عن تفسير المؤامرة الذي نغرق أنفسنا فيه، ولكننا بدون شك نحن ساهمنا في تحقيق ذلك سواء بسلوك الشارع العربي والاسلامي، والاداء الاعلامي العربي والاسلامي حيث ساهمنا في ترويج هذه الصورة السيئة وحتى قبل الأحداث، كما اننا لم نبذل أي جهد في تصحيح هذه الصورة المشوشة عن الاسلام والمسلمين في العالم، لم يكن لنا أو للاعلام الاعلامي أي دور في ازالة هذه الصورة، بل كانت هناك حالة غياب من هذا الاعلام ولم يكن على المستوى المطلوب، ايضا ساهمت سلوكيات الشارع الاسلامي وخصوصا من خلال بعض السلوكيات المتطرفة لبعض الجماعات التي تسمى نفسها اسلامية، فهذا الانغلاق الفكري والتقوقع الديني الذي اتسمت به تصرفات هذه الجماعات، ساهم فيما نحن فيه الآن، واتصور أن هذا حدث بشكل متراكم على مدى سنوات طويلة وقد يحتاج الأمر لسنوات أطول اذا فرض اننا بدأنا من الآن لاعطاء الصورة الصحيحة التي يجب أن تكون عليها صورة العرب أو المسلمين لدى الغرب، وعموما نحن هنا لا نستطيع التفريق بين الاعلام الاسرائيلي وغالبية وسائل الاعلام الغربي، فلا أحد يستطيع انكار النفوذ اليهودي المتغلغل في الأنظمة الاعلامية الغربية ولكن يمكن القول أن التنسيق فيما بينها في هذا الحدث كان على أعلى مستوى وبما زاد من خطورة الأمر مدى جسامة الأحداث التي وقعت في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر الماضي. وعلينا أن نتفق أولا على أننا لا نملك اعلاما عربيا متجانسا ومتكاملا، نحن لدينا قنوات اعلامية عربية متعددة ولكن لا توجد خطوط عريضة متفق عليها من قبل الاعلام العربي في صورته الشاملة وبالتالي هناك ثغرات اعلامية شديدة الخطورة عليه، أكثر من خطورة الاعلام الغربي عليه، فحالة التشرذم العربية تعكس اعلاما للأسف الشديد لا يستطيع أن يتفق على الحد الأدنى من الثوابت التي يجب أن يلتزم بها، ومن هنا فالمفروض أولا أن يتفق الاعلام العربي على أهداف مشتركة أو استراتيجية موحدة وهذا لا يعني ألا نختلف فالاختلاف منطقي وضروري لأن يعكس الاختلاف الموجود في المجتمعات العربية، ولكن هذا لا يعني ألا يكون هناك اتفاق على استراتيجية عامة يتفق عليها الجميع، وهذه مهمة يجب أن يضطلع بها الاعلام العربي وأن، تدعم ذلك جامعة الدول العربية من خلال مجلس وزراء الاعلام العربي، فقد آن الأوان لكي يقفوا موقفا تحتمه طبيعة المرحلة التي نمر بها الآن والا تكون لقاءاتهم مجرد فلاشات لمصوري الصحف وشاشات التلفزيون ولكن هناك حاجة الآن لعمل اعلامي جاد وواع بخطورة ماتمر به الأمة العربية والاسلامية. د.عصام نصر ـ مدير مركز التوثيق والتدريب بكلية الاعلام جامعة القاهرة